أدونيس والإسهال اللفظى

إطلالة على كتابه: "مقدمة للشعر العربى" (1)

د. إبراهيم عوض

وقع فى يدى منذ نحو عشر سنوات كتاب "مقدمة للشعر العربى" لأدونيس، وأخذت أقرأ فيه، لكننى اصطدمت بعدة أشياء نَفَّرَتْنى من المضىّ معه إلى آخر الشوط. وبين الحين والحين كنت أعود إلى الكتاب فلا أجد فيه ما يغرينى على الاستمرار فى قراءته إلى النهاية. لقد كان مملوءا بالمتناقضات، وكان يستخلص أغرب النتائج وأخطرها وأبعدها عن الحقيقة من جملة مقتطعة من بيت شعرى أو نصف جملة. وفى الفصل الخاص بالشعر الجاهلى استند الكلام من أول الفصل إلى آخره إلى بضعة أبيات ليس إلا ذكرها الكاتب فى الهوامش فى آخر الفصل، ولم يكلف نفسه إيرادها فى درج الفصل ذاته، مكتفيا بسَوْق جملة من بيت أو نصف جملة من بيت آخر. وهذه هى كل البضاعة التى اعتمد عليها فى تقرير ما قرره من نتائج خطيرة وغريبة. كذلك كان مما نفّرنى من الكاتب وكتابه أن كلامه فى معظم الأحيان يفتقر إلى المعنى، أو يدابر المنطق مدابرة  مخزية، وكأن كاتبه قد حُرِم نعمة الإبانة والتفكير السليم تماما. كما وجدت من السهل الميسور العثور فى الشعر الجاهلى على ما ينسف ما يقوله أدونيس نسفا لا يبقى على شىء مما كتبه أو يذر.

وظل الحال هكذا كلما نويت أن أقرأ الكتاب كاملا، إذ كنت أعجز عن المضى فيه إلى خط النهاية... إلى أن صح منى الإصرار على أن أكتب عن أدونيس ومقدمته بعدما انتهيت من تأليف كتابى عن رب السيف والقلم محمود سامى البارودى، الذى ألفيت أدونيس فى كتابه: "الثابت والمتحول" ينفى عنه أية قيمة فنية حاصرا قيمته فى الناحية التاريخية. يقصد أن أشعار البارودى العملاق لا تساوى شيئا من الناحية الأدبية، لكنْ من الممكن التعامل معها بوصفها وثائق تاريخية تلقى بعض الضوء على وقائع الفترة التى عاش فيها الباوردى واشترك فى الثورة العرابية وما إلى ذلك. واستغربت أن يتطاول الأقزام على العمالقة العظام بهذه السهولة. فعندئذ نويت نية قوية هذه المرة أن أبدأ قراءة الكتاب قراءة من يعزم الكتابة عنه. وقد كدت أؤجل المشروع هذه المرة أيضا لولا أن نيتى كانت من القوة والإصرار بحيث لم أستسلم لهذا التردد، بل فتحت الكتاب وبدأت أسجل ملاحظاتى على ما كتبه الرجل أولا بأول، فكان هذا المقال الطويل نسبيا والذى خصصته للفصل الأول من الكتاب، وهو الفصل الذى يتعامل مع الشعر الجاهلى، واكتفيت به لأن أدونيس يكرر نفسه واقعا بطول الكتاب فى ذات العيوب القاتلة التى ارتكس فيها خلال ذلك الفصل، وأشفقت على القراء من تصديع أمخاخهم بثرثرته وشقلباظاته التى يحاول أن يخيِّل بها لهم أنهم أمام ناقد نحرير بكلامه المجعلص الذى لا يشتمل فى كثير من الأحيان على أى معنى والذى يترك الرجل لقلمه العنان أثناءه يقول أى كلام، والسلام.

وكنت أستغرب أن يكون عند أحد هذا الصبر الطويل الممل فى كتابة كلام لا معنى له، أو كلام يتناقض من سطر إلى آخر، أو كلام يخالف ما تقوله نصوص الشعر الجاهلى. ورغم ذلك فقد حسدت أدونيس! نعم حسدته على ذلك اللون من الصبر، الذى أثبت أنه عبقرى فى ميدانه. وكيف لا يكون عبقريا، وقد ألف كتابا ترك فيه لقلمه العِنَان يقول ما يخطر له على راحته، أى ما يخطر للقلم، والقلم كما تعرفون جماد لا يحس ولا يعقل ولا يفهم، فكان أمامنا كتاب كامل وإن كان صغير الحجم، لكنه على كل حال كتاب. ووجه حسدى لصاحب الكتاب أن مثلى لا يستطيع أن يكتب شيئا إلا بدليل، وأن يكون كلاما مفهوما تسنده النصوص الوثيقة، وألا يعج بالأخطاء التاريخية البلقاء التى لا يمكن إيجاد العذر لصاحبها. والآن مع الكتاب، أو بالأحرى: الكُتَيِّب! وقد نشرته دار العودة فى بيروت عام 1979م، ويقع فى نحو140 صفحة تبتدئ باستهلال، ثم ثلاثة فصول: واحد بعنوان "الماضى"، والثانى بعنوان "الحاضر وبدايات التحول"، والثالث والأخير بعنوان "آفاق المستقبل".

