جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
س1/ يصنف الكثير من النقاد أعمالك الروائية ضمن السرد السيري ؛ كما حدث مؤخرا مع الناقد حبيب مؤنسي ؛ بينما تقول انت في مقدمة سيرتك " وحتى أبين الحدود ما بين سيرتي الشخصية وبين كتاباتي الإبداعية ؛ كان لا بد أن تولد هذه السيرة .." هذا يعني أن النقاد ؛ والقراء أيضا لم يعرفوا تصنيف أعمالك والسيرة جاءت لتضع الحد الفاصل ؟..
ج س 1/
سيرتي الذاتية " وتلك الأيام " هي آخر آعمالي الفنية التي لفظتها دار الفارابي ببيروت إلى سوق القراءة لمن شاء أن يقرأ ؛ وقد كانت حاضرة في معرض الكتاب الأخير في الجزائر .. وأنا شديد الاعتزاز بهذا المنجز وأنا أقرأ وأقارنه بكتابات أخرى في هذا الحقل الصعب من الكتابة .. وأنا الآن منكب على كتابة الجزء الثاني من هذه السيرة ؛ وما يدريك لعله يكون جزء ثالث؟.. وحينئذ ربما يكون ما يبرر تصنيفي وتصنيف كتاباتي في خانة كتاب أدب السيرة ؛ أما حاليا فكتاباتي الروائية هي الغالبة بصفة كاسحة فهناك ؛ الطاعون في طيبة ؛ شعبة الزيتون ؛ السيف والرصاص ؛ سنابل وقنابل ؛ الحبة السوداء في جزئين ؛ القاضية والعفر ؛ وهي كلها من صنف الأعمال الضخمة الشبيهة بأعمال كبار الكتاب أمثال نجيب محفوظ وتولستوي وهومنغواي... وليست في صيغة تلك الكتيبات المتهافتة في كم صفحاتها وفي موضوعاتها ؛ وضمن تلك الأعمال ثلاث روايات تشكل ثلاثية لم يكتبها أحد من الجزائريين الكاتنبين بالعربية حتى هذه اللحظة.. وأسميت تلك الثلاثية في تصريحاتي الصحفية بملحمة الجزائر ولا أظنها غير ذلك.. إني أتحدث هنا من غير غرور صاخب ولا تواضع كاذب .. إن أعمالي الروائية لم تجد بعد مكانها لدى بعض المشتغلين بما يشبه النقد لينزلوها مكانتها لجهلهم بوجودها أصلا ؛ وهذا كل ما في الامر..
أما حديثي في مقدمة " وتلك الأيام" بأن السيرة ستضع الحد الفاصل بين كتاباتي الفنية السابقة وهذه السيرة؛ فأعني به أن رواياتي تستلهم جوانب من الأحداث التي عشتها بصفة مباشرة تماما مثلما استلهم نجيب محفوظ حياته في ثلاثيته بصفة خاصة .. لقد استلهمت مثلا أحداث ثورة التحرير الكبرى كما عشتها أو سمعت عنها.. والسيرة باعتبارها سرد ا لوقائع فعلية هي التي ستبين الحد الفاصل بين أحداث وقعت وأحداث ساقها البناء الفني في الرواية واجتلبها من مخزون المخيلة ليعطي الرواية نكهتها الفنية وزخمها الإبداعي وروحها المستشرفة للكمال والجمال.. وهو ما لا نجده في وقائع الحياة العارية..هذا هو ما أعنيه من الحدود .. أي الفاصل بين الواقع والمتخيل..
س 2/
هذا ما يجعلك تقول في أحد حواراتك الإعلامية " ساحتنا الابداعية خالية من النقد.."؟
ج س2
للأسف ما يصلني من كتابات نقدية في الجزائر قليل جدا بخلاف ما يصدر من أعمال وما ينشر تحت عنوان الإبداع الفني الأدبي الذي يشكل طوفانا هائلا لا يجد من يتصدى له بالفرز أو التقويم أوالاكتشاف.. ولقد تم الاعتداء بشكل لافت على فن الرواية وأمسى كل من ينشر بعض الخربشات في الصحف أو في المواقع الإلكترونية يفاجئك بأنه روائي ؛ ومما زاد الطين بلة أن دور النشر عندنا وهي دور تجارية لا علاقة لها بأبجدية النشر وما تستلزمه من تنصيب للجنة قراءة لكل عمل يقدم للنشر .. وأمسى كل شيء ينشر تحت عنوان الرواية حتى ليصاب المرء بالغثيان ..
إن هذه الساحة الشائكة تستوجب توفر أعلام من النقاد يتصدون لهذه الظاهرة ويبينون للناس ما يحمل سمات الأدب والرواية فعلا وما هو مجرد نصب واحتيال وسطو ونحو ذلك..إننا في حاجة لمجلات ودوريات متخصصة ولنقاد متخصصين يتابعون ما يصدر ويقدمون للناس صالحه ويعينون الأقلام التي تستحق أن ترفع اللواء عن جدارة بعيدا عن هذه الظاهرة الجزائرية الفريدة التي تكرس ثلاثة أسماء أو أربعة وتجعل الإبداع الفني يبدأ منها وينتهي عندها..
