الحمد لله نور السموات والأرض يهدى من يشاء إلى صراطه المستقيم ،
والصلاة والسلام على رسول الله . . الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة  . . وبعد
من رحمة الله بالناس أن أودع فى قلوب بعضهم  معانٍ يعيشون من أجلها ويجعلونها هدفا  فى حياتهم ، ويحملون على عاتقهم القيام بهذه الأهداف واعتبارها رسالة مقدسة تقود حياتهم كلها . ويسخرون حياتهم لها
فهذا أودع الله فى قلبه رحمة بالناس فلا يستريح إذا رأى محروما إلا إذا أعطاه . وهذا أودع الله فى قلبه كراهية للظلم فلا يرى ظالما إلا وقف فى وجهه . وذاك أودع الله فى قلبه حب العلم ونشره ، وآخر رزقه الله حب وطنه وأبنائه  ، وغيره أحب الله تعالى فأحب طاعته وأحب الطائعين  فتعاون معهم ، وكره معصية الله فكره من عصاه فدعاهم .
كل هؤلاء وغيرهم لايستريحون إلا بأداء رسالتهم التى عاشوا من أجلها ، وضحوا وتحملوا وهذا من فضل الله عليهم وإرادة الخير بهم ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله . قيل : وكيف يستعمله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه ) رواه أحمد والترمذى وابن حبان والحاكم كما فى صحيح الجامع رقم 305 ( عن كتاب ياصاحب الرسالة د خالد أبو شادى )
هؤلاء يؤثرون الناس على أنفسهم ؛ بل تفنى رغائب نفوسهم أمام رسالتهم .
 إنهم يستلِذُّون بالعطاء وقضاء حوائج الناس أكثر من تلذذ الناس بالأخذ وبقضاء شهواتهم .
 قد جعل الله سكينة قلوبهم ولذة أرواحهم فى عمل الخير فهم للخير أهل وعلى الخير عنوان ومِن أَكْرِم هؤلاء الفضلاء نوعٌ انشغلوا بهداية الخلق وتعليمهم فهذه مهمة الرسل ووظيفة الأنبياء .
والحقيقة أن كلَّ مؤمن هو صاحب رسالة لأنه مكلف بإصلاح نفسه وبغيره أيضا بالدعوة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتعليم العلم والتعاون على البر والتقوى وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وكلمة الحق ومثل ذلك 
ـ أصحاب الرسالات هؤلاء ـ وأنت منهم ـ . . هل خاطبهم القرآن ؟
هل تكلم عنهم؟ هل أرشدهم بشىء يستضيؤن به فى حياتهم؟
هل وجه حديثا لمن أراد أو لمن لديه استعداد أن يحذو حذوهم؟
هذا هو موضوعنا فى هذه الرسالة جمعت فيه ما استطعت - وإنه لقليل -ولكنى أثق فى فضل الله وكرمه أن يبارك فيه فتكون فيه إشارة كافية لقلوب أحسبها مخلصة يكفيها من القول القليل لتنطلق إلى العمل فلعلى ناقل قول إلى من يعمل سائلا الله تعالى أن يجعلنى من هؤلاء الذين يستعملهم لدينه  فيغرسون فى بستان الحياة غرسا قبل الرحيل .
(ربنا تقبل منا إنك انت السميع العليم)
                                                                
 
صفات حامل الرسالة فى القرآن
    لقد تناول القرآن صفات أهل الرسالات  فهو ملىء بقصص الرسل وهم القدوة والمثل لكل حامل رسالة . . بل رسالتهم هى أعظم رسالة .
