يصعب الحديث عن الترجمة  وعن حركتها في البلاد العربية  في هذا  الأوان الأخير ؛أمام ما يحدث  من اضطرابات وفوضى  غمرت  كل نشاط  وقتلت كل حياة.. وحسبنا الحديث عن الماضي  حتى  تنقشع  هذه الغيوم  عن الحاضر وإن كنا سنذكر انطباعنا في آخر هذه الكلمة  عن الترجمة الأدبية  الغالبة اليوم..فلقد  انبعثت الترجمة الأدبية مع  انبعاث النهضة ؛ ورأينا المنفلوطي  كيف كان يدفع لمترجمي المعاني  عن الاداب الأخرى ؛ ثم يقوم هو  بإعادة صياغة  تلك الترجمات  وسبكها إلى العربية الأدبية  فإذا تلك النصوص الركيكة   المشوشة الباردة الفاقدة للروح  تتحول إلى  درر أدبية  تسبي عقل القارئ وتصبي خياله وتلهب عاطفته  وتجعله يقف  على كنوز من المعاني الرفيعة  وعلى صور مجنحة طائرة  وعلى  أحاسيس ومشاعر  إنسانية رقيقة راقية  مندفعة  في تثاوب مياه  المجاري  الرقراقة في أوائل الربيع وقد عملت أشعة الشمس أزاميلها وألسنتها في صفحات الثلوج  في الهضبات والجبال فإذا هي تذوب  وتنساب خيوطا حريرية  نحو مجاريها في غزل   مغر فاضح مع بسمات  إشراقات  شبيبة الشمس الدافئة  الزاهية  المتلالئة.. بهذه الروح  الأدبية السامقة نقرأ آثار المنفلوطي المترجمة : في سبيل التاج؛  بول وفرجيني ؛  الشاعر ؛ مجدولين ؛  العبرات ...
نعم ؛  خان  المنفلوطي النصوص الأصلية  وبدا عمله أقرب إلى الاقتباس .. ونحن اليوم لسنا في موقف  محكمة    فنزكي  الأديب المنفلوطي أو  ندين  مسعاه..إنما نسجل أن ترجمة  الأدب  الأجنبي  بدات بهذه الطريقة ؛ وكانها سارت على  طرائق  قدامى المترجمين  الذين نقلوا إلينا  كليلة ودمنة والف ليلة وليلة.... لكن الترجمة الأدبية سرعان ما شدت ونضجت  وها نحن نلتقي مع سامي الدروبي  مثلا  في القرن العشرين  فينقل  إلينا  عشرات من الروايات  العالمية  وكان ينقل خاصة من اللغة الفرنسية ؛ ولأنه متمكن في لغته العربية ؛ ولأنه كان يتوخى الأمانة في الترجمة إلى أبعد حد  ممكن تلقى القارئ العربي ترجماته بكثير من الحفاوة والإكبار ؛ وأمسى يقرأ تلك  النصوص المترجمة  وهو لا يشك في انه يقرأ  أدبا أجنبيا حقا ولكن باللغة العربية  الجزلة الراقية .. وسار كثير من  مترجمي القرن العشرين على منوال الدروبي  في  توخي  الدقة في الترجمة  وفي توخي  صحة  اللغة  الناقلة  ودقتها وجمالها وخصائصها التعبيرية ؛ وعندما كان تلامذتنا في الجزائر  في برامجهم التعليمية الرسمية  يقرأون نصوص  محمد ديب  ربما لم ينتبهوا إلى أن هذه النصوص  مترجمة وأنها كتبت  باللغة الفرنسية .. ومع ذلك  هناك من نهض  لإعادة  ترجمة تلك النصوص  إلى العربية بدعوى ان سامي الدروبي لا يعرف البيئة الجزائرية  ولذلك كانت ترجمته غير امينة بالقدر الكافي  ولم أقرأ الترجمات  الجديدة لأحكم على مدى  ما أضاف  المترجم الجزائري  لترجمات  الدروبي..
إن الظاهرة العامة اللافتة للانتباه  اليوم  هي أن  الأقلام  الراقنة بالعربية  قد كلت  وانتابها  كثير من النقص  وعدم التحكم  في اللغة ؛ لا أتحدث عن الأساليب  بل  حتى  التراكيب  البسيطة ..لقد امسينا  في شوق لقراءة نصوص تخلو  من  الأخطاء اللغوية  البسيطة..  وهذه الحالة المزرية الفادحة  في الكتابة  بالعربية انتقلت إلى  النصوص المترجمة .. وهذا هو الداء.. لقد دارت  الحياة دورتها  ونحن اليوم نسير بخطى وئيدة نحو الانحطاط اللغوي  والركاكة اللغوية ..ولم تكن الدعوة إلى التعليم بالدارجة  متأتية من فراغ..
إن الأدب فن لغوي  ؛ والترجمة  الأدبية  علم وفن ؛  وهي  نقل  لهذا الفن اللغوي  من لغة لأخرى ؛ وأداة الترجمة هو  إتقان  اللغتين  الناقل إليها والمنقول منها ؛  مع الإدراك الدقيق  لأسرار تينك اللغتين ؛ وفهم  عميق للحضارتين اللتين تعبر عنهما اللغتان .. أما  النقل من غير  امتلاك الموهبة ؛ ومن غير تمكن  و امتلاك للأدوات  اللغوية الضرورية  فيمكن ان يكون  الأمر شبيها  بهذه الترجمة  الآلية  التي  قد   تقدم لنا  فكرة تقريبية  عن النص المترجم إن كان  نصا علميا ؛ أما النص الأدبي  فدون ترجمته  خرق القتاد..
إن الكثير من  ترجمات اليوم أقرب ما تكون للترجمات  الأولية الركيكة  التي  كان يجري عليها المنفلوطي قلمه في بداية النهضة؛ إي أنها تحتاج إلى منفلوطي آخر  يعطيها ديباجة وألقا  وميسما .. إن الترجمة   الأدبية علم وفن وذوق وليست نقلا  لكلمة أمام كلمة من معجم لغوي..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 59 مشاهدة
نشرت فى 10 سبتمبر 2015 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,945