جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
لماذا أكتب عن حياتي الشخصية؟
كتابة سيرة حياة شخص تعني أنه شخص هام له دور عام في حياة الناس وينتظر جمهور ما في مكان ما التعرف على هذا الشخص ؛ فهل شخصي أنا أبو العباس برحايل من الأهمية بحيث أكتب هذه السيرة؟ .. لقد كتبت جملة من الأعمال الأدبية ؛ في جنس الرواية ، من مثل الثلاثية : شعبة الزيتون ؛ السيف والرصاص ؛ سنابل وقنابل ؛ ومثل الثنائية : الحبة السوداء؛ ومثل القاضية والعفر؛ وحتى الطاعون في طيبة .. فضلا عن مجموعة شعرية بعنوان: شظايا الأيام وفواصل الأحلام..
إن بعض هذه الأعمال تبدو كما لو كانت تغترف من حياتي الشخصية كما عبر لي عن ذلك بعض القراء
وحتى أضع المهتمين من قارئي نصوصي الإبداعية أو دارسي أدبي في الصورة والسياق ..
وحتى أبين الحدود ما بين حياتي الشخصية وبين كتاباتي الإبداعية كان لا بد أن تولد هذه السيرة..
فضلا عن أن السيرة ذاتها تعتبر في نهاية المطاف ؛ نصا أدبيا بامتياز..
وليس يخفى أني لا أكتب اعترافات ؛ فقد حاول غيري قبلي ولم يفلح ؛ إذ لكل فرد منا جزر مغلقة خاصة جدا في أعماقه لا يستطيع هو ذاته أن يبحر إليها ناهيك عن أن يتقحمها أو يفتحها .. فهو لا يسشتطيع أن يتعرى تحت الشمس الساطعة الحارقة أمام الجمهور حتى ولو صمم ؛ كما حاول أن يفعل جان جاك روسو ؛ وقد أكد الدارسون لاعترافات روسو اليوم أن الرجل لم يفلح أبدا في إبراز شخصيته كما هي ؛ بل ربما حاول من حيث لا يدري أن يصبغ لونا من البطولة على هذه الشخصية وأن ينسب إليها فضائل وأفضالا على من عايشهم .. وإن الإخفاقات التي رسمها عن نفسه كانت لداعي الإشفاق والتعاطف ؛ ولم تكن أبدا لدواعي الكشف والبوح..
في أدبنا العربي ما قرأنا من سيرة أدبية شهيرة كانت " الأيام" لطه حسين ولم تكن سوى حديث عن الكفاح ومواجهة العقبات في طلب العلم والرقي الاجتماعي لشاب كفيف ولكننا لا نصادف شقاوته وإخفاقاته وسقطاته خارج نطاق هذا الكفاح المقدس من أجل الوصول إلى المكانة الاجتماعية .. كانت سيرة مواجهة وإزالة عقبات للوصول .. ولم تكن حياة في غناها وتلويناتها بما تحمله من حب وحقد وغبطة وحسد ..
كان بتر الحياة فيها قويا ؛لا نعرف فيها طه حسين متعجرفا ظالما حاسدا مكبوتا ..
أما أنا فلن أتحدث عن الكفاح من أجل الوصول أو الرقي لذاته ؛ بل حسبي أن أضيئ للقارئ أعمالي الإبداعية ؛ وهذا الاختلاف في الغرض من كتابة هذه السيرة الشخصية ؛ على أني إن أسهب في إضاءة بعض الجوانب فسيكون ذلك بغرض معرفي إضافي هو التأريخ المصغر ، أعني بذلك الحديث عن حياة الأفراد العاديين ضمن الأحداث الكبرى .. وهو ما يسمح للقارئ بتكوين صور عن الحياة في كل مجالاتها كما عايشها فرد وكما شاهدها أو قرأ عنها أحد الأفراد العاديين منذ منتصف القرن العشرين حتى الآن .. وهو تاريخ محكوم بتفاعل هذا الفرد سلبا أو إيجابا مع تلك الأحداث .. وهي صور لا يمكن أن يجدها القارئ في التاريخ العام الذي يكتب عن الأحداث وعن الشخصيات العامة وهو تاريخ يدون بتجريد كبير..
ساحة النقاش