جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
بعد انتهائي من قراءة :الخبز الحافي للكاتب المغربي الشهير محمد شكري وتاليتها " الشطار ؛ التي تشكل الجزء الثاني .. اردت أن أقدم انطباعاتي قارئا محبا للنص الأدبي ومنشئا له..
نص الخبز الحافي وتابعه قدم على أنه سيرة ذاتية روائية للكاتب ، وأرى في هذا التصنيف إيقاعا بالقارئ ونصبا عليه وكان عنوان الجزء الثاني : "الشطار" فلتة من الكاتب فضحت فخاخه ؛ فمن شطارته أنه نوى أن يوقع القارئ في هذا الوهم..وهم الحياة كأسا وحشيشا وجسد بغي ، وصعلكة وشجارا ، وسرقة وانتشالا ، وكراهية وحقدا و....
وحتى أكون واضحا من البداية وحتى لا أتهم بأي تحامل أقول بأنه يكفي الكاتب فخرا وإبداعا أن هذا النص نسيج وحده في أدبنا العربي المعاصر لم يسبقه أحد في موضوعه ولن يقدر أحد على الإتيان بمثله في سمته وحيويته ولن يتكرر لأن الظروف التي أنتجته فريدة وهي ظروف لن تتكرر بحال كذلك..
يمثل الإيقاع بالمتلقي في القول بأن النص سيرة.. والسيرة الذاتية في عرفي وفهمي أنها نقل لما عاشه صاحب هذه السيرة من وقائع وأحداث ولما يحيط به من زخم الحياة في كل جوانبها .. وإذا وقع ثمة بعض الانتقاء فيما يتم نقله فسيكون ذلك بقصد ما يريد الكاتب أن يبرزه لغرض تربوي أو أخلاقي أو مذهبي أو جمالي أو نحو ذلك ، وغالبا ما يعبر الكاتب في مستهل سيرته عن مثل هذه القصود..القصدية الوحيدة التي يستهدفها هذا النص هو حياة الصعلكة والخروج عن كل مواضعات السلوك في المجتمع بلغة منفلتة من كل قيد.. إنها الحياة في وجهها الحيواني البهيمي المحض.. حياة اللحظة كما يحياها الكائن في قانون الغاب..
ينتابني إحساس كبير بأن الكاتب وهو يعيش حالة نفسية ـ إذا صدقنا طبعا ما يصفه النص ويعرضه من وقائع وأحداث ـ إذ كان "أمره فُرُطا" من اللامسؤولية ومن انفراط عقد القيم ومن ترك الحبل على الغارب..يطبق على القارئ في نصه هذا " مدونة السلوك الذي يسلكه بطله الذي هو نفسه محمد شكري" فالنص بلطة وهراوه يلوح بها في كل حين..
أعني ان الكاتب صمم منذ البدء أن يكتب نصا يبحر في قعر المجتمع السفلي بعيدا عن كل تحفظ أو مواربة .. وعلى العكس مما يقول النقاد بأن النص يعبر بتلقائية منقطعة النظير عن هذا العالم السفلي ما يعني أيضا كل ماتحت السرة! بإصرار وسبق ترصد وبانتقائية كبيرة وحرص ولا مجال لعفوية مزعومة.
إن الاسم الحقيقي للكاتب محمد شكري هو محمد النمسماني . وحياة محمد النمسماني لا تكاد تذكر في هذه السيرة ؛ لا نكاد نعرف عن مشواره الدراسي الذي لم ينطلق إلا وهو في العشرين كما تسجل السيرة هو مسار فريد ننتظر أن تدون عنه فصول وفصول . ومساره المهني مدرسا كنا نتلهف أن نقرأ عنه كتابا قائما على الأقل . لكن كل ذلك أشار ت إليه السيرة في بعض سطور.
نحن إذن لسنا بصد د قراءة سيرة بل نحن أمام رواية استمدت أحداثها من بعض جزئيات حياة الكاتب ونفخت فيها وحركت آلة الخيال لتبرزها لنا في هذه الصورة الفريدة من حياة التشظي والانكسار على هامش المجتمع ومن الانفلات من كل القيم وتوجهات الحياة في المغرب في خمسينيات القرن الماضي وما تلاها من أحداث جسام لا نكاد نجد لها أثرا في هذه السيرة الفريدة. يكفي أن أعظم حدث عاشه المغرب وهو الاستقلال لم يأخذ من قلم الكاتب غير بعض الإشارات الواردة في سخرية وفي حياد.وهذا ما يدل على أن وعي الكاتب كان يتجه في رصده لسيرته إلى وقائع ألح عليها التوجه الذي ارتضاه لنفسه في الكتابة . لقد أراد أن يكتب عن الحياة السفلى من قعر المجتمع بعزيمة المناضلين الأفذاذ!!.
وليس صحيحا ما يقوله النقاد عن ان الرجل سجن نفسه في "الخبز الحافي" إن الخبز الحافي ذاتها هي التجلي البارز في سجن كبير شرنق فيه الكاتب ذاته ؛ ويكفي أن ما كتبه بعد ذلك من سير روائية غيرية كلها تنساق في هذا المجرى. الكتابة عن شخصيات موبوءة وغير سوية ..
هل خدعنا محمد النمسماني ؟. قد تكون أحداث سيرته حقيقية وقريبة من الواقع ولكنها لا تعبر بحال عن سيرة حياة.وليكن واضحا أني لا أحجر على الكاتب أن يذهب هذا المذهب في كتابته.. وإنما في قراءتي الحرة أعني أنه قدم لنا صورة غير صحيحة عن الشخص الذي كتبت عنه السيرة.. لقد قدم صورة كاريكاتورية انتفخت فيها بعض الأطراف والزوائد التي كان يحسن أن تبتر ؛ وعلى العكس من ذلك بتر ما كنا نرغب أن نراه من تلك الشخصية ..لكن هذا لا ينتقص أبدا من قيمة الأثر الأدبي الخالد الذي خطه محمد شكري بشرط أن يكون القارئ فاتحا لكل حواسه وعقله حتى لا يقع في الفخ!..
ساحة النقاش