جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الكتابة فن ؛ وللفن أدواته ؛ وأداة الكتابة هي اللغة الناضجة التي تم الاستيلاء عليها والتحكم في خصائصها التعبيرية وفي مختلف تلويناتها الجمالية .. ولا يحتاج الأديب المتمكن من ان يستعين بعناصر خارجية عن اللغة التي يعبر بها كي يبلغ فكرته او صورته او رسالته..
إن أعظم عنصر جمالي يتحكم في العمل الفني هو الانسجام والتناسق.. وإن أدخال عناصر غريبة عن العمل الفني هو تشويه له وتحطيم لبنيته الجمالية وإساءة للانسياب الذي على العمل ان يجري فيه..
إن إقحام الدارجة او السوقية او العامية أو عبارات من اللغات الأجنبية في نص مكتوب باللغة الفصحى هو توقيف للانسياب وكسر لنفـَس القارئ و تشويه للنص وتحطيم للذوق وتشويش على الحس اللغوي السليم.. وإن ألأسباب السخيفة التي يأتي بها أصحابها لتبرير ذلك الفعل الشنيع الذي يأتون به حين يخلطون التراب بالتبر زاعمين ملامسة الواقع والاقتراب من الشخصية كما هي في بيئتها هي اسباب واهية مردودة فنيا .. إن فهم البنية العميقة للشخصية في العمل الروائي وفهم بطانتها النفسية والاجتماعية هو ما يسمح بإجراء حوار على لسانها بلغة النص ويكون مقنعا لا الكلمات الفجة الملتقطة من الشارع او الماخور او من الغاب..
نعم لا بد ان أعترف بأننا في البلدان العربية ومن ضمنها الجزائر يعاني الكاتب من التباعد بين اللغة التي يكتب بها وبين المحيط الحي الذي تجري فيه الحياة بلغات أخرى تكاد تكون مستقلة عن لغة الكتابة ولكن هذا لا يعني شيئا سوى تضاعف المسؤولية لدى الكاتب المبدع في إيجاد المعادل الموضوعي للتعبير عن حالة واقعية بأقوى لغة وأصدقها دون ان يشعر القارئ بأي انفصام او افتعال.. وعلى ذكر الافتعال ؛ قرأت لكاتبتنا مستغانمي في صلب نصوصها الروائية الشعرية بعض الحوارات بالعامية بقصد الإيهام بواقعية الشخصية فإذا الافتعال سائد وإذا الاشمئزاز من ذلك الإقحام المتعسف غالب.. لا أنفي جملة وتفصيلا أن يلجأ الكاتنب المبدع في حالات نادرة وقليلة جدا أن يسرب كلمة أو عبارة في خلل النص ومسامه في حال من الانسجام ؛ وهذا عند الضرورة القصوى التي توجب نقل ذلك اللفظ بعينه او تسريب تلك العبارة بلهجتها وزخمها .. على أن ذلك سيكون من النزر اليسير بحيث يغدو درا مكنونا او يتيمة دهر.. ولي شخصيا من الروايات تسع ؛ كلها تنهض على هذه الرؤية الصارمة في الاستعمال اللغوي.. إذ لا أركن أبدا إلى الدارجات وإنما اقوم بتفصيح الألفاظ الدارجة وأدمجها في المعمار اللغوي العربي العام .. بل وقد فصحت حتى بعض الألفاظ الشاوية وأجريتها كما لو كانت من متن اللغة العربية الجاري..
إن من لا يحب اللغة التي يريد ان يبدع بها عليه أن يطلقها ويذهب إلى أعمال أخرى عساه يفلح فيها .. وقد راينا عمالقة كتبوا باللغة العربية أولا ثم استنكفوا عنها بدعاوى مختلفة وراحوا يكتبون بلهجاتهم وعاميتهم فانطفأ وهجهم وذهب صيتهم ولم يبق مما يذكّر باسمهم سوى ماكتبوه بالفصحى..
ساحة النقاش