وجدت هذا النص بين اوراقي  فآثرت نشره كما هو



حنظل ودفلى  كلمات شعري 
تتدفق  من لسان  هذا القلم  المقصب كالخواء 
أنظرُ إلى أشكالها  مقصوفة  بالقنابل الجحيمية 
بكل انواع القنابل  الفتاكة  المتفجرة  في الأوان 
والموقوتة  والعنقودية  والمعوية  والحنظلية 
بطعم الرماد  البركاني  وطعم  دموع المآتم..
بطعم  حمض الدم  الخاثر المتحجر  المتفحم  في " ملجإ العامرية"
بالفجيعة كانت الإذاعات  تقصف  أفكاري  صبيحة المعركة 
بالملح  كانت الشاشات  ترش  أحداق  المشاهد المحايد 
مثل قطعة  مهملة  من خشب مثقوب 
طمأنتني بغداد من إذاعة  محلية 
وبالصوت والصورة  في البداية 
"بغداد واقفة  كالطود" ؛ " أم المعارك ابتدأت"!..
" فالله أكبر.  وشارة النصر  لاحت في الأفق"!..
مسحت عبرتي الشاردة ؛

رسمت في ذهني المفكك 
شارة النصر الباردة  
حملت معي  لافتتة  ونزلت إلى الشارع القريب 
ومضيت أجري؛ مثل ورقة  تطوّح بها الرياح ؛ في خضم المسيرة النادبة ..
وكالعادة  ـ كنت  أعوي في غياب العالم  ضمن جوقة النصر  ـ بشعار مجوف  أعوي  بالنصر المفترض الموعود..
كنت ألغيت عقلي ؛ عطلت منابع التفكير  في خلايا دماغي 
رفضت ان أعترف للفيل  بأنه قادر على  تحطيم  نملة  كانت في متناول  خراطيمه السبعة و السبعين ..
وآمنت بالأساطير الجديدة  التي كنت  رفضتها منذ   خمس عشرة قرنا ؛ وتوكلت  ونسيت ان  أعقل ناقتي  الجامحة ..
صدقتُ ساحرا من كينيا  أميا يقرأ  الأخبار 
عبر  بعرات أبقاره ؛ وعبر فروج  ألف جارية  من  ملك يمينه 
صدقت شعرة  تساقطت على سورة البقرة 
عند عجوز  في صحراء جزائر الثورة الآفلة 
راهنت ـ قمارا  ورجما بالغيب ـ  على نصر عريض !
هل الجنون  أن أقرأ  الأخبار بالمقلوب 
فأبيد الأعداء  بالشعر والكلمات ؛

وأركن إلى وهم المعجزات ؟
ويعجز فؤادي عن تلقي الكلمات الصاحيات 
كانت طلقات تنبعث  من كل الجهات 
وكنت أرى دمي ينزف شلالا  مريجا ببقع النفط
 حتى تخثر  في أجواء الكويت  غيوما كثيفة  أتذرع بها من طائرات العدى 
وحتى تقاطر امطارا  على أكواخ الشيعة في قرى  إيران البعيدة 
بغداد هل ألومك الان؟.. إذ وعدتني بالنصر وأخلفت ؟
بغداد ياعرجونا من رطب؟ ويا باقة أقحوان  في زمن  النفط الرخيص  بالخليج الهجين 
ويا عبيرا  يفرح  من أنوار الملائك  في جنة الخلد 
ويا قنينة وكاسا دهاقا !..
ويا حورية  بكرا عروبا  تتلقى بالقبل القديسة روح كل شهيد 
ويا بسمة طفل  ونور الله في الوجود 
ويا طهارة  في زمن العهر  في البلاط العالمي لليهود 
ويا فكرة  جديدة ترفض السائد  المنحط 
من طقوس  العبادة  وفروض الصلوات  التي 
تتلى صباح مساء  أمام تمثال  الإلة الجديد  الوحيد أمريكا!..
أمام وحيد القرن إذ فاض شحمه المترهل 
لا ؛ لن ألومك 
وحتى هؤلاء الذين  يثابرون  في أداء صلواتهم  في أوقاتها لدى عتبات بيَع بوش 
حتى هؤلاء  الذين يضبطون ساعاتهم  على توقيت البيت الأبيض 
وينسون التوقيت العالمي الموحد 
 ويعلون الحرب بتوقيت  واشنطن 
وقد انتقض وضوؤهم ذات لحظة  من التاريخ  
وسوف يكتشفون  متأخرين  جدا

أن صلواتهم  كانت باطلة 
 ويكتشفون أنك يابغداد  وحدك 
كنت البطلة  المنزوفة الدماء والمهج..

