رواية "فسوق" لعبده خال - دراسة نقدية
(ط3 - دار الساقى بلندن)
د. إبراهيم عوض
(2- 3)
ورغم كل ما قالته ألسن الناس عن جليلة وفجور جليلة وهروب جليلة من القبر مع عشيقها فإن هؤلاء الناس أنفسهم كانوا يستظلون بشجرة السدر التى قتلت تحتها جليلة تبركا بها واعتقادا منهم أن روح جليلة سوف تحمل أمنياتهم إلى السماء فتستجاب. كيف تم هذا التحول من اللعنات إلى التبركات، ومن الاعتقاد بأنها قد هربت من قبرها إلى الاعتقاد فى أنها قد قتلت وصارت روحها تُقِلّ أمانيهم إلى حيث تستجاب، واستحالت البقعة التى تقوم فيها الشجرة مكانا مقدسا تتحقق عنده المطالب والأمنيات؟ (نفس الصفحة السابقة) يقول المؤلف إنهم بدأوا يسمعون نواحا ليليا تدعو فيه القتيلة على قاتلها. واضح أن الكاتب يتخبط لأنه لا يعرف ماذا يكتب وماذا يدع بل يخلى بين قلمه وبين الورق يخط ما يشاء دون قيد من الفن أو العقل متصورا أن هذا هو الإبداع الأدبى!
كذلك لا أستطيع أن أقتنع بأن طفلا رضيعا يمكن أن يعيش دون أم ودون رضاعة صارخا طول الوقت من الجوع والعطش مع أب شبه مجنون لا يطعمه ولا يغير له ملابسه أو لفائفه ولا ينظفه، فيزداد الطفل معاناة وصراخا دون أن يسمح الأب لأحد من الاقتراب منه والعناية به، علاوة على انغراس سن السكين كثيرا فى جسده عندما كان الأب شبه المجنون يتدرب على غرسه فى أحشاء الوسادة تمهيدا لغرسه ساعة سنوح الفرصة فى أحشاء زوجته التى خانته وهربت مع عشيقها، ومع هذا كله لا يموت الطفل بل يبقى بعد أبيه (ص26- 27). كيف؟ عِلْم ذلك عند عالِم السر وأخفى! وعلى أية حال ما لزوم التطرق إلى حكاية الطفل ما دام ليس له دور يؤديه فى الرواية؟ أم هو تكثر بعدد شخصيات الرواية، والسلام؟
ومما لا يعقل من الأحداث أيضا أن اللواء رئيس الضابط سارد الرواية يفشل فى نشر شىء من أشعاره فى الصحف، ليظهر أن الصحفى الذى وعده بالنشر إنما فعل ذلك لرغبته فى إفراجه عن صديق له كان قد حُبِس بسبب تأخره فى دفع إيجار شقته عاما كاملا، ولما تم له ما أراد لم ينفذ ما وعده به (ص44). أوتصدق، أيها القارئ، أن ذلك يمكن أن يحدث فى بلاد العالم الثالث؟ صحيح أن أشعار الرئيس من النوع الحلمنتيشى، لكن متى كانت صحفنا، وبخاصة فى البلاد التى تدور فيها وقائع الرواية، تهتم دائما بأن يكون ما تنشره أدبا راقيا؟ ثم هل يعجز لواء مثله يحب الشهرة بالشعر عن تكليف أحد الشعراء بكتابة قصيدة له تحمل اسمه، إن كان ضمير القائمين على الصحيفة حيا وحرجا إلى هذا الحد غير المعقول، وكانوا على هذا القدر من الشجاعة؟ وهناك أيضا قيام ضابط التحقيق بتحليل نفسيته مسلطا الضوء على عيوبه ومقرا بشعوره بالنقص وخلوه من العمق الثقافى بالنسبة إلى صديقه فواز الحاصل على دكتورية فى الفلسفة من جامعة القاهرة (ص163). فهل من السهل العثور على من يحلل شخصية نفسه بهذا الوضوح وبهذا الصدق وبهذا العمق وبهذه المواجهة مع الذات ويقر بعيوبه بكل هذه الشجاعة فى مجتمعاتنا، وبالذات بين فئة ضباط الشرطة الذين يظن الواحد منهم أن الأرض لا يطأها من هو فى مكانته وقدرته على التحكم فى مصائر البشر تهديدا وتخويفا وسجنا وضربا وقتلا؟
وبالمثل لا يمكن أن يصدق عقل قول امرأة ممن أخذت الشرطة أقوالهم إن القتيلة كانت لها بمنزلهم مخرج سرى، إذ "قامت بهد جدار منزلهم المطل على الشارع الخلفى، ووضعت له ديكورا يظهره كتحفة تزين بها غرفتها، وكانت تتسلل من هذا المخرج ليلا لمقابلة من تختاره من شباب الحارة". ووجه العجب بل وجه الخبل فى هذا الكلام أن جليلة من أسرة فقيرة وتعيش معهم فى بيت متداع، فمن أين لمثلها بالديكورات والتحف، وبالذات بتلك الضخامة؟ إن المؤلف يتصور أنه يخاطب مجموعة من المخابيل خريجى مستشفى الأمراض العقلية، وإلا فكيف ستهدم البنت الحائط دون علم أهلها، وكأنه منديل من مناديل الكلينيكس ستتخلص منه دون أن يلتفت إلى ذلك أو يأبه به أحد، أو كأن الحائط مجموعة من ذرات الغبار يكفى أن تنفخه بنفس من أنفاسها فيطير فى الهواء، وكفى الله المحسنين إحضار الفؤوس والعتل والعتالين والقفف وهيلا هوب وعربات الكارو؟ وهبنا بلعنا هذه، فكيف نبلع حكاية الديكورات؟ كيف ستشتريها؟ ومن أين لها المال اللازم لذلك؟ وكيف ستدخلها المنزل دون علم أهلها؟ وهذا إن كان مثلها يفكر فى الديكورات أصلا. وهبنا قد بلغ منا الخبل مداه وبلعنا هذه أيضا، فكيف لم يلفت ظهر البيت المهدوم الجدار أنظار المارة والجيران فيبلغوا أهلها حتى لو أقامت المخبولة مكانه ألف ديكور وديكور؟ واضح أننا إزاء رواية قد كتبت للمتخلفين عقليا، وأوقعنى حظى النَّحِس فيها كى أقرأها وأنقدها. ومعروف أن الذى على الجبين لا بد أن تراه العين. وقدرى قد قضى علىَّ أن أقرأ هذه الرواية وأن أتجرع غصصها، والمؤمن يرضى بقضاء الله وقدره حتى لو كان قدره هو قراءة مثل ذلك العمل، وأمره إلى الله. وقضاء أخف من قضاء!
وتبلغ البهلوانية والسذاجة عند المؤلف حدا شنيعا عندما يقدم أحد الأزواج على قتل زوجته بالمسدس. لماذا؟ لأنه سمع ابنته تقول ذات يوم: "لماذا نغير أنابيب البوتاجاز كل يوم؟"، فظن أن البنت تشير إلى أن بائع الأنابيب يأتى إلى أمها (أى زوجته) كل يوم فى غيابه ليعاشرها فى الحرام، فى حين أن البنت إنما قصدت "لماذا لا نغير أنابيب البوتاجاز كل يوم؟" لكن سقط منها حرف النفى: "لا". أتصدق هذا بالله عليك أيها القارئ؟ والحمد لله أن السارد ضابطٌ ثقافتُه على قده فلم يفكر فى أن يقيم حوارا نحويا حول طبيعة "لا" هذه، وهل هى "لا" التى تنفى وقوع الفعل أو "لا" النافية للجنس أو "لا" النافية للواحدة أو هى مجرد حرف عطف؟ ولكن لم قالت البنت ذلك؟ لأنها رأت بائع الأنابيب يدخل على جارتهم كل يوم فظنت أنه يغير لها الأنبوبة فى كل مرة، بينما الحقيقة أنه يزورها يوميا، إذ كانت زوجتَه فى السر؟ أى أن المؤلف قد زوجهما سرا لكى تراه البنت الصغيرة فتحسبه أتى لتغيير أنبوبة جارتهم فيدفعها ذلك إلى تمنى تغيير أنبوبتهم كل يوم مثل جارتهم، لكنها تخطئ فتحذف حرف النفى، مما يثير عواصف الشك والغيرة فى قلب أبيها، فيقتل أمها، ونشد نحن شعرنا ونكاد أن نفرقع من جنوبنا غيظا من ذلك العك الأزلى (ص97- 98).