س3/
ربما هو الأمر الذي جعل من الرواية " مهنة من لا مهنة له" على حد تعبير الروائي السوداني أمير تاج السر..؟
ج س 3/
لا يمكنني أن أعقب على ما يعنيه الروائي الذي ذكرت ما دمت لم أطلع على السياق الذي تحدث فيه ؛ إنما اقول إن دور النشر تتحمل كل المسؤولية بنشرها كل ما يرد إليها من غث وسمين دون فرز إذ لا يهمها غير الربح بل النهب ؛ ولم تحترم سمعتها ولا سمعة الكتابة الأدبية ؛ العجيب أن بعض دور النشر لا يعنيها نوعية النص بل يعنيها أن تنشر لجهة أو لشلة من الشلل وقد خبرت ذلك بنفسي حين أعلمتني إحدى تلك الدور تلك بأن ورايتي " القاضية والعفر " جيدة ولكن الدار لايمكنها أن تنشرها ؛ وتعللت بسبب أوهى من خيط العنكبوت بقولها إن حجم النص كبير!! والحق أنها نشرت نصوصا أطول من روايتي ولكنها السياسة الجهوية والشللية لتلك الدار هي التي نطقت.. ولو كان لدينا هيئة اتحاد كتاب تمثيلية وشرعية لاقترحت عليها أن تتدخل لدى السلطة لتعمل على ألا ينشر أي نص أدبي إلا بعد موافقة لجنة قراءة مؤهلة يكون أعضاؤها منتمين لهذه الهيئة ولا يكفي أن تكون هذه اللجنة من أكاديميين مزعومين ؛ وقد تبين أن بعض هؤلاء الأكاديميين حازوا شهادات ولكنهم لم يحوزوا علما ..
س 4
تبدو متذمرا من النقاد .. هل مرد ذلك هو تهميشهم لأعمالك كما تفضلت قبل قليل "..إن أعمالي الروائية لم تجد بعد مكانها لدى المشتغلين بما يشبه النقد لينزلوها مكانتها بجهلهم لوجودها أصلا.." أم لغيابهم عن الساحة الأدبية ؟..
ج س 4
في البدء ؛ أعلن عن يقيني الثابت الذي لا يشوبه أي غرور وقد قرأت آلاف الروايات من مختلف أنحاء العالم وفخري بما كتبت ..أني مطمئن الاطمئنان المطلق بأن كتاباتي ستجد سبيلها لتتبوأ مكانها المرموق طال الزمن أم قصر.. والتذمر الذي لمسته في تصريحاتي ليس هو تذمري الشخصي فحسب بل تذمر كل من يكتب ثم لا يجد من يقول له أحسنت أو أسأت.. ثم إنه من ضمن وظائف النقد أن يقدم الكتابات للقراء من خلال بيان ما في هذه الكتابات من جدة أو أصالة أو مغامرة أو أي ميزة من مميزات الريادة أو العكس بأن يفضحوا ما فيها من تلكؤ وتفاهة وبأن يشهروا بما ينتابها من عبث..فالنقد ضرورة تماما كما هي وظيفة نقد العملات وبيان صحيحها من زائفها.. وإلا صار الأمر فوضى..والنقد هو البوابة الكبيرة للمقروئية والناقد دليل القارئ نحو أجمل الاثار الفنية وأندرها ؛ ومن غيره تكون القراءة لعموم الناس تسللا وكالذهاب إلى الغابه للاحتطاب في ليل داهم دامس..
ماذا عن روايتك الأولى " الطاعون في طيبة" كيف ولدت فكرتها ؟ وما هي ظروف كتابتها ؟..