وإذن فعلى بركة الله نمضى مع الكتيب حيث نجد أدونيس فى "الاستهلال" يدعو إلى تجاوز الأنواع الأدبية. ومعنى هذا أنه لم يعد هناك فى رأيه شىء يسمى: الشعر أو المقال أو القصة أو الرواية أو الرحلة... إلخ، بل الكتابة، والكتابة ليس إلا، إذ قال إن من أهدافه فى ذلك الكتيب "تجاوز الأنواع الأدبية (النثر، الشعر، القصة، المسرحية... إلخ) وصَهْرها كلها فى نوع واحد هو الكتابة"، وهذا نص كلامه بالحرف، لنفاجأ عقيب ذلك بقوله إن كُتَيِّبَه يعمل على وضع الإبداع والنتاج الشعريين العربيين فى منظور التجاوز الدائم وتقييمهما استنادا إلى هذا المنظور...<!--. وهو ما يعنى بمنتهى الوضوح أنه ما زال وسيظل يتعامل مع الشعر على أنه شعر، أى بوصفه لونا من الإبداع مستقلا، وليس مجرد كتابة غير محددة الجنس الأدبى. وهذا تناقض واضح يدل على أن أدونيس لم يحكم رأيه، ولا الأمور واضحة فى ذهنه، فهو يتناقض من سطر إلى السطر الذى يليه. فكيف يمكن الاطمئنان إلى فكر رجل مثله متمرد لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب رغم أنه بهذه الدرجة من التسيب فى الرؤية والأفكار، ثم هو يريد ويريد الحواريون الذين يتبعونه اتباعا أعمى أن نأخذ كلامه مأخذ الجد وأن نتعامل معه بوصفه مجددا فى الرؤية النقدية والإبداع الشعرى جميعا؟ ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الذى أنزل أدونيس إلى الدنيا عبقريا جاهزا مكتمل العبقرية، فهو عبقرى يوم وُلِد، وسيظل عبقريا إلى يوم يموت بعد عمر طويل طبعا، ثم إنه سوف يكون عبقريا كذلك يوم يُبْعَث حيا، فتكون له الريادة والسيادة والعمادة فى ميدان الشعر والنقد دنيا وأخرى! أما سائر الناس فلهم رب اسمه "الكريم"!

على أن الأمر لا يقف مرة أخرى عند هذا الحد رغم أننا لا نزال حتى الآن فى القول الأدونيسى السابق بل يتعداه إلى اعتبار آخر جديد فى ذلك القول الذى يؤكد فيه أدونيس أن أحد الأهداف الأخرى للكتاب هو "وضع الإبداع والنتاج الشعريين العربيين فى منظور التجاوز الدائم وتقييمهما استنادا إلى هذا المنظور". وبهذا "لا تكون قيمة النتاج أو الإبداع فيما يعكسه من أبعاد الثورة المتحققة بقدر ما يكون فيما يختزنه من أبعادالثورة الآتية"<!--. وأنا، فى الحقيقة، لا أدرى كيف يكون ذلك إلا أن يهب الله النقاد المقدرة على معرفة الغيب، الذى لم يتحقق بعد، بالشَّم على ظهر أيديهم ليعرفوا أبعاد الثورة الآتية من خلال النظر إلى الثورة المتحققة. كذلك فهذا الكلام لا يعنى إلا أننا لن نرضى أبدا بما يبدعه أى شاعر. ذلك أننا سوف نظل مترقبين ما سوف يتحقق لا ما تحقق فعلا، وهو ما لن يقع فى أى يوم من الأيام لأننا حين نصل إلى ما سوف يتحقق فسوف يصير فى الحال شيئا قد تحقق وانتهى أمره، ولم يعد شيئا سوف يتحقق. وهو ما يذكرنا بالنكتة التى تقول إن أحد الحلاقين وضع لافتة على باب دكانه تبشر الناس الذين يريدون أن يحلقوا شعورهم وذقونهم مجانا بأن "الحلاقة غدا مجانا"! فكان كلما أتاه أحد يريد أن يحلق بالمجان قال له: انظر إلى اللافتة. إنها تقول: "غدا"، فهل جاء الغد؟ وعلى هذا فكل ما أنتجه أدونيس من شعرٍ، أو بالأحرى: من كتابةٍ، ليس شيئا ذا قيمة، إذ علينا أن ننتظر إلى أبعاد الثورة الآتية لا إلى الثورة المتحققة التى بين أيدينا. أليس هذا هو لازم كلام عبقرينا الذى ليس كمثله عبقرى بل ليس ثمة عبقرى سواه؟

فإذ انتقلنا إلى القسم الأول من الفصل الأول من الكتاب، وهو القسم الذى يخصصه عبقرينا للحديث عن شعراء الجاهلية وأشعارهم وموقفهم من الحياة وفلسفتهم فيها، وعنوانه: "القبول"، ألفيناه يستخلص هذه المواقف وتلك الفلسفة من بضع جُمَل أو أنصاف جُمَل مقتطَعة من بضعة أبيات شعرية منسوبة إلى شعراءَ ينتمون، حسب  كلامه، إلى فترة ما قبل الإسلام ويمثلون النموذج الجاهلى المطلق هم الأفوه الأَوْدِىّ وكعب بن سعد الغَنَوِىّ وعَدِىّ بن زيد العِبَادِىّ وحاتم الطائى وجِرَان العَوْد النُّمَيْرى وبشر بن أبى خازم الأسدى والمهلهِل بن ربيعة التغلبى وعبد الله بن سَبُرَة الحبشى وزُفَر بن الحارث الكِلاَبى.