وكان النصر إلى جانبك  كنصر الله في أحد 
أنت اليوم يا بغداد  مهزومة منتصرة 
 مهزومة منتصرة..

 

&&&

 

بغداد لا ألومك إن تنهزمي  بطعم  الفوز الحنظلي 
وإن تعلني  انسحابك والانكفاء على رصيف الليل 
فمآقيك المثقلة بالعبرات  العاثرة 
شاءت أم أبت تغرق  في طوفان الدموع  المهاجرة ..
والتوتر العالي  المهيأ  أصلا  لتشغيل  آلة الحرب  في حلف وارسو .. الذي تبخر مثل شفق المساء أمام جحافل الظلام ..
تحول  فجأة قالوا ؛ إلى جهاز  غير معدّ  لهذا الضغط  المسلط  كالجحيم على أرض العراق
****
عن أي نصر  تتحدث هذه الفيلة النزقة 
التي تنزو على  أماتها  في غير موسم الضراب ؟
فحتى يكون نصر .. لا بد أن يكون تكافؤ في القامات  والأوزان 
كيف تتواطؤ  آلاف  الأفيال وآلاف العناكب
 في موسم العقر  والجدب وغياب الفحول 
في موسم  انتشار أوبئة  السيدا والاعتداء  الأرعن 
على تصويب خراطيمها وخيوطها الواهيات  الواهنات
الملوثة بالنفط  المسروق ؛ ورائحة روث عجل  بني إسرائيل 
نحو عش ذهبي  جميل في بغداد ؟
 اختفى من عالمنا  الكبارُ الموعودون ؛ وتقزموا 
كما اختفت  منذ آلاف السنين  قارات 

آه لأقيانوس السفيات ..
أولئك الذين باعوا مخالب  نسورهم  في  مقر الأمم الأمريكية 
البائعون  لحقّ النقض اللعين ؛  ولأصواتهم الغارقة  في المجاعة والانقسام  والتفكك   والإفلاس 
بألف دولار  ضخم للجيب  الشخصي ؛ وألف  نحيلة لشعوب بلدانهم  الحبلى بالبطالة  والتشرد  وامتهان البغاء
سوف يندمون ولات حين  بكاء 
في بكين ؛  في موسكو ؛  وحتى بباريس  العجوز  المصرة  على ارتياد علب الليل والحانات  في سن اليأس والقنوط..
سوف يكتشفون  أنهم  مجرد باعة صغار  

في الهامش من منطقة  الدولار 
سوف يكتشفون  أن بلدانهم العملاقة  أمس

أمست في وزن النمال  التعس
مرهونة بالدولار البخس  وبرميل نفط  مغدور  في الخليج المغموس بالرجس 
سوف يكتشفون أن بغداد  المأساة 
كانت آخر القلاع  

آخر القلاع 

للدفاع  عن تعدد الأقطاب 
كانت آخر  القلاع 
سيكتشفون أنهم لم يخونوا بغداد

 بل خانوا  بقية السلعة  المغشوشة

 قدمت لشعوب العالم الثالث

 من الرحيق المختوم للأيديولوجيا الرخيصة ..
ومن مساحق العظمة الكاسدة لأنظمة نخرة

وراء مخازن  فارغة تصفر في رفوفها الرياح  
تصطف على بواباتها كل فجر 
سلاسل من  النمل البشري  في انتظار الانتظار 
في انتظار رطل من البطاطا  المتقيحة ؛

وقبضة من أرز مسوس منخور   ؛

وحبة باذنجان مشرومة  في مهانة وانكسار القلوب  
ورطل  شحم  مكلس نتن

  تبرعت به  السوق المشتركة  في أوروبا 
عربون  عرفان  على السقوط  الحر ؛  

والاستسلام بالمجان..
بالمجان..

آه يا بغداد !.. لم تسقطي انت في هذا العالم  الشائك وقد تعرش  قانون الغاب في الرمال .. بل سقط  الإنسان ..

سقط الضمير


 جيجل. مارس 1991حرب أمريكا  الاولى على  العراق

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 56 مشاهدة
نشرت فى 24 أغسطس 2015 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,946