ومثلها اختلاق المؤلف إصابة جليلة بمرض جلدى مزعج يبعث على الهرش المدمى للجلد ويستلزم التخفف من الملابس بله التعرى لولا أن الشيخ أكد للفتاة أن أى عضو يتعرى من صاحبته فهو فى النار، فهى تلبس الملابس الثقيلة حتى فى البيت بين إخوتها وأخواتها كى تنجو من أهوال النار ويزداد عذابها بآلام جلدها فى الدنيا (ص132) مع أنه لا علاقة بين هذا وسائر أحداث الرواية. وطبعا المغزى واضح من وراء اختراع هذه الحكاية السخيفة لا يتطلب منى شرحا ولا تدخلا. كذلك كيف علم السارد بكل التفاصيل الخاصة بماضى خالد أخى جليلة رغم أنه لا صلة بين ذلك الماضى وبين التحقيق الذى يتولاه، ومن ثم لا يمكنه أن يعرفه؟ لو كان سارد القصة هو السارد المطلق لكان ذلك مفهوما لأنه بطبيعته يعرف كل شىء، أمّا وهو شخصية من شخصيات الرواية فإن هذا يقيد نطاق معرفته بما يحدث فى حضوره أو بما يحكيه له الآخرون، وهو ما لا يتوافر منه شىء فى موضوعنا الذى نحن بصدده. فكيف علم إذن؟
وثم عيب مزعج آخر فى الرواية يقابله القارئ منذ أول سطر فيها، ألا وهو الصبيانية التعبيرية متمثلة فى اعتساف العبارات والصور المتحذلقة الغريبة دون مراعاة السياق أو الحرص على اتساقها مع المتحدث. فبدلا من أن يقول السارد مثلا: "انتشرت هذه الجملة على الألسنة" نجده يقول: "وجد أهل الحى هذه الجملة قريبة من أفواههم لتسعفهم فى ترتيب أقاويل ملائمة لما حدث..." (ص7). فالتهويل واضح تمام الوضوح فى العبارة رغم أنها لا تقول شيئا ذا بال. وهكذا يفعل كثير من الشُّدَاة توهما منهم أن هذا هو ما يقتضيه الإبداع الأدبى. ومثلها قوله: "لم تكن لدى أحد منهم بينة تحمل صدق الشمس، لكن الأقاويل تحتاج إلى مفاتيح احتياطية مزورة" (نفس الصفحة) بدلا من "لم يكن أى منهم صادقا، بل كانوا كلهم مزورين". فهل ترى، يا قارئى الكريم، أى داع لتنكب هذا الكلام المباشر؟ الواقع أن هذه حيلة الكاتب الذى ليس لديه شىء ذو قيمة، فتراه يخفى تحت عباءة الاصطناع والتهاويل مسخه الهزيل إيهاما بأن وراء الأكمة ما وراءها. فانظر كيف صعد الكاتب إلى أعالى السماء حتى بلغ الشمس نفسها ثم هبط سريعا إلى الأرض وأخذ يخترق الشوارع والدروب حتى وصل إلى دكان صناعة المفاتيح بحثا عن مفتاح مزيف.