وقد لاحظت أن بعضا من هؤلاء الشعراء لم يكونوا جاهليين، بل مخضرمين: فجِرَان العَوْد مات سنة ثمان وستين للهجرة بعدما أسلم وظهر أثر القرآن فى شعره. أى أنه عاش بعد مجىء الإسلام أكثر من ثمانين عاما. ومعنى هذا أنه لا يمكن أن يكون قد قضى من عمره فى الجاهلية ما قضاه من عمره بعد الإسلام<!--. وبالمثل لم يكن أمية بن أبى الصَّلْت جاهليا بل مخضرما، إذ أدرك النبوة، بل طمع فى أن يكون نبيا. وفضلا عن هذا كان متأثرا بالكتب السماوية السابقة على القرآن، فكان يذكر الآخرة ويذكر الله فى شعره. ومن ثم لا يصلح الاستشهاد بشعره على رؤية الجاهليين للحياة والموت.

ومن بين من استشهد أدونيس بجملة أو نصف جملة من شعرهم عَدِىّ بن زيد العِبَادِىّ وحاتم الطائى: فأما بالنسبة لحاتم فكانت النصرانية منتشرة فى طيئ<!--، كما كان ابنه عدى نصرانيا، إذ جاء فى "البداية والنهاية" لابن كثير: "عن عدي بن حاتم كان يقول: ... كنت امرءا شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع. وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي... فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت..: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام...". وفى كتاب "التوحيد" لابن خزيمة عنه أيضا: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فقال: يا قوم، هذا عدي بن حاتم. وكنت نصرانيا...". وهناك من يقول بنصرانية حاتم، ففى ترجمة حاتم الطائى فى "الويكيبيديا"، فى نسختيها الإنجليزية والفرنسية، وكذلك فى "ويكى مصدر" أيضا، أنه كان نصرانيا.

وأما عدى بن زيد فلم يكن نصرانيا فقط، بل كان يدعو غيره إلى التنصر، ومنهم الملوك. ففى "الأغانى": "خرج النعمان بن المنذر إلى الصيد ومعه عدي بن زيد، فمروا بشجرةٍ، فقال له عدي بن زيد: أيها الملك، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا. قال: تقول:

رُبَّ رَكْبٍٍ قد أناخوا عندنا *   يشربون الخمر بالماء الزلال

عَصَفَ الدهرُ بهم فانقرضوا  *  وكذاك الدهرُ حالاً بعد حال

قال: ثم جاوز الشجرة فمر بمقبرةٍ، فقال له عدي: أيها الملك، أتدري ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا. قال: تقول:

أيها الرَّكْب الـمُخِبُّو  *  ن على الأرض الـمُجِدُّون

فكما أنتم كنا  *   وكما نحن تكونون

فقال له النعمان: إن الشجرة والمقبرة لا تتكلمان. وقد علمتُ أنك إنما أردت عظتي. فما السبيل التي تُدْرَك بها النجاة؟ قال: تَدَع عبادة الأوثان، وتعبد الله وتدين بدين المسيح عيسى ابن مريم. قال: أَوَفِي هذا النجاة؟ قال: نعم. فتنصَّر يومئذ. وقد قيل: إن هذه الفصة كانت لعدي مع النعمان الأكبر بن المنذر، وإن النعمان الذي قتله هو ابن المنذر بن النعمان الأكبر الذي تنصر". وتحدث كارلو نالينو عن نصرانية عدى بن زيد ووقف عند سمة الزهد فى شعره غير مستبعد أن يكون هذا الشعر هو الأنموذج الذى احتذاه شعراء الزهد الإسلامى كأبى العتاهية مثلا<!--. فكيف بالله يتخذ أدونيس من شعر هذا الرجل النصرانى شاهدا على الرؤية الجاهلية للحياة والموت؟ ألا إن لك لغريب. الحق أنه ما كان يصح له أن يستظهر بشعر أولئك الشعراء بوصفه معبرا عن النفسية الجاهلية الوثنية وموقفها من الحياة والموت.

كذلك كان تميم بن مقبل جاهليا إسلاميا كما وصفه ابن قتيبة فى ترجمته له فى "الشعر والشعراء"، أى مخضرما لا جاهليا كما يريد أدونيس أن يكون. بل لقد عاش تميم إلى ما بعد وفاة عثمان بن عفان ورثاه. وقد أورد ابن قتيبة رثاءه لذى النورين رضى الله عنه. ومات الرجل سنة سبع وثلاثين للهجرة. ومع ذلك كان أحد الشعراء القلائل الذين ذكرهم أدونيس واستشهد بشعرهم مستخلصا من هذا الشعر فلسفة الجاهليين وموقفهم من الحياة. وهذا هو نصف الجملة الذى أورده أدونيس لذلك الشاعر: "لو أن الفتى حَجَرٌ"<!--، وهو مأخوذ من قصيدة تبتدئ بقوله:

وليْلَةٍ مِثْلِ لَوْنِ الفِيلِ غَيَّرهَا *  طُمْسُ الكَوَاكِبِ والبِيدُ الدَّيَامِيمُ

ومنها قوله:

إِنْ يَنْقُصِ الدَّهْرُ مِنِّي فَالْفَتَى غَرَضٌ *  لِلدَّهْرِ: مِنْ عُودِهِ وَافٍ ومَثْلُومُ

وإِنْ يَكُنْ ذَاكَ مِقْدَارًا أُصِبْتُ بِهِ  *  فَسِيرَةُ الدَّهْرِ تَعْوِيجُ وتَقْوِيمُ

مَا أَطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أَنَّ الفَتَى حَجَرٌ* تَنْبُو الحَوادِثُ عَنْهُ وَهْوَ مَلْمُومُ

لاَ يُحْرِزُ المَرْءَ أَنْصَارٌ ورَابِيَةٌ  * تَأْبَى الهَوَانَ إِذَا عُدَّ الجَرَاثِيمُ

لاَ تَمْنَعُ المَرْءَ أَحْجَاءُ البِلاَدِ ولاَ  *  تُبْنَى لَهُ في السَّمَواتِ السَّلاَلِيمُ

فَقَدْ أُكَثِّرُ لِلْمَوْلَى بِحَاجَتِهِ  *  وقَدْ أَرُدُّ عَلَيْهِ وَهْوَ مَظْلُومُ

حَتَّى يَنُوءَ بِمَا قَدَّمْتُ مِنْ حَسَنٍ *  إِنَّ المَوَالِي مَحْمُودٌ ومَذْمُومُ

...

في دَارِ حَيٍّ يُهِينُونَ الِّلحَامَ، وهُمْ * لِلجَارِ والضَّيْفِ، يَغْشَاهُمْ مَكَارِيمُ

...

قَدْ أَيْقَنُوا أَنَّ مَالَ المَرْءِ يَتْبَعُهُ  *  حَقٌّ عَلَى صَالِحِ الأَقْوَامِ مَعْلُومُ

وفى القصيدة مَعَانٍ إسلاميةٌ واضحةٌ، فلا تصلح من ثم للتدليل على موقف الجاهليين من الوجود، إذ هى فى الغالب قد نُظِمَتْ فى الإسلام: من ذلك كلام الشاعر عن المقدار، أى القَدَر، وكلامه عن السلالم التى لو صعد فيها الإنسان إلى السماء فلن تنجيه من الموت، وكلامه عما فى مال كل امرئ من حق معلوم يحرص الصالحون على إيصاله لأصحابه. قال تعالى: "وكل شىء عنده (أى عند الله) بمقدار"، "أينما تكونوا يدركْكم الموت ولو كنتم فى بروجٍ مُشَيَّدَة"، "فإن استطعتَ أن تبتغىَ نَفَقًا فى الأرض أو سُلَّمًا فى السماء فتأتيَهم بآية"، "والذين فى أموالهم حَقٌّ معلومٌ * للسائل والمحروم". وما من أحد تقريبا من الصحابة مات إلا وقام مَنْ يرثيه من أهله معبرا عن حزنه وشديد لوعته. وكان ذلك الجيل قمة فى الإيمان بالبعث والحياة الآخرة، فما بالنا بمن أتى بعدهم منذ ذلك الحين حتى الآن، بل حتى يرث الله الأرض ومن عليها؟

وفى الإصحاح الثانى من سفر "التكوين" فى العهد القديم نجد أن الموت عقوبة حتمية لا فكاك منها جزاء وفاقا على معصية آدم لربه إذ نهاه عن الأكل من الشجرة إلا أنه ضعف وأكل منها: "15وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا. 16وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، 17وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ»". وفى الكتاب المقدس لا يُذْكَر الموت إلا ذكرا حزينا. ولن أقف إلا عند الليلة التى يقول كتبة الأناجيل إن السيد المسيح كان يعرف أنه سوف يموت خلال ساعات منها، فماذا نرى؟ لقد تحدثت الأناجيل عن الحزن الأليم الذى غزا نفسه رغم أن تلك الأناجيل هى ذاتها التى قالت إنه، يوم القيامة، سوف يجلس عن يمين أبيه فى السماوات. أى أن التبشير بذلك المصير الجليل لم يمح من نفسه عليه السلام حزنه بسبب الموت. يقول الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متى: "36حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ: اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ. 37ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. 38فَقَالَ لَهُمْ: نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ...".

أما عبد الله بن سَبُرَة الحرشى فشاعر إسلامى شارك فى فتوح العراق، وفى شعره غيرة على المبادئ الإسلامية. ورغم هذا يُدْرِجه أدونيس فى شعراء الجاهلية ممن كانوا يمثلون النفسية الوثنية التى يرعبها الموت لأنها لا تؤمن بحياة بعده. فتأمل، أيها القارئ، واعجب. ويبقى زُفَر بن الحارث الكلابى، وأمر أدونيس فيه أضل سبيلا، إذ هو تابعى مات فى خلافة عبد الملك بن مروان سنة سبعين ونيف للهجرة.

ولنفترض أن هؤلاء الشعراء كلهم جاهليون صميمو الجاهلية، فهل كان الجاهليون كلهم على بكرة أبيهم لونا اعتقاديا واحدا حتى نضعهم كلهم فى سلة واحدة؟ ترى بالله كيف نسوى بين الجاهلى الوثنى والجاهلى اليهودى والجاهلى النصرانى والجاهلى الحنيفى؟ وهل الجاهليون هم وحدهم الذين كانوا يَرَوْن الموت أمرا محتوما لا مَعْدَى عنه، ويكرهونه ولا يرتاحون إليه، ولا يجدون فى الحياة غبطة حقيقية؟ إن الناس كلهم يرون الموت أمرا حتميا. أم هناك من يرى عكس ذلك؟ فأَرِنَاه يا عم أدونيس، ولك المثوبة من رب العباد! كما أن النفور من الموت شعور فطرى مغروس فى أعماق نفوس البشر جميعا. يقول القرآن: "إنك ميت، وإنهم ميتون"، "كل من عليها فان"، "فلولا إن كنتم غير مَدِينِين * تَرْجِعونها (أى ترجعون الروح عند مفارقتها الجسد) إن كنتم صادقين؟". وفى الحديث النبوى الكريم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل معه دواء: عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجَهِلَه من جَهِلَه، إلا السام. قيل: يا رسول الله: وما السام؟ قال: الموت". وكثيرا ما كان الشعراء العرب فى مرثياتهم يذكرون الجبابرة كفرعون وعاد وثمود وتُبَّع مؤكدين أنهم قد خضعوا لما يخضع له البشر جميعا من الهلاك والموت، ولم يفلتوا من حتميته.

ولأمر ما كان مدخل إبليس إلى عقل آدم وقلبه حين أراد أن يغويه ويغريه بالمعصية التى انتهت به إلى الخروج من الفردوس هو أنه سوف يدله على شجرة الخلد. ولقد ورث أبناء آدم عن أبيهم آدم هذا الغرام بالخلود والنفور من الموت. ونحن المؤمنين بالآخرة نكره الموت: لنا أو لأحد من أحبابنا، وإذا ما نزل هادم اللذات ومفرق الجماعات بمن نحب تألمنا وحَزِنّا. ولقد سُمِّىَ العام الذى ماتت فيه خديجة وأبو طالب بـ"عام الحزن" لِمَا نزل بالنبى جَرَّاء موتهما من ألم وأسى. وعندما مات ابنه الصغير إبراهيم فى أخريات حياته بكى ألما. ولما مات صلى الله عليه وسلم لم يصدق بعض كبار الصحابة الأمر، وحزن الجميع حزنا شديدا، وكان حزن أمهات المؤمنين أشد.

إذن فقد طاشت رَمْيَة أدونيس فلم تصب الرَّمِيَّة. لو أنه قال مثلا إن الجاهليين الوثنيين لم يكونوا يجدون فى عقيدتهم الوثنية التى لا موضع فيها للإيمان بالعودة الأخروية ما يعزى قلوبهم ويخفف من أحزانهم فى مواجهة الموت لكان حريا أن يقترب من الصواب. أما ما قاله فيدل على اضطراب فى الفهم والرؤية وعجز عن التعبير السليم.

وبالنسبة للأفوه الأودى فإن نصف الجملة الذى استشهد به أدونيس له، وهو قوله: "ثوب مستعار"<!-- للدلالة على أن الجاهليين كان يكربهم الموت لأنه لا وجود بعده بل فناء وضياع، نصف الجملة هذا موجود فى الأبيات التالية له<!--:

إنّما نعمةُ دنيا متعةٌ     *    وحياة المرء ثوبٌ مستعارُ

وصروف الدّهر في إطباقها  *  خِلْفَةٌ فيها ارتفاعٌ وانحدارُ

بينما الناس على عليائها    *   إذ هَوَوْا في هُوَّةٍ منها فغاروا

وهو شعر فيه مسحة إسلامية، لأن قول الشاعر: "إنما نعمة دنيا متعة" يذكّرنا بقوله تعالى: "فما أُوتِِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحيَاةِِ الدُّنْيَا، وما عِنْدَ اللهِ خيرٌ وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون"، "قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً"، "فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ"...، وإلا فهل كانت هناك متع أخرى يؤمن بها الجاهلى غير متع الدنيا تتصف بالاستمرارية دون انقطاع أو امتناع؟ أما إن قيل: وماذا فى ألا يكون ذلك الشاعر وثنيا؟ فالجواب: إذن فشعره لا ينبغى الاستشهاد به للدلالة على موقف الجاهليين، الذين كانوا يَرَوْن فى الموت نهاية للبشر ليس بعدها بعث وحياة أخرى. ومن ثم يكون أدونيس قد أخطأ حين تمثل بما تمثل به من تلك الأبيات لما يريد أن يقوله عن عقيدة الجاهليين. أليس كذلك؟ فمن الواضح إذن أن أدونيس يخبط خبط عشواء!