كما أنه أشاد بغيرهم من حملة الرسالة كأصحاب الرسل وحوارييهم وذى القرنين والخضر وغيرهم . . ولنتأمل سويا بعض الآيات التى تحمل إلينا هذه الصفات مثل :
قوله تعالى ( لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم)  (التوبة:128)فهذه الآية تشمل كثيرا من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الأولى لكل حامل رسالة منها :
1: المُبادَءة والحركة الذاتية وعدم انتظار الدافع ( لقد جاءكم )
قال الشيخ الشعراوى رحمه الله : ونلحَظ هنا أن الحق سبحانه  قد نسب المجيء هنا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقُل: جئتكم برسول. وكلنا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأتِ من عند نفسه، ولم يدَّعِ هذا الأمر الجليل لنفسه، ولكن الشحنة الإيمانية تفيد أَنه خُلق بما يؤهله للرسالة، وبمجرد أن نزل عليه الوحي امتلك اندفاعاً ذاتيّاً لأداء الرسالة، ولم يحتج لمن يدفعه لأداء الرسالة فهو صلى الله عليه وسلم يعشق الجهاد من أجل الرسالة، ويعشق الكفاح من أجل تحقيق هذه الرسالة . وكذلك أصحاب الرسالات يتميزون برؤية للقلوب يبصرون بها مبكرا ثم بطاقة تدفعهم للتحرك والعمل دونما انتظار 
التبسُط مع الناس  ( رسولٌ مِنْ أَنفُسِكُم ) قال ابن كثير: أي منكم وبِلُغتكم . قال الشيخ  الشعراوى :أي أن الحق سبحانه لم يأت بإنسان غريب عنكم، بل جاء بواحد منكم قادر على التفاهم معكم. فهذه البساطة لازمة لكى يؤدى صاحب الرسالة رسالته دون حاجز نفسى يحجزه عن الناس أو يمنع الناس من مخالطته والتعرف عليه ومعايشته وخصوصا رسالة التعليم والتربية فهى تنتقل عبر الحياة والإمتزاج بين القلوب والأرواح وعبر المعايشة التى تتيح الفرصة لظهور القدوة وهكذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم ولذا فقد اهتم أولا بجمع المسلمين بدار الأرقم بن أبى الأرقم ثم فى المدينة اهتم أولا ببناء المسجد لأن الاسلام ليس نظرية تدرس وإنما هو منهج حياة نعيشه كاملاً .
3ـ الإشفاق على الخلق والحرص عليهم والرحمة بهم وحب الخير لهم
 (  عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)
( عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ) قال  ابن كثير: أي يعز عليه الشيء الذي يُعَنِّت أمته ويشق عليها،
وقال القرطبى : لا يهمه إلا شأنكم، وهو القائم بالشفاعة لكم .
قال الشيخ الشعراوى رحمه الله: أي شاقٌّ عليه أن يعنتكم بحكم؛ فقلبه رحيم بكم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " " مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا ، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي يَقَعْنَ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا ، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا ، فَذَاكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ ، فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا " . رواه البخارى
 
 
 (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) ومعنى الحرص: أن يحوطكم بالرعاية؛ حتى لا تقعوا في المشقة الأكبر
( بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } والرأفة هي سلب ما يضر من الابتلاء والمشقة، و " رحيم " هو الذي يجلب ما ينفع من النعيم والارتقاء.
وحسبكم من هاتين الصفتين أن الله سبحانه وتعالى وصف رسوله بهذين الوصفين ) رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ( وقد ثبت أنه سبحانه قد وصف نفسه بقوله سبحانه) :   إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) .......... ) أ.هـ
لقد بلغ من حبه الخير للخلق  وشغفه بذلك أن  يُهدِّىء القرآن  من حزنه - صلى الله عليه وسلم -على إصرار قومه  على البعد عن رحمة الله تعالى  (إنك لا تهدى من أحببت) النمل ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين )الشعراء ( لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا )الكهف ، أى لعلك أيها الرسول الكريم قاتل نفسك هما وغما وحزنا بسبب عدم إيمان قومك ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) .
 إنه القلب الذى أرسله ربه  (رحمة للعالمين ). ولهذا فإن خديجة رضى الله عنها وقد عايشته وخبرت سجاياه صلى الله عليه وسلم توقعت ما أخبرته به يوم أن جاءها -صلى الله عليه وسلم- يرتجف. وقد كان ما قالت  : "كلا والله لايخزيك الله أبدا" لماذا ياخديجة ؟ " إنك لتَصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتُكسب المعدوم وتُعين على نوائب الدهر" .
ولهذا تعلم منه صاحبه وصدُّيقه رضى الله عنه فقال : "صنائع المعروف تقى مصارع السوء " .
وقد كانت سمات النبى هذه وسجاياه سببا فى صفاء نفسه وانشراح صدره قال صاحب "لاتحزن " الصفة البارزة فى معلم الخير- صلى الله عليه وسلم - انشراح الصدر،  والرضا ، والتفاؤل ؛ فهو مبشر ينهى عن المشقة والتنفير ، ولا يعرف اليأس والإحباط .. فالبسمة مُحيّاه ، والرضا فى خلده ، واليسر فى شريعته ، والوسطية فى سنته ، والسعادة فى ملته ،  إنَّ جُل مهمته أن يضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم صلى الله عليه وسلم.
وهكذا يجب أن يكون أصحاب الرسالات والمعلمون خاصة " فأول المستفيدين من إسعاد الناس هم المتفضلون بهذا الإسعاد يجنون ثمرته عاجلا فى نفوسهم وأخلاقهم وضمائرهم فيجدون الإنشراح والإنبساط والهدوء والسكينة " لاتحزن".
# ولنستكمل معا تأمل القرآن فنتأمل قوله تعالى ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) الفتح 29
إنهم :  ( محمد رسو ل الله ) صلى الله عليه وسلم خير من بلغ الرسالة وأدى الأمانة ( والذين معه ) الذين اختارهم الله لأداء أعظم رسالة مع أعظم نبى فما صفاتهم ليتعلمها كل حامل رسالة؟
4ـ (أشداء على الكفار رحماء بينهم ) وهذه صفة واحدة أى أنهم متوازنون فى أخلاقهم لاهم أشداء دائما ومع كل أحد ؛ ولاهم رحماء دائما مع كل أحد .
    إنما هم أشداء على الكفار رحماء بينهم. فهم يميزون بين من يستحق الشدة ومن يستحق الرفق ، وبين المواقف التى تحتاج الشدة وغيرها التى تحتاج الرفق وهذه هى الحكمة .
إنهم رحماء فيما بينهم  (مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ) . إن باعثهم على فعل الخير هو الرحمة بالخلق وحب الخير لهم وهذا والله أى الرحمة بشير خير لمن وجدت فى قلبه ففى الحديث لاتنزع الرحمة إلا من شقى يقول صاحب كتاب "لاتحزن " : محبة الخير للناس موهبة ربانية ، وعطاء مبارك من الفتاح العليم . يقول ابن عباس متحدثا بنعمة الله عز وجل : فىَّ ثلاث خصال:   مانزل غيث بأرض إلا حمدت الله وسررت بذلك وليس لى فيها شاة ولا بعير، ولاسمعت بقاضٍ عادل إلا دعوت الله له وليس عنده لى قضية ،
ولا عرفت آية من كتاب الله إلا وددت أن الناس يعرفون منها ما أعرف .
أنشد حاتم الطائى :
       أما والذى لايعلم الغيب غيره           ويحيى العظام وهى رميم
       لقد كنت أطوى البطن والزاد يُشتهى  مخافة يوم ٍأن يقال :" لئيم "
إن أخلاق هؤلاء ومعاملاتهم لايحكمها الهوى ولاالطبع ولاالشهوة ، ولاالتعصب والعصبية ، ولا العادات والتقاليد والأعراف وإنما أساسها الذى يحكمها هو طاعة الله تعالى وما أمر به فإن أمر بالرحمة كانت ، وإن أمر بالشدة التزموا بها . وفى الحديث (من أحب لله ومنع لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) إنهم كما قال القرآن ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) المائدة قال الشنقيطى فى أضواء البيان : قَوْلُهُ تَعَالَى  ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ( الْآيَةَ .
 أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يأتي عوضا عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين ، والتواضع لهم ، ولين الجانب ، والقسوة والشدة على الكافرين ، وهذا من كمال صفات المؤمنين ، وبهذا أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فأمره بلين الجانب للمؤمنين ، بقوله)  : واخفض جناحك للمؤمنين ) سورة الحجر / آية :88 ، وقوله) : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين )  سورة الشعراء /215 ، وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله  ): ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير)  سورة التوبة / 73  ، وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله)  : فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ( الآية [ سورة آل عمران : 159 ] ، وصرح بأن ذلك المذكور من اللين للمؤمنين ، والشدة على الكافرين ، من صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم ، بقوله :     (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم )
5 ـ التعبًد والذكر ( تَرَاهُم رُكَّعًا سُجَّدًا ) فهم يتعبدون لله تعالى ويذكرونه كثيرا ويصلون حتى كأنك لاتراهم فى أى وقت إلا راكعين أو ساجدين وهذا كناية عن كثرة صلاتهم وهذه الصلاة هى التى يستمدون منها إخلاصهم وقوتهم وإستمرارهم وعزتهم ويقينهم وكل أخلاقهم وسماتهم الحميدة .
6ـ الإخلاص والإحتساب (يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) فهم لايؤدون خدماتهم للناس على سبيل الهواية ، ولا قضاء وقت الفراغ ، ولا لنيات أخرى قد تكون أغراضا نفسية وإنما عملهم له غاية هى أكبر من كل أغراض الدنيا ؛ إنهم يريدون من وراء أعمالهم رضا الله تعالى وهذا هو الفرق بين المؤمن وغيره :
ـ غير المؤمن يريد هدفا محدودا ينتهى بنهايته هو أو بنهاية الدنيا ! وقد يكون هذا الهدف نبيلا لكنه محدود ؛ أما المؤمن فالعمل من أجل الناس ليس غاية فى ذاته وإنما هو وسيلة لرضا الله تعالى ..  وسيلة يمتد نفعها لما بعد الدنيا وبعد الموت
إن المؤمن يريد أن يكون عمله هذا صدقة جارية أو علما ينتفع به فيجرى عليه ثوابه وهو فى قبره .
وهنا ( وقفة هامة) لابد أن يقفها كل صاحب جهد وحركة ونشاط وكل صاحب قلب رقيق ونفس شفافة وهمة عالية .
ماذا بعد الجهد والحركة والنشاط؟
وماذا بعد العاطفة الجياشة التى تحرك الجهد للبذل والعطاء والعرق من أجل الغير؟
أين يصب ذلك كله؟
تُراه هل ينتهى بإسعاد الغير مثلا كثمرة؟
 أم أن هناك ثمرة أعظم من هذا تظهر فيما بعد انتهاء الحياة؟
إن كرم الله تعالى بالقلوب الرحيمة والجهود المضنية لا يتوقف عند المكافأة بأن يرى الإنسان ثمرة رحمته سعادة على وجوه الأشقياء ،أو بسمة على شفاه البؤساء وكفى.
وإنما هو أكرم من ذلك بكثير فجزاؤه يكون فى الدنيا (فَضَلاً منَ الله ) و(رِضوَانًا) فى الآخرة . بشرط أن يريد الانسان ذلك ويطلبه وأن ينضبط بالشرع .
فإلى كل صاحب جهد ونشاط وعمل وعرق : لقد طلب أناس ماهو أعظم وأتم وأكبر من أى مقابل فى الدنيا ولو كان نبيلا فبلغوا مرادهم فعلا ( يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) فمن البخس والغُبن ومن ظلم النفس أن نضيع جهودنا فى أى مطلوب دون هذا الفضل الإلهى والرضوان .
 وفرق كبير بين أن يعمل الإنسان العمل إيمانا بالله تعالى وتصديقا بجزائه ورجاء له واحتسابا لهذا العمل عند الله وادخارا له هناك إلى حين يحتاج إلى هذا العمل ؛ وبين أن يعمله لمجرد هدف قصير المدى يننتهى بالموت .
