كان في مهده  مخلوقا ضعيفا  نحيفا قبيحا  أشبه  بنملة  أو صرصور ؛ لكنه كان يلتهم الطعام  بطريقة  الجبارين.. سألت أمه مستغربا:
ـ  لمَ يلتهم كل هذا الطعام ومع ذلك  لا يكبر بل ويزداد نحافة؟!..
لم أتلق إجابة مقنعة ؛ ولكن الأم تختفي وينهض  الرضيع  الهزيل يريد أن يخرج من مهده الذي  تضخم حتى أمسى مثل شاحنة ؛ ومع ذلك  تمكن الطفل  أن يتسلق  سياج  المهد العظيم ؛  وبدا أن ذلك  المهد  كان في مكان شاهق فانزلقت قدم الطفل  الذي صار الآن في  أحسن صحة  وأجمل صورة   وأنضر بشرة ؛ وتدحرج  مع المهوى البعيد  الذي كان البحر  يضرب  بموجاته  السفح الذي تعتمت فيه  رمال  هسهاسة بالغة النعومة كالحرير .. ارتطم جسد الطفل العاري البراق  بالرمال  وطار  من شدة  الارتطام كما لو ارتطم بجسم مطاط ؛  وتلوّح به  الرطمة بعيدا  ليسقط في عرض البحر .. كنت في رعب من أن يحدث للطفل  الفريد  الكمال والجمال  مكروه  وفزعت  نحو البحر أريد إنقاذه .. سقط  في في ضحضاح من الماء لا يكاد يغطي عراقيب  عدد من الشبان  كانوا في المكان  وسط البحر .. وعلمت أن الطفل لم  يصب  بأذى؛ لكنه كان شديد العطش .. سارعت أبحث له عن  الماء ؛ وسرت من  المكان الذي به مبنى البرلمان  المشرف ببنايته على المرسى الذي استحال الآن  بحرا  لا غير وقد اختفى المرسى .. سرت حتى بلغت  ثانوية الامير عبد القادر  مع الشارع المفضي لباب الوادي  حتى  وجدت مقهى أو مطعما ـ من غير الواضح إن كان مطعما أو مقهى.. رجوتهم أن يبيعوا لي  قنينة ماء ؛ ظهرت مشكلة أن المحل  على وشك أن يقفل  وعلي أن أعيد القنينة الزجاجية بعد استهلاك الماء .. قلت إني سأدفع  ثمن الماء وثمن القنينة أيضا .. راح أحدهم يملأ  الزجاحة من الحنفية بماء عادي  وفي وعاء آخر.. اكتفيت بأن أخذت  الزجاجة ودفعت ثمن الماء العادي  بقطعتين من قطع النقد القديمة  ذات الخمسين سنتيما.. ولمحت  صاحب المحل  يقوم بالصلاة.. فاستأذنت أن أصلي بدوري في مصلاه ؛  كان الوقت عصرا.. رحب بي صاحب المحل  وقد انتهى فورا من صلاته..  وضعت أمتعتي ومائي  عند الباب ودخلت إلى المصلى فإذا هو قاعة  مفروشة  بأحسن الفرش  .. بها سرر مرفوعة  للنوم مبثوثة  في صفوف  كأنها مرقد عظيم ولكنه فخم ومؤثث بأفخم الرياش ؛  أخذني  العامل الذي قدم لي  زجاجة الماء  نحو أحد الأفرشة وأعلمني أن صاحب هذا المقام قد توفي منذ أيام قليلة .. فأقمت الصلاة و رحت أتلو سورة الفاتحة  ثم بعض الايات من سورة البقرة جهرا  .. وقف إلى جانبي  أحدهم وقد  اتخذني إمامه في الصلاة ؛ حدست أنه قد يكون من  قريتي وسعدت .. في هذه الأثناء كان صاحب المحل  يتفقد  الموجودات  من الفواكه في  ثلاج ضخم  إكراما لي واستضافة .. لقد تبين أن المكان كله مؤسسة تربوية .. وها أنا ورغم أني  متقاعد من زمن طويل  هاهم يستقبلونني كما لو كنت ناشطا في العمل..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 105 مشاهدة
نشرت فى 30 ديسمبر 2015 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,946