المهم أن أدونيس يرتّب على رؤية الجاهلى للموت (على النحو الذى رأيناه) الزعمَ بأنه كان يعيش حياته منفصلا عن العالم لا تربطه به آصرة، بل تفصل بينه وبين أشياء ذلك العالم هاوية تشعره بنقصه، وتجعله كئيبا معتزلا منتظرا متململا مغامرا<!--. والواقع أن كل ما قاله أدونيس إنما هو أوهام لا يستطيع أن يدلل عليها من التراث الشعرى الذى خَلَّفَه وراءهم الجاهليون. ترى كيف يفسر لنا أدونيس المتعة التى كان يجدها الجاهلى فى التفاخر بحسبه ونسبه وماله وما يقال فيه وفى قبيلته من أماديح يحس أنه لامس بها النجوم، أو فى التمدح بالخلق الكريم الذى يحجزه عن التعرض لجاراته فلا ينظر إليهن حين يمر بهن، أو فى شرب الخمر وما يساوره من أَرْيَحِيّة تخيِّل له أنه فريد زمانه لا يساميه أحد، أو فى التغزل بالمرأة بما ينبئ عن اهتمام شديد بها يملأ عليه حياته، أو بلعب الميسر والافتخار بتفريق ما يكسبه فيه من لحم على فقراء القبيلة، أو فى الرحلة راكبا على ظهر فرسه أو ناقته فاتحا عينيه بأقصى اتساعهما لكل ما يقابله من مناظر طبيعية، أو بشن الغارات على القبائل المعادية والاستيلاء على غنمها وإبلها، أو الكمون لعدوّه بغية إدراك ثأره منه إلى أن ينجح فى انتقامه وشفاء غيظ قلبه، أو فى نظم الشعر وإحساسه بنشوة الإبداع، ويا لها من نشوة، وبالامتياز على من حوله، إذ كان الجاهليون يعتقدون أن الشعر لون من العبقرية يأتى صاحبَه عن طريق ساكنى عبقر من الشياطين، أو التطلع فى غبطة إلى أولاده من حوله يُشْعِرونه بالقوة والعزة والمنعة، أو الوقوف بالأطلال بعد غياب وتذكر الأحباب الذين فرق الدهر بينهم وبينه، أو الاستماع إلى القَيْنَات يغنين فى مجالس الشراب أو فى اجتماعات القبيلة، أو الاشتراك فى مسابقة رياضية كالتى وقعت بين والد الخنساء وأخيها وسجلتها هى فى أبياتها الرائية الرائعة...؟

وطبعا ليست السعادة كلها من ذلك النوع، فهناك سعادات أخرى أبسط وأشيع يقدرها الرجل العادى، مثل سهره أمام باب الخيمة فى ليلة مقمرة يهب عليه فيها النسيم سَجْسَجًا بعد يوم قائظ، أو مشاهدته لشياهه وهى ترعى أمامه فى سفح الجبل فيما يستظل هو بصخرة من صخور ذلك الجبل أوشجرة من أشجاره تحميه من وهج الشمس ولفح حرارتها، أو عودته بصيد ثمين يذبحه ويأكله هو وأولاده بعد حرمان من اللحم فترة طويلة، أو سفره ضمن قافلة تجارية يمنِّى نفسه فى طريق الذهاب بأمانى الكسب والثراء، ويتعجل الوصول إلى أولاده وزوجته فى طريق العودة بما أحرز من مال، أو سمره مع أصدقائه يتبادلون الأخبار والحكايات الشائقة، أو شربه الماء على ظمإ فى مفازة مهلكة.

فهذه هى أسباب السعادة بالنسبة إلى جماهير الأمم والشعوب، تلك الجماهير التى لا تعرف شيئا من حذلقات أدونيس. وجماهير الشعب فى البلاد العربية الآن تهتم بمباراة كرة أكثر من اهتمامها بأى قضية ثقافية. بل إن كثيرا جدا منها لعلى استعداد أن يقاتل ويَقْتُل ويُقْتَل فى سبيل مثل تلك المباراة ولا يموت فى سبيل قضية نبيلة مما يستدعى حقا أن يموت الإنسان فى سبيل نصرته. صحيح أن النخبة قد يكون أمرها مختلفا، لكن ما نسبة تلك النخبة بالقياس إلى هذه الجماهير الغفيرة؟ وما المستوى الفكرى لتلك النخبة فى مجتمع كمجتمع العرب قبل الإسلام؟ على الباحث أن يكون حصيفا عاقلا فلا يترك العنان لخيالاته المضلة متصورا أن الخيال يمكن أن يغنى عن الحقائق، وما هو ِ بِمُغْنٍ عنها شيئا.

ومن الناحية الأخرى حاولت أن أجد فى الشعر الجاهلى ألفاظا كـ"السأم أو القلق أو الغربة أو الملل"، التى تدل على الضيق بالحياة كلها فلم أجد شيئا عن القلق، اللهم إلا قلق الوَضِين مثلا، أى تراخى عقدة الحزام حول بطن الناقة وتخلخله. وبالمثل لم أجد شيئا عن الغربة، اللهم إلا غربة السفر أو غربة النزول بقبيلة غير قبيلة الشخص، مما لا علاقة له بالغربة الروحية التى يزعمها أدونيس على الجاهليين. أما فى السأم  فلم أجد إلا أبياتا جد قليلة تتحدث عن ضيق الصدر المعتاد، وليس السأم الفلسفى من الحياة، كقول زُهَيْر بن أبى سُلْمَى فى مدح هَرِم بن سِنَان:

مُوَرَّثُ المَجْدِ لا يَغْتالُ هِمَّتَهُ *  عَنِ الرِياسَةِ لا عَجْزٌ وَلا سَأَمُ

أوقول ثعلبة المازنى عن سأم الحبيب من انتظار رضا حبيبته عنه دون جدوى:

سئِمَ الإقامة بَعدَ طولِ ثَوائِهِ  *  وَقَضى لُبانَتَهُ فَلَيسَ بِناظِرِ

مرة واحدة فحسب وجدتُ زهيرا يتحدث عن السأم من الحياة، لكنه ليس سأما من الحياة ذاتها، بل من طولها وكثرة أثقالها وشدة تكاليفها جراء طول العمر، إذ كان قد بلغ الثمانين. ولو كان زهير أقوى صحة وأصغر سنا وأقل مسؤوليات لما شعر بشىء من ذلك السأم:

 سَئِمْتُ تَكاليفَ الحَياةِ، وَمَنْ يَعِشْ * ثَمانينَ حَوْلاً لا أَبا لَكَ يَسْأَمِ

وهذا كله برهان قوى على أن الجاهلى، وقد كان مُبَرَّأً من التنطع، لم يكن يشعر بشىء مما ادعاه عليه أدونيس، الذى راح يتصور أن أهل الجاهلية هم كبعض حداثيينا حين يتفلسفون ويتمارضون فكريا على سبيل التقليد القرودى لشعراء الغرب، الذين بَشِموا من رفاهية حضارتهم، على حين أنا لا نزال متخلفين تخلفا شديدا، ومع ذلك لا يستحى حداثيونا وأدونيسيونا من التظاهر بعدم الانسجام مع الحياة رغبة فى الإيعاز إلى الآخرين أنهم، كالغربيين، قد بشموا هم أيضا من الحضارة مع أن كل ما هم فيه يصرخ بأعلى صوته أنهم متخلفون أشد التخلف. لقد كان الجاهلى لا يعرف تعقيدات الحياة كما نعرفها اليوم، كما لم يكن يعرف ما يعرفه العربى منذ زمن غير قليل من هزيمة وانكسار وخضوع لأعدائه وأعداء دينه وأمته ووطنه، فلم يثقل شىءٌ روحَه من هذه الناحية مثلما يُثْقِل أرواحَنا نحن العرب هذه الأيام من تلك الناحية أشياءُ كثيرةٌ مزعجة. ولو كانت نفسية العرب الجاهليين على هذا النحو الذى يزعمه أدونيس لتفشى الانتحار بينهم. أما، ونحن لا نعرف أن الانتحار كان يشكل ظاهرة لافتة عندهم كما هو الحال فى بعض مجتمعات العصر الحديث، فمن الصعب جدا أن أقتنع بما يقوله أدونيس وأشباهه، بل أراه، فى ضوء ما توصلت إليه من خلال النصوص الشعرية الجاهلية، سخفا بالغا.

الحق أنه منذ كتب فالتر براونه مقاله عن "الوجودية فى الجاهلية" عام 1963م وبعض نقادنا يرددون ما قاله ذلك المستشرق الألمانى كما هو أو مع بعض الإضافات أو التحويرات فرحين متباهين وكأنهم هم أصحاب تلك النظرية، فتراهم يقولون إن الوقوف على الطلل هو لون من التعبير عما يحسه الشاعر إحساسا مبهما من تناقضٍ وفناءٍ وتشاؤم وخوف من الوجود وما إلى ذلك من الكلام المجعلص الذى لو سمعه الرجل الجاهلى لازْوَرَّ عنه إعراضا ولَمُلِئَ اشمئزازا من سخف حذلقة حداثيينا، الذين لا يستطيعون أن يخلعوا عن أنفسهم رداء الشِّحَاتة أبدا، فهم يعيشون على مَدّ العقل، كما يمد الشحات فى الشوارع يده، يتسولون به ما فى عقول الغربيين. وها هو ذا السيد أدونيس يحطب فى حبل براونه فيظل يمطرنا بكلام إنشائى لا يعرفه الجاهلى ولا يمكن أن يعرفه لأنه ليس تعبيرا عن عقله ومشاعره، بل هو كلام يقوله أدونيس تقليدا لبراونه وغيره من الباحثين الأجانب الذين يَنْسَوْن أنهم يتحدثون عن عرب ما قبل الإسلام، وليس عن مثقفين أوربيين محدثين.

لكن هل كانت حياة الجاهليين صافية سعيدة على الدوام؟ لم أقل، ولا يمكن أن أقول، هذا، فالسعادة فى الدنيا لا تتحقق على هذا النحو لأى إنسان. وإذا كان المؤمنون، كما نعرف، لا ينعمون بسعادة دائمة ولا نقية هنا على الأرض أفيكون الجاهليون الوثنيون أحسن منهم حظا؟ كل الذى قلناه هو أن الصورة الروحية التى يرسمها أدونيس للجاهليين هى صورة مزيفة مفتعلة ولا تقنع أى ذى عقل. ذلك أن القول بأنه كانت تفصلهم عن العالم وأشيائه هاوية كبيرة لا تسمح بقيام أية وشيجة بين الطرفين هو مما لا أدرى كيف يكون. ولدينا موقف المشركين من الإسلام حين جاءهم النبى عليه الصلاة والسلام به. لقد وقفت غالبيتهم فى وجهه وأصروا على التمادى فى وثنيتهم ولم يسلموا إلا بعد اللتيا والتى، وبعد أن شبت بين الفريقين حروب وثارات. أَوَلَوْ كان الجاهليون يعانون كل تلك المعاناة التى يدعيها أدونيس أكانت غالبيتهم تصر على ما هم فيه من انفصام تام بينهم وبين الحياة على النحو الذى يصوره؟

لقد كانت حياة الجاهليين تجمع بين السعادة أحيانا والشقاء أحيانا والشعور العادى الذى ليس بسعادة ولا شقاء أحيانا ثالثة، ولا أظنهم أبدا كانوا يتفلسفون على النحو الذى يتخيله أدونيس، أو بالأحرى: على النحو الذى يريدنا أدونيس أن نتخيله بالإكراه مخالفين عقولنا وضمائرنا العلمية لا لشىء إلا لأنه يرضى نزعته الإنشائية الطنانة الرنانة ورغبته فى تسويد الصفحات بذلك الكلام الثخين الذى لا ظل له فى الواقع، والذى لا نعرف له رأسامن ذيل، والذى لو قُدِّر للجاهليين أن يُبْعَثوا ويسمعوه أو يقرأوه، إن استطاعوا القراءة، لأنكروه وسخروا من صاحبه وركبوه بكل ألوان التهكم المعروفة وغير المعروفة، بل لنظموا فيه القصائد الكاوية التى تجعل منه عظة ومثلا للأولين والآخرين، قصائد من ذلك الضرب من الشعر القابل للفهم لا من شعره هو وأمثاله مما يصدق عليه قولهم: يونانىٌّ فلا يُقْرَأ.

وطبقا لما كتبه أدونيس فإن هذا الوعى لدى الرجل الجاهلى بعبثية العالم وهشاشته وما ينتظره فى نهاية المطاف من موت قد طُبِع بطابع فاجع<!--، وكأنه هو وحده دون بقية عباد الله الصالحين والطالحين على السواء الذى سيموت، أما باقى الناس فمخلَّدون فى الدنيا أبد الآباد. أما كيف كان ذلك فلا أدرى، ولست إخال أننى فى يوم من الأيام سوف أدرى. ذلك أننى أنظر إلى حياة الجاهليين فأجدهم يقضون حياتهم دون أن يلطموا خدودهم أو يَحْثُوا التراب على رؤوسهم أو يولولوا أو ينتحروا تخلصا من هذا الطابع الأدونيسى الفاجع. يا للهول! الفاجع حتة واحدة؟ أليس هناك شىء آخر أقل من "فاجع" هذه؟ وهو يقول، فى هذا السياق "الفاجع"، إن الصحراء كانت للجاهلى عدوا، إذ لم تكن تعطيه شيئا بل كانت مكانا للتغير والغياب.

لكن هذه الصحراء نفسها، ياعم أدونيس، هى التى كان ينصب فيها الجاهلى خيمته، ويرعى فيها غنمه، ويصطاد منها صيده، ويزرع فيها نخله، ويقضى فيها وقت فراغه، ويمارس فيها هواياته، وينظم فيها الشعر، ويحارب دفاعا عنها، وينشأ فيها غرامه ببنت قبيلته، ويسهر فيها ليله، ويستمتع فيها بمشاهدة قمرها ونجومها، ويشرب من عيون مائها ومن آبارها، وينطلق فى أرجائها بحرية كاملة دون قيود من شرطة أو مكوس أو عساكر تحرس الحدود، ويقف فيها على ما تحتويه من أطلال ورسوم ذارفا الدموع، مستعيدا الذكريات، متمنيا الأمانى. وهى هى نفسها الصحراء التى كثيرا ما حن إليها وألف الأشعار فى ذلك الحنين حين أخذته فتوح الإسلام بعيدا عنها إلى بلاد الزروع والأنهار...

والغريب أن أدونيس، الذى يقول بانفصال الشاعر الجاهلى عن العالم من حوله وعن أشياء ذلك العالم، بما فيها الأرض طبعا، الغريب أنه يعود للتو واللحظة فيقول إن ذلك الشاعر الجاهلى ذاته كان يعمل جاهدا على الإخلاص للصحراء، والصحراء هى الأرض بالنسبة له. أما كيف يكون الشاعر الجاهلى منفصلا عن العالم من حوله بما فيها الأرض ثم يعمل على الإخلاص لها والسيطرة عليها، فأرجوك أيها القارئ الكريم ألا تُعَنِّىَ نفسك به لأنك لن تصل فى النهاية إلى شىء. إنما هو كلام يقوله الرجل تنفيسا عن شىء فى النفس، ولكنه لا يعنى شيئا بالمرة وراء ذلك. ثم إننا، بعد هذا، نراه ينخرط كعادته فى الثرثرة فيقول كلاما كثيرا مؤداه أن حياة الشاعر الجاهلى كانت بؤرة نفسية يتلاقى فيها المكان والزمان. الله أكبر! ما كل هذه العبقرية؟ وهل حيوات الناس الآخرين الذين ليسوا بشعراء جاهليين لا يتلاقى فيها الزمان والمكان، أو يتلاقى فيها شىء آخر غير الزمان والمكان؟ إن المخلوقات جميعا محصورون داخل الزمان والمكان، سواء كانت بشرا أو بقرا أو حميرا أو جبالا أو سحابا أو فراشات أو سمكا أو ديدانا أو شجرا أو نباتا أو صخرا أو ماء أو أفكارا، وسواء كان الناس شعراء أو نثراء (أقول: "نثراء" على الإتباع ليس إلا)، وسواء كانوا جاهليين أو إسلاميين أو أمويين أو عباسيين أو مصريين أو سوريين أو إنجليزا أو فرنسيين، كلهم كلهم كلهم يخضعون للزمان والمكان، أو إذا أردنا الرطانة الأدونسية: يتلاقى فى حياتهم الزمان والمكان. فما الجديد الذى أتى به أدونيس؟ لا شىء. نعم لا شىء سوى الإنشائيات التى لا تقدم ولا تؤخر وليس لها من جدوى على الإطلاق، اللهم إلا أنها ضيعت وقتنا، وصدعت رؤوسنا. أعوذ بالله!

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 89 مشاهدة
نشرت فى 28 فبراير 2015 بواسطة dribrahimawad

عدد زيارات الموقع

43,309