شرعت في كتابة " الطاعون في طيبة " وأنا على مقعد الدراسة في الجامعة وهي رواية مستمدة من التراث الإغريقي وموضوعها الذي هو أسطورة أوديب الشهيرة التي نجد بذرتها في إلياذة هوميروس وتوسع فيها بعد ذلك شعراء المسرح الإغريقي .. وصارت الأسطورة موضوعا للتباري بين كتاب المسرح في الحضارات المتتالية حتى العصر الحديث وكان من ضمن من كتب في الموضوع بالعربية توفيق الحكيم.. في الجامعة وفي شهادة الأدب المقارن درسنا مسار هذه الأسطورة والتأثيرات المختلفة التي كانت تتلون بها في كل عصر وحضارة وكان ذلك سببا جعلني أنخرط في السياق وكلما تحدث الأستاذ عن إضافة أو تحويل أجد نفسي متسائلا وماذا عني ؟ هل يمكنني أن أجد ما يمكن أن أضيف أو أحوّل أو أفسر أو أؤول في هذه الأسطورة الإنسانية الخالدة.. ووجدت أني قادر على ذلك وبشكل موسع وبدا لي أن شكل المسرحية لا يمكن ان يستوعب ما أريد أن أضيفه للأسطورة ولقد كانت فكرتي المحورية هي أن أهدم في الاسطورة أسطوريتها ذاتها وأن أجعل أحداثها أعمالا يأتيها بنو البشير في حياتهم اليومية من غير حاجة لتخطيط الآلهة وتدخلهم اليومي كما هو الأمر في الأسطورة ؛ وإضافة لتكسير الأسطورة أسقط فيها أفكارنا المعاصرة للدفع بالبشرية إلى الأمام.... وفضلا عن ذلك كله ؛ كانت الساحة الجزائرية يومئذ تخلو من الفن الروائي .. أتحدث عن سنتي 72 و 1973 فكنت أحلم أن أكون رائدا للرواية في الجزائر..وفعلا شرعت في الإنجاز وأنهيت كتابتها في صائفة 1976. وإن لم تنشر حتى سنة2011 والتأخير لا يغير من الأمر شيئا بخصوص أصالتها وريادتها..
س6/
ولكنها لم تر النور على مستوى النشر حتى سنة 2011 لماذا؟..
ج س 6
ذكرت ذلك سابقا ؛ سعيت إلى نشرها منذ أن وضعت أخر سطر في متنها .. ولا داعي للتكرار.. أقول فقط بأن النشر يومئذ كان محتكرا ولا ينشر إلا لمن كان طويل اليد والباع..ولم أكن من الملحّين .. نعم ضاعت فرصة أن يتلألأ اسم روائي باكرا ؛ ولكن الرواية لم تضع أبدا.. وستجد مكانها الذي تستحق طال الزمن أم قصر..
س8
ما هي الطقوس التي تكتب بها الرواية والشعر..
ج س 8
التفكير يسبق الكتابة .. وكثير من الأفكار والصور والشخوص تولد وأنا أتهيأ للنتهوض من فراشي صباحا أو أسير في الطريق أو وأنا على مائدة الطعام ؛ أقوم بصب ما فكرت فيه عادة في صدر صبيحة بعد أن أكون قرأت الجرائد ودونت انطباعي اليومي في صفحتي على الفيسبوك.. وطبعا أثناء التدوين أصقل ما فكرت فيه سابقا وأضيف أليه وأطوره.. هذا بالنسبة للنص السردي.. أما الشعر وهو في الحقيقة شيء نادر ولا أكاد طوال سنة كاملة أكتب غير نص أو نصين حين تشحن النفس بقضية مستعجلة تريد أن يتم التعبير عنها ويتفجر فورا ولا تنتظر الزمن مثل الكتابة السردية .. والنص الشعري هو ما أضطر فيه إلى استعمال الورق لصبه حتى لا يتبخر من ذهني قبل الذهاب إلى الحاسوب ؛ بخلاف النص السردي الذي استغنيت فيه نهائيا عن الورق ..وأدون ما يعن مباشرة على شاشة الحاسوب وإن كنت أضيع بعدم التدوين على الورق الكثير من الأفكار والصور والأجواء التي طافت بخيالي.؛ وخاصة في الليل حين تزورني فترات استفاقة..
س 9
ماذا تقول عن اللغة العربية في يومها العالمي..
ج س9
من ينظر لحالة العرب اليوم ينتابه التشاؤم وهو يرى الساحة العربية أشبه بميادين معارك وصراعات ممتدة لحرب عالمية سرية يخوضها العرب أنفسهم ضد أنفسهم بالوكالة عن أعدائهم ؛ ولكن النظرة العميقة تقول أيضا إن أمة بهذه الحيوية وبهذا الزخم ؛ مقبلة على صناعة تاريخ ومقبلة على أن تكون إحدى المناطق الواعدة بأن ترسم في جغرافيتها القاحلة الحالية قلب هذا العالم في وجوده البشري.. وهذا التململ الحالي إرهاص لذلك الغد الزاهر .. والعربية .. هذه اللغة الربانية الجميلة ستكون هي المترجمة لذلك الغد الزاهي .. ولأنها ستكون لغة الديانة الأولى في العالم في المستقبل القريب من الأيام بفضل حيوية انتشار الإسلام حتى في هذه الظروف الحالية الحالكة ؛ ولأنه لا إسلام صحيح من غير العربية لغة كتاب المسلمين الذي هو القرآن المجيد فإن العربية ستكون اللغة الأولى عالميا بالنتيجة وستتخطى مكانة الإنجليزية والإسبانية والصينية . هذا تصوري لمستقبل العربية بثقة مطلقة وإيمان لا يتزعزع وليس لي من عزاء أقوله لخدم فرنسا بالجزائر ولأعداء العربية و للعدميين والتافهين من بني جلدتنا سوى أن استفيقوا من مرضكم الذي طال..العربية قادمة..
ساحة النقاش