الفرق أن من يعمل لله تعالى فالله تعالى فى قلبه دائما وهذا ما يُحْيي هذا العمل ويمده بالروح والحياة  والبركة والنماء والتواصل والإستمرار . (ماكان لله دام واتصل وماكان لغير الله انقطع وانفصل ) هذا قول المجربين.
والفرق أيضا أن من يعمل لله تعالى فهو سيقيم العمل كما يريد الله الذى يبتغى مرضاته .
فالإخلاص يقوده إلى المتابعة أى الانضباط بالشرع وعدم تجاوزه وذلك  حرصا على إرضاء الله .
فإذا لم ينضبط هذا الجهد بالشرع انقلب على صاحبه وبالاً عليه.
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التُقى     **     فأول ما يجنى عليه اجتهاده
والفرق كذلك أن  السعادة التى يعيشها المؤمن كثمرة لعمله من أجل الغير لاحدود لها ..
إنها تفوق كل وصف ولايمكن أن يعرفها إلا من يعيشها إيمانا واحتساباً .
والفرق كذلك أن الإحتساب هذا وقاية من الإحباط والفشل لماذا ؟
لأن الله تعالى يكافىء على مجرد النية الصالحة فإذا فشل المشروع ولم يثمر فإن الله  لايحرم صاحبه من الثواب مادامت النية كانت سليمة خالصة؛  ومن هنا لايحبط صاحب العمل الصالح .
كذلك هذا الإحتساب هو عزاء المخلصين إذ قد لايجدون من الناس شكرا على المعروف والمجهود الشاق ! بل ربما لاينالون من الناس إلا النكران ! بل وربما الأذى ! فالإحتساب هنا هو الذى يجعلهم مطمئنين لأنهم تسلَّموا مكافآتهم من الله ابتداءً فهو الأعلم بهم وبنياتهم ولاينتظرون من الناس شيئا إنما قولهم (إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً ولاشكورا) . (وما لأحد عنده من نعمة تُجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى) ولكن هذا يحتاج إلى نية صادقة واحتساب قوى. اللهم ارزقناها فإنها أبلغ من العمل .
إنها دعوة لأصحاب الهمم والنشاط ولأصحاب القلوب المحبة للناس .
دعوة لاستثمار جهودهم ونشاطاتهم أعظم استثمار .
دعوة إلى التوجه بهذه الجهود إلى الله تعالى رب الناس قبل التوجه بها إلى الناس فعند الله تعالى جزاء الدنيا وحسن جزاء الآخرة ( من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل .
( يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) إن من جزاء إخلاص العبد لله وقصده رضوان الله وحده فى عمله أن يتعود البحث عن مرضاة الله حيث وجدت فيتسع بذلك قلبه ومن ثم نشاطه فبعد أن كان محصورا فى العمل الخيرى مثلا إذا به يمتد إلى كل عمل يجد من ورائه مرضاة الله تعالى وهذا هو صاحب التعبد المطلق الذى قال عنه ابن القيم رحمه الله : ليس له غرض في تعَبُدٍ بعينه يؤثره على غيره ، بل غرضه َّتَتبُّع مرضاة الله تعالى أين كانت ، فمدار تعبُّده عليها ، فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية ، كلما رُفعت له منزلة عمل على سيره إليها ، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى ، فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره ،                                                                          فإن رأيت العلماء رأيته معهم ،                                                                                                              وإن رأيت العُبّاد رأيته معهم ،                                                                                                         وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم ،                                                                                                           وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم ،                                                                                                          وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم ،                                                                                            وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم ،                                                                    فهذا هو العبد المطلق ، الذي لم تملكه الرسوم ، ولم تقيده القيود ،                                                                   ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها ، بل هو على مراد ربه ، ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه ،  فهذا هو المتحقق ب " إياك نعبد وإياك نستعين " .                                                                                              لا تملكه إشارة ، ولا يتعبده قيد ، ولا يستولي عليه رسم ،                                                                      حُرٌ مُجَرَّد ، دائر مع الأمر حيث دار ، يَدين بدين الآمر أنَّى توجهت ركائبه ، ويدور معه حيث استقلت مضاربه ،  يأنس به كل مُحِق ، ويستوحش منه كل مُبطِل ،                                                                                             كالغيث حيث وقع نفع ، وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها ،                                                     وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله ، والغضب إذا انتهكت محارم الله ،                                                 
 فهو لله               ،            وبالله                   ،                   ومع الله                                                                                                قد صحب الله بلا خلق ، وصحب الناس بلا نفس ، بل إذا كان مع الله عزل الخلائق عن البَيْن ، وتخلى عنهم ، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها ، فواهاً له ! ما أغربه بين الناس ! وما أشد وحشته منهم ! وما أعظم أُنسه بالله وفرحه به ، وطمأنينته وسكونه إليه ! ! والله المستعان ، وعليه التكلان .
