01 ـ هنشير القصبