جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
كتبت في صفحتي بالفيسيوك منذ يومين أقول: يكون التناص مشروعا ؛ بل وأمرا لا محيد عنه ؛ ويكتشف النقاد و المشتغلون بالنص الإبداعي شبكات التناص وتداخلاتها وانزياحاتها وأقنعتها ببذل جهود فكرية مضنية وبأدوات معرفية متينة لا تقبل المساومة حين تنعكس ظلال نصوص مبدعين سابقين في نص أدبي لمبدع لاحق؛ وقد ترسبت مقروءاته للآخرين فيما خط قلمه من غير وعي او نية في الأخذ بوعي من ذلك المقروء من نصوص الآخرين..
أما أن يضع الكاتب نصا لغيره أمامه ويبني نصه هو وفق مفاصل نص سابق ووفق منواله ؛ وقد يضيف إليه بعض التوابل بقصد التضليل والتعمية وتضبيب النص الأصلي ؛ فذلك ما يعد في أحسن الأحوال وتأدبا اقتباسا ؛ وينعت في أسوإ الأحوال نعتا صريحا فصيحا بأنه سرقة ويعد وانتحالا.. وهو عمل لا يبعد كثيرا عن النقل المباشر .. لذا ؛ نطرح سؤالا مؤرقا : هل يحتاج الأديب المبدع الأصيل الواثق من إمكاناته وأدواته أن يضع نفسه في مثل هذه المقامات التي قد تلوث جرثومة إبداعه وأصالة قلمه وتسيء إلى مكانته التي يحتلها بفضل أعمال سابقة معترف بها؟..
كتبت هذا الانطباع على ضوء ما نشر أخيرا في وسائط عدة من ان الكاتب الكبير واسيني الاعرج ند عنه ما يشبه احتجاجا ضد صديق له يكتب باللغة الفرنسية وقد بدا أن هذا الصديق سطا على بعض مكونات روايته التي ستصدر نهاية هذا العام بعنوان "2084 . العربي الأخير"
المدهش ان الاعرج في تململه مما يمكن ان يعتبر سطوا على بعض ما كتب في روايته ؛ يقر أنه من خلال مبدإ التناص قد بنى روايته وفق الشبكة التي انشأها الروائي جورج أورويل في روايته المصنفة ضمن أدب الخيال السياسي .. ويبدو أن أورويل قد ألهم عديدا من الكتاب وأغراهم ليغترفوا من النهر المتفرد الذي شقه بهذه الرواية..
ولا أرى تناصا في هذا الإقبال الواعي للاغتراف من نص سابق ..وفق التعريف الذي حددته أعلاه للتناص.. وأرى أن اللجوء لهذا النوع من الاحتذاء ناجم عن اقتقار للخيال .. ولقد قرأت لواسيني الاعرج روايته " أصابع لوليتا" التي نسجها على منوال رواية " لوليتا " للكاتب الروسي فيلادمير نابوكوف ؛ ومع الاعتراف بالإبداعية لدى لعرج في نصه فإنه لا يستطيع اللحاق بالنص الأصلي لنابوكوف الذي كان يتناول فكرة مركزية مسيطرة تمت ملاحقتها ببناء عضوي؛ فجاء النص كما لو نحت نحتا .. بخلاف نص الاعرج الذي كان يتقافز فيه من حقل لحقل .. دون أن تكون هناك فكرة محورية مؤرقة تؤطر النص.. وكانت كثير من نظرات نابوكوف تطل علينا من خلال نسييج النص غير المحكم في أصابع لوليتا..
ومن هنا خطر التناص .. إن المقدم على مزاحمة نص سابق ؛ عليه أن يفعل ليتفوق ؛ لا ليكرر او ليكون أقل.. ومسؤولية الأديب الذي تكرس اسمه في سماء المبدعين أثقل.. ليحافظ على ثقله وعلى صدق موهبته..
إن التناص الذي أراه خلاقا وإبداعيا هو أن تشق لنفسك نهرا دافقا فائضا يبدو للرائين نهرا متفردا ولا بأس بعد ذلك أن يرى فيه النقاد بعض الشبه في صفاء مائه او في قوة اندفاعه او في طعمه أو في طوله او في عمقه.... مثل نهر دجلة او الفرات او النيل او نهر الأمازون اونهر الميسيسيبي أو النهر الأصفر أو الكونغو أو الفولغا او الدانوب .... أما ان نتعرف بتفصيل واف على أحد الأنهار المعروفة ونحن نلاحق صفاحات نص من النصوص فذلك مما يربك الناقد وييجعله يشير إلى عمليات الاستيلاء والسطو بدل الإبداع وشق الأنهار الجديدة..
ساحة النقاش