7ـ يُعينون ويخدمون الناس ( إنا نراك من المحسنين ) هذا يوسف عليه السلام كان فى السجن هو المؤنس لرفاقه المساجين والمحسن إليهم وهذا بشهادتهم  ولذلك لجأوا إليه فى همومهم راجين إحسانه فاستعمل ذلك فى دعوتهم الى الله .
والمسيح عليه السلام  كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله
وكذك أصحاب الرسالات والمصلحين النبلاء تراهم محسنين يتقبلون حاجة الناس  بصدر رحب. 
ويوسف عليه السلام تطوع من تلقاء نفسه فى حل كارثة كانت قادمة على مصر ومجاعة رمادية تحيط بها ولم يطلب على ذلك مقابلاً ولو إخراجه من السجن وهو البرىء المظلوم .
ويوسف عيه السلام يأتى إليه إخوته وهم الذين ظلموه ، وألقوه فى البئر،  وباعوه ، وكانوا سببا فى غربته وفى كل مشاكله التى عاشها يأتون إليه خاضعين مستغيثين به من المجاعة فيحسن إليهم ولو كان أحد غيره لوجدها فرصة لرد الصاع صاعين وللشماتة والإنتقام .
كان عبد الله بن المبارك يجمع من أراد الحج من أهل قريته ويجمع من كل منهم نفقته فى يده هو لينفق عليهم ثم يخرجون للسفر فيقوم على خدمتهم وينفق عليهم من ماله فإذا عادوا أعاد إليهم كل أموالهم .
وفى مصر فضلاء يفعلون ذلك وهم من أهل المال والتجارة وليسو من المشاهير فى التدين .
8ـ لاينساقون مع الناس بل يحاولون الإصلاح ويواجهون الفساد ( إِنْ أُرِيدُ إلا الإصلاحَ مَا استَطَعْتُ ) هذه كلمة نبى الله شعيب عليه السلام
فصاحب الرسالة لا يعيش إمَّعة قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه :لا يكون أحدكم إمَّعة، قالوا: وما الإمَّعة يا أبا عبد الرحمن؟ قال: يقول:إنما أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطن أحدكم نفسه على إن كفر الناس أن لا يكفر ) وجميع الأنبياء بُعثوا فى أزمان تردت فيها أخلاق الناس وشاع بينهم الفساد ولكن الرسل  يواجهون الفساد والمفسدين ويقومون للإصلاح رغم مشقته ورغم عدم اعتراف الناس بهم فى البداية .
ـ فهذا نوح عليه السلام يقوم لنصح قومه (إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) ولكنهم لايستجيبون بل يسخرون منه ولكنه عليه السلام ماض لايتوقف (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون)
ـ وهذا شعيب عليه السلام يقول لقومه وفى قصة يوسف عليه السلام نجد معانى هامة لكل صاحب رسالة
9ـ الزهد فى الدنيا  (  وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقىَ) طه . هذه وصية الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم   وهو قدوة كل حامل رسالة .
قال ابن كثير :
يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه : لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم ، وما هم فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة ، ونعمة حائلة ، لنختبرهم بذلك ، وقليل من عبادي الشكور .


وقال مجاهد :  ( أزواجا منهم ) يعني  الأغنياء فقد آتاك [ الله ] خيرا مما آتاهم ، كما قال في الآية الأخرى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ) [ الحجر : 87 ، 88 ] ، وكذلك ما ادخره الله تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يُحَد ولا يُوصف ، كما قال تعالى  ): ولسوف يعطيك ربك فترضى ) [ الضحى : 5 ] ولهذا قال)  :   ورزق ربك خير وأبقى   .(
وفي الصحيح : أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه ، حين آلى منهم فرآه متوسدًا مضطجعاً على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ ، وأهب معلقة ، فابتدرت عينا عمر بالبكاء ، فقال رسول الله : " ما يبكيك ؟ "      فقال : يا رسول الله ، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه ، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال : " أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا " .
فكان صلوات الله وسلامه عليه أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها ، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا ، في عباد الله ، ولم يدخر لنفسه شيئا لغد .
قال ابن أبي حاتم : أنبأنا يونس ، أخبرني ابن وهب ، أخبرني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله من زهرة الدنيا " . قالوا : وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال : " بركات الأرض " .
وقال قتادة والسدي : زهرة الحياة الدنيا ، يعني : زينة الحياة الدنيا .
وقال قتادة ( لنفتنهم فيه  ( نبتليهم .
فيوسف عليه السلام عانى كثيرا من المشكلات والمصائب فى حياته وكلها بلا ذنب منه ولاتدخل .
فالسبب فى كيد إخوته له هو أخلاقه وسجاياه التى حببت فيه أباه وجعلته يميزه عن إخوته فيحسدونه ويكيدون له ،
والسبب فى دخوله السجن هو جماله الذى جعل امرأة العزيز تعشقه وتريد أن تنال مرادها منه .
وكذلك أصحاب الرسالات !
الناس يريدون منهم الدنيا وهم لهم همٌّ أخر بعيد عنها .
إنهم يعانون المشاكل دون أن يكون لهم طمع فى دنيا الناس ولامنافسة وربما كان سبب مشاكلهم هو استقامتهم أو حب الناس لهم .
ـ لقد وافق الأنصار على بيعة رسول -الله صلى الله عليه وسلم -على أثرة عليهم وكان يقول لهم : إنكم ستجدون بعدى أثرة  ـ أى من الناس يؤثرون أنفسهم عليكم ـ فاصبروا حتى تلقونى على الحوض وقد كان . . ورضى الأنصار بوعد -رسول الله صلى الله عليه وسلم -بديلا عن الدنيا والملك .
10ـ السمو الأخلاقى والعفو والتسامح ( فاعف عنهم واستغفر لهم ) هذه وصية ربنا لنبينا صلى الله عليه وسلم وقد حكى القرآن العظيم قال(فلما دخلوا عليه قالوا ياأيها العزيز جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين) هذانبي الله يوسف عليه السلام  مدوا أيديهم إليه من قبل بالأذى فمدوها اليوم بالإستعطاف وطلب الصدقة ! فماذا قال وهو الذى لو أشار لحراسه لأخذوهم !.. ولكن النبى الكريم ابن الكريم ماذا يفعل بهم ؟!
    ـ ( قال هل علمتم مافعلتم بيوسف وأخيه إذأنتم جاهلون )؟
ـ ( قالوا أئنك لأنت يوسف )؟
(قال : أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا ........
( قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ) اعترفوا بخطأهم فماذا قال
( قال :لاتثريب عليكم اليوم ) أى لاعتاب (يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين )
فكذلك يجب أن تكون قلوب أصحاب الرسالات فهم أكبر من الإنتقام وأعلى من التشفى وأسمى من رد الإساءة بمثلها فهم لهم همٌّ آخر وشغل آخر لذا قال لهم بعد الدعاء لهم بالمغفرة ( إذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتونى بأهلكم أجمعين ) لقد قطع الحديث عن الماضى وعن خطأهم فى حقه وانتقل إلى الأهم فى نظره وهو مشكلة أبيه وبصره الذى ذهب .