ومن ذلك الوادى قول الضابط السارد خلال حديثه عن رئيسه اللواء إبراهيم العامر (ص43): "تغدو حكايات الماضى هى الحقيقة الوحيدة التى نسيناها ونحن نركض للأمام، وحين نجد أنفسنا محاصرين بأشعتها الحارقة ولا نستطيع دفعها نستعير غيوم الأقاويل كمظلات جُلِبَت لهذا الغرض. احتاج إلى نَفَسٍ طويل ليكمل جملته من غير مقاطعة. شعر بلذة حين أنهى جملته من غير أن يمد يده لإسكات مداخلاتى التى عزمتُ فيها على ثقب حديثه وتفريغه من الهواء"، وقوله أيضا عن ذلك الرئيس ومحاولاته المستمرة فى أن يكون شاعرا أو أديبا رغم انعدام موهبته: "فى لحظات انبساط مزاجه يخرج محاولاته الأدبية ويغلق باب مكتبه جيدا ويسمعنى ما لا طاقة لى على سماعه، فأتملقه بكلمات تخرج من فمى يابسة متخشبة، وأضطر بين الحين والحين إلى ترديد جمل الروعة والعظمة لكلماته التى تخرج من فمه كصوت احتكاك عجلات عربة تَلِفَت مكابحها، فضَجَّ حديدها بصريرٍ متواصلٍ"، وقوله كذلك عنه يصور براعته فى سلوك الطرق التى تؤدى به إلى الترقى للرتب الأعلى بسرعة وسهولة: "ظل يصعد إلى الأعلى وهو فى مكانه، كشجرة فتحت لها الأرض شدقيها، لينمو من الأسفل والأعلى" (ص46)، وهى صورة غريبة لا يمكن تصورها، فالأرض أولا لا تفتح للشجر ولا لغير الشجر شدقيها ولا حتى شدقا واحدا من شدقيها، إن كان لها أشداق أصلا، بَلْهَ أن أحدا فى الدنيا يستطيع فهم احتراز السارد بقوله عن رئيسه إنه كان يصعد إلى الأعلى وهو فى مكانه: لا بالمعنى الحرفى ولا بالمعنى المجازى، مثلما لا يستطيع أحد أن يفهم وصفه لذلك الرئيس بأنه كان ينمو (أى فى وظيفته) من الأسفل والأعلى جميعا: فأما الأعلى فمفهوم لأن النمو الوظيفى (أى الترقى) يكون لأعلى، أما "لأَسْفَل" هذه فلا أدرى كيف تكون. والطريف أنه قبل بضعة أسطر قد وفقه الله سبحانه، وما شىء على الله بعزيز، إلى الصواب فقال عن هذا الرئيس إنه "صعد عاليا" فقط دون أن يردفها، بحمد الله الذى بنعمته تتم الصالحات، بأنه نما كذلك إلى أسفل.
ومن ذلك أيضا قوله عن ذلك الرئيس ذاته: "ربما وجد فى هذا العذر مأمنا ينجيه من فرن الاستهزاء الذى يحس بأبخرته تنبعث من بين أهدابى"، ونسى أنه قال بعظمة لسانه قبل قليل، كما رأينا، إنه كان يتملقه تملقا شديدا. فكيف يمكن أن يظهر عليه، وهو المتملق الأصيل، شىء من الاستهزاء به، فضلا عن أن يكون هذا الاستهزاء فرنا يقذف بالشرر؟ يا ساتر استر! ومنه قوله يصف كثرة الموتى بالحى الذى تنتمى إليه الفتاة القتيلة (ص52): "لم تفلح الجنازات اليومية المتجولة فى أزقة هذا الحى فى نفض اللامبالاة التى استوطنت قلوب أهله وتعيدهم للاهتمام بالقبور التى تبتلع يوميا نَفَسًا كان ينفخ بالونة الحياة بكل قواه". يا حفيظ! إن مثل هذه العبارات تحتاج إلى كوم من الليمون يمص الواحد طائفة منها كلما مر بإحداها.
وإنى لأتصور المؤلف رغم هذا كلما افترع شيئا من تلك العبارات والصور الغريبة التفت حوله هازًّا عطفيه انتشاءً بالرضا التام عن نفسه أن وفقه الله إلى ما لم يوفق له أحدا من العالمين، وباحثا عن الإعجاب فى عيون قرائه، ومنتظرا التصفيق المدوى منهم. ثم ما السبب فى أن الجنازات تكاثرت إلى هذا المدى العجيب فصارت تمر بالحى يوميا؟ لقد خطرت هذه الفكرة بذهن المؤلف فذكرها على الفور دون أن يكون هناك ما يستلزمها، إذ بدت له شيئا حسنا، فقال فى نفسه: "فلندخلها القصة على سبيل الزينة، فهى حادثة لا تقع كل يوم". صحيح أن مثل هذا يقع أيام الأوبئة والطواعين، لكن أين روايتنا هذه من الأوبئة والطواعين؟ إن المؤلف لا يعرف شيئا اسمه فن الانتقاء، فهو يورد كل ما يخطر على باله دون أن يفكر فى أن ذلك يثقل الرواية بزوائد سخيفة تسىء إليها.
ولا يقتصر هذا التحذلق والاستعراض اللغوى والبلاغى على لغة السارد بل يتعداها إلى لغة أبطال الرواية أيا كان موقعهم الاجتماعى، فالمؤلف لا يلون لغة كل شخصية فى الرواية حسب طبقتها الاجتماعية ومستوى ثقافتها بل يخلط عاطلا بباطل. ويمكن أن يجد القارئ مثالا ساطعا لذلك فى ص74 وما بعدها حيث ينقل المؤلف روايات الشهود حول جليلة، وفى بعضها تلك الحذلقة المزهقة للروح كاستعمال مسرى توفيق لكلمة "صويحباتها"، وقول زميلة لها: "تخالجهم أمنية كذا"، وقول إبراهيم الدينى إنها بعد ضبط رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لها هى وحبيبها وافتضاح أمرها لم يبق لها فى الحياة سوى "ممارسةالبغاء أو الدخول فى العبادة كحلٍّ يُنْسِى الناس براءة حب غُلِّف بكيس نفايات وقُذِف فى برميل قمائم عبثتْ به جِرَاءٌ لا تعرف أن به وردا كان يعدّ فتنة لليلة عرس تنهى لوعة طويلة". يا ساتر استر!
ثم خذ هذه أيضا، وهى من أقوال ضابط التحقيق، الذى لا يمكن أن يدور مثل ذلك التعبير المعقد المتعثكل المتحذلق فى ذهنه أو على لسانه لضحالة ثقافته ومحدودية لغته، بَلْهَ أن يرد ذلك فى السياق الذى ورد فيه (ص181): "وَجْها جليلة وزوجتى لم يغادرا مخيلتى. يبزغ وجه زوجتى كعلبة مفتوحة تبحث عن غطائها على الدوام كى لا تتعفن محتويات أعماقها غصبا عنها. أما وجه جليلة فيبزغ كعلبة مختومة تدحرجت من مخزنها ولم تقبل أن تكون علبة قابلة للفتح بمفتاح لا تعرف كنهه وتترك له حرية العبث بمحتوياتها معرِّضا إياها للتعفن الداخلى جبرا، فتفتقت مخيلتها عن خطة مذهلة لتهرب بجسدها من أجل الوصول إلى المفتاح الذى تشتهيه بعيدا عن أعين من أراد استلابها حبها".
وهذا يقودنا إلى الجوانب الأخرى من لغة الرواية. فمهى لا تخلو من الأخطاء النحوية والصرفية والمعجمية رغم أنها، كما هى أمامنا الآن، تراعى القواعد اللغوية بوجه عام. ومع هذا لا أستبعد أن تكون قد خضعت للتدقيق من أحد المراجعين اللغويين. وقد رجح لدىَّ هذا الافتراض ما كتب بعضهم فى أحد المواقع المشباكية من أن كتابات عبده خال السابقة على هذه الرواية كانت مملوءة بالأخطاء الإملائية، إذ لا أظن كاتبا يحسن النحو والصرف ويخطئ فى الإملاء. ولعل كاتب هذه الملاحظة يقصد أخطاء اللغة بوجه عام لا الإملاء فقط. وأستطيع أن أشير فى هذا الصدد إلى كلمة "الأخوة"، التى تكتب عادة بهمزة على الألف لا تحتها (ص191، 194مثلا)، و"يكفى أن تشتهى لتغدو شهوتها أثرا بعد عين"، يقصد "ليغدو حلمها حقيقة" (ص171)، و"إصباغ حنانها علىَّ" (ص231) بدلا من "إسباغ"، و"أصْبغت الكون" (ص237) عوضا عن (صَبَغَت)، و"أبات أرتعد" بمعنى "أبيت..." (ص207)، وأُدلف منه للمقبرة" فى مكان "أَدْلِف" (ص237)، و"بَقَتْ" بدل "بَقِيَتْ"، التى كان بعض العرب القدماء يستخدمونها بصيغة "فَعَلَ"، إلا أن ذلك عهد مضى وانقضى منذ قرون بعيدة، ولم نعد نفعله إلا فى العامية، و"تجد أبوها وأخوها" (ص219)، والصواب "تجد أباها وأخاها"، و"تيقَّن هذا التخمينُ" بمعنى "صار هذا التخمين يقينا" (ص232)، وهو استعمال غريب جدا لهذه الصيغة التى نستعملها فى مثل قولنا: "تيقن فلان صحة الواقعة"، و"كان شيئا يحوك..." بنصب اسم "كان" بدلا من رفعه، و"فَرَّتْ من قَصْوَرة" رغم أنها عبارة قرآنية معروفة، و"القسورة" فيها بالسين لا بالصاد.
كذلك تكرر استخدامه الضاد مكان الظاء، والعكس بالعكس. كما يقول: "معاف" بدلا من "مُعَافًى" على طريقة العسكريين. وكثيرا ما يستخدم الفعل اللازم بدون حرف جره كقوله مثلا: دلف فلانٌ الحجرة، أو تربص فلان فلانا، أو تلمظ الرضيع ثدى أمه... وربما كان المدقق اللغوى الذى رجحت أن يكون قد راجع له الرواية قد ترك بعض الأخطاء دون أن يصلحها تنبيها للقارئ إلى حقيقة مستوى لغة المؤلف دون أن يتهمه صراحة. كذلك يصعب عليه أن يقول مثلا: "ضرب بعضهم بعضا"، فنراه يقول بدلا من ذلك على طريقة العوام: "ضربوا بعضهم"، التى تعنى فى الواقع أنهم قد ضربوا جماعة منهم. ومن ذلك: "لا نشعر تجاه بعضنا إلا بمودة الأخوة" (ص184). وهناك أيضا "أُصْدِقك القول" (ص185)، يقصد "أَصْدُقك القول"، و"أَخَاطَ" فى موضع "خَاطَ" (ص241)، و"ضجيجٌ مهول" بدل "ضجيجٌ هائل" (ص243، 246)، و"خرج من المقبرة مذهولا" عوضا عن "خرج من المقبرة ذاهلا" (ص246).
ولا يتوقف الضعف اللغوى فى الرواية عند هذا الحد، بل هناك التعبيرات الهلامية أو المغالية غير المنضبطة: فمثلا عندما يقف السارد على رسالة من الرسائل الغرامية للفتاة المقتولة ويقرأ فيها قولها إن أمها قد اقترحت عليها اصطحاب فتاة تسكت معها نهمها الجنسى يقول: "هأنا أقف على جيفة جديدة فى هذا البلد الذى يتحلل كجثة سُمِّمَتْ بسُمٍّ تَفَشَّى فى كل الجسد دفعة واحدة بعد أن ظل كامنا فى خلاياها لزمن طويل مختبئا بين العصب والعظم، لكنه أسرع بإكمال مهمته قبل الأوان، وبصورة عشوائية مدمرة". فأولا نراه يبالغ فى تصوير الأمر، إذ إن انحراف فتاة، إن كانت قد انحرفت، أو وصية أم لابنتها باتباع الشذوذ الجنسى، لا يقال عنه إنه جيفة جديدة فى هذا البلد الذى يتحلل... إلخ. ثم كيف تُسَمَّم الجثة، والجثة هى جسد الميت؟ فهل سمع أحد بأن الميت يمكن أن يُسَمَّم؟ أرجو أن يدلنا المؤلف العبقرى عليه، وله من الله المثوبة يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم! ثم هو يقول إن السم ظل كامنا فى خلايا الجثة، ليعود فيقول عقيب ذلك إنه كان مختبئا بين العصب والعظم. فيا ترى هل كان السم منتشرا فى خلايا الجثة؟ وهذا إن كان السم يجرى فى الجثة رغم تخثر الدم بسبب الموت فى العروق. أم هل كان مختبئا بين العصب والعظم؟ ولماذا بين العصب والعظم؟ ومن خبأه هناك يا ترى؟ واضح أن المؤلف يكتب أى كلام يعن له كيفما اتفق دون أن يُعَنِّىَ نفسه قليلا بمراجعة ما يكتب. ثم كيف يقول إن السم قد أسرع بإكمال مهمته قبل الأوان وبصورة عشوائية مدمرة، وقد قال قبيل ذلك إن السم ظل كامنا فى خلايا الجثة لزمن طويل؟ فكيف يصف زمن كمون السم بالطول، ثم يرتد على عقبيه قائلا إن السم قد أسرع بإكمال مهمته قبل فوات الأوان؟ إن هذا تسيب فى استخدام اللغة لا يليق.
ومن التعبيرات الهلامية أيضا قول السارد عن جليلة الفتاة المقتولة: "كانت على موعد مع قدرها" (ص7). وهى عبارة هلامية، فكلنا على موعد مع قدرنا، وإلا فهل هناك شىء يقع مصادفة فى الحياة. طبعا كثيرا ما نكرر أن هذا الأمر أو ذاك قد تم مصادفة. لكن هذا إنما يكون فى كلامنا العادى بعيدا عن القدر. أما حين ننتقل إلى مستوى الحديث عن القدر فكل شىء حتى عند الرجل العامى هو بقضاء من الله وقدر، فقدر الله لا يتخلف. أما إذا كان المراد هو أن الفتاة كانت تعرف ما سوف يحدث لها من قتل فتعمدت أن تُقْتَل فهذا غير صحيح. كما أن قوله بعد ذلك بقليل عن جليلة حين تظاهرت أمام أهلها بأنها قد هجرت حياة العشق والهيام إلى حياة التنسك والعبادة: "لم يشكّ أحد فى أنها تتهيأ لهذه الميتة المصطنعة" فإنه غريب جد غريب، ولا يتسق مع الأحداث، إذ إن جليلة قد قُتِلَت فعلا ولم تمت ميتة مصطنعة. كذلك فهو لا يقصد أن أحدا "لا يشك" بل يقصد أن أحدا "لا يشتبه". فعدم الشك يعنى التصديق، وليس هذا هو المراد، أما عدم الاشتباه فمعناه أن الأمر لا يخطر لأحد. هذا، ويجرى الحوار فى الرواية بالفصحى بوجه عام مع جنوحه فى بعض الأحيان إلى العامية، ولا أدرى السبب فى ذلك كما هو الحال فى عبارة "أنت دنيتى وآخرتى" (ص26)، "أنت كل دنيتى" (ص184)، "لا قِبل ولا دِبر" (ص78)، "محيط إيه يا أيمن؟" (ص166). وفوق هذا فإننا نفتقد فى كثير من الحالات الاتساق بين الشخصية وكلامها، وقد ضربت الأمثلة على هذه السمة من قبل.
إلا أننا، مع هذا كله، لا بد أن نبدى إعجابنا بفتح المؤلف، على لسان السارد، قضية رفض الأسر السعودية الأصيلة رفضا قاطعا تزويج أى من بناتها لرجل غير سعودى أو سعودى متجنس. وسواء كان المؤلف سعوديا قَبَلِيّا أو كانت جنسيته السعودية مكتسبة فلا ريب أن هذا موقف رائع منه. فكثيرا ما سمعت أن السعوديات، والخليجيات بوجه عام، يرفض أهلوهن تزويجهن بغير خليجى مع أنه قد يكون غير الخليجى متفوقا على الخليجى من كل النواحى. وهو موقف غير متحضر وغير إنسانى، فضلا عن أنه يناهض الإسلام، الذى يرى أنه لا فضل لأى جنس على أى جنس آخر إلا بالتقوى والعمل الصالح. والغريب أن ذلك الرفض قد يجر وراءه مصائب متلتلة، لكن الغباء الإنسانى كثير بحمد الله، وهو متوافر فى كل مكان. وكانت ثمرة مثل ذلك الرفض فى روايتنا هذه أن البنت تعلقت بالشاب أكثر وأكثر وأخذت تخرج معه فى سيارته، فضبطتهما هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وكانت فضيحة مدوية أساءت إلى البنت وبوَّرت سوق زواجها، وانتهى أمرها بالقتل كما رأينا.
كما يعجبنى فى الرواية أن ساردها قد استعرض معنا عددا من أقوال الشهود فى التحقيقات التى أجرتها الشرطة فى الشارع، فوجدنا أنفسنا من ثم أمام طائفة من الآراء المتناقضة أو التى ينظر كل منها إلى الحدث من زاوية مختلفة بما يعطينا الإحساس بالبلبلة وعدم اليقين أو الاطمئنان، وهو ما يناسب السياق جدا، ويرينا أن الحقيقة رواغة تستعصى فى كثير من الأحيان على القبض عليها مهما اجتهدنا وحاولنا (بدءا من ص74 فصاعدا على مدار إحدى عشرة صفحة).
كذلك فتحت الرواية باب الحديث عن المجاهدين فى أفغانستان وغيرها والخطر الذى يمثلونه على البلاد فى نظر المسؤولين والشرطة، إذ إن ضابط التحقيق، وهو سارد الرواية كما نعلم، قد استدعى محمود، حبيب جليلة، بعد أن كان سُجِن لعدة أعوام لاختلائه بفتاة أجنبية عنه ثم أطلق سراحه وغادر البلاد والتحق بالمجاهدين فى أفغانستان ثم عاد وعمل إماما فى أحد المساجد، ليتذكره الضابط المذكور فيستدعيه ليسأله عن جليلة، التى لم يكن عرف أنها قد اختفت من قبرها، ويتطور الحوار بينهما إلى نظام الحكم وتبعيته لأمريكا وتهديد الشاب لحكام البلاد. ومع هذا فلا أدرى كيف قبلت الدولة أن تعين محمود إماما بعد كل هذا، أى بعد سجنه والتحاقه بالمجاهدين فى أفغانستان.
وهناك استغلال كبار البلاد لجثث الموتى، إذ يستخرجونها بل قل: يسرقونها من قبورها عقب دفنها ليستفيدوا بأعضائها فى ترميم أجساد الأحياء الذين يهمونهم. وقد فجر المسألة فى الرواية والِدُ جليلة، الذى كانت الشرطة تستدعيه بين الحين والآخر لاستجوابه فى قضية ابنته حتى مل، فسمعناه يصيح بالضابط المستدعِى مؤكدا أن ابنته قد سُرِقَت جثتها لاستعمال أعضائها فى العمليات الاستبدالية الجراحية وأنه قد أبرق إلى الملك بشكواه هذه. والملاحظ أن المؤلف إنما يخلق هذه الموضوعات التى يريد معالجتها فى روايته خلقًا حتى تحتوى على أكبر قدر منها، ولا يتركها تفرض نفسها عليه من تلقائها بل يستجلبها هو ويفرضها على الرواية فرضا، فكأن الرواية معرض تجارى يعمل على أن يقدم لنا فيه أكبر قدر من البضائع. إلا أنها جرأة من المؤلف رغم ذلك تذكر له. ومن هذه الموضوعات التى استجلبها استجلابا وفرضها على روايته فرضا ما يفعله بعض السعوديين فى إجازاتهم وسفرياتهم خارج البلاد من انكباب على الجنس الحرام ومعاشرة للمومسات، متمثلين فى زهير أخى جليلة الأكبر. والدليل على أن هذا الموضوع مفروض فرضا دون أن تستدعيه الرواية أنه قد لُمِس لمسا سريعا ثم سرعان ما نُسِىَ كأنه لم يكن. ولو كان جزءا أصيلا فى الرواية لطوره المؤلف وانتهى به إلى غايته، ولكنه ما إن فُتِح حتى أغلق، وكأن المؤلف قد شعر بأنه أدى ما عليه حين استجلبه ودسه فى روايته، ثم لا يهم بعد ذلك أكانت الرواية تحتاجه أم لا.