11ـ  همهم الآخرة( توفنى مسلما والحقنى بالصالحين ) هذه أقصى أمنية ليوسف الصديق الكريم بن الكريم بن الكريم عليهم السلام تدخل عليه عائلته مصرفيرفع أبويه على العرش ويخرون له سجدا فماذا يتمنى بعد هذا المجد والعز والسلطان والأبهة والملك؟!إنه يتوجه إلى ربه بهذه الأمنية :( توفنى مسلما والحقنى بالصالحين )
ولقد تذكر خليفة خليفة رسول الله وأمير المؤمنين عمر رضى الله عنه هذا الدعاء يوم أن جىء إليه بأكبر غنائم فرآها أكواما من الذهب والحلى والجواهر وتيجان الملوك فرأى أن الدنيا قد أقبلت ! ! عندئذ قال : رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ثم دعا دعاء يوسف عليه السلام ( توفنى مسلما والحقنى بالصالحين) .
 كذلك يجب أن يكون كل أصحاب الرسالات ؛ همهم الآخرة وقلوبهم معلقة بها ، وأمنيتهم ممتدة إلى أعظم وأعلى من الدنيا كلها.
إنهم ينظرون وينتظرون ما بعد الحياة الدنيا! أُفُقهم أوسع ، ونظرهم أبعد ، وطموحهم أكبر من الملك والعرش والسلطان والمنصب والجاه وما كل ذلك إلا وسائل لتحقيق رسالتهم . اللهم اجعلنا كذلك
إن إبراهيم عليه السلام كلفه ربه بأن يرفع البيت الحرام ففعل ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) فلما أتم العمل توجه إلى ربه (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) همه قبول العمل ثم (ربنا واجعلنا مسلمين لك ) ثم يتذكر بقلبه الكبير ذريته من بعده فيستكمل الدعاء ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا منا سكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم )
"إن أسعد الناس حالا واشرحهم صدرا هو الذى يريد الآخرة فلا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله وإنما عنده رسالة من الخير ومُثُل سامية من البر والإحسان يريد إيصال نفعه إلى الناس ""لاتحزن "
12ـ الهمة العالية الطامحة ( لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ) أيْ لَا أَزَالُ سَائِرًا حَتَّى أَبْلُغَ  هَذَا الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ وَهُمَا بَحْرُ فَارِسَ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ ، وَبَحْرُ الرُّومِ مِمَّا يَلِي الْمَغْرِبَ وقيل  مجمع البحرين عند طنجة ، يعني في أقصى بلاد المغرب ، ( أو أمضي حقبا ) أَيْ : وَلَوْ أَنِّي أَسِيرُ حُقُبًا مِنَ الزَّمَانِ أى زمنا طويلا .
لقد كان ذو القرنين ذو همة عالية طامحة لاتقف عند طلب المطعم والمشرب وملذات الدنيا بل قد سخر نعمة الله عليه فى العمل لله والعدل بين الناس والرحمة والخدمة والإغاثة (إنا مكنا له فى الأرض وآتيناه من كل شىء سببا  فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة ووجدعندها قوما قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) أى إن الله تعالى  مكّنه وخيَّره فى الحكم فى هؤلاء فبماذا حكم ؟
(قال أما من ظلم فسوف نعذبه ..... ) ( وأما من عمل صالحا فله جزاء الحسنى....) فالعدل أساس فى حكم المصلحين وإلا لاتدوم رسالتهم فالظلم هو أساس الخراب والدمار.
وذو القرنين يلجأ إليه هؤلاء الذين وجدهم عند السدين حتى يقيم لهم سدا يمنع عنهم إكتساح المفسدين ودمارهم  فبناه لهم وشيده عاليا مانعا ( فما اسطاعو أن يظهروه) أى يتسلقوه ( وما استطاعو له نقبا ) أى ثقبا

التحميلات المرفقة

ساحة النقاش

على الدينارى

denary
موقع خاص بالدعوة الى الله على منهج أهل السنة والجماعة يشمل الدعوة والرسائل الإيمانية والأسرة المسلمة وحياة القلوب »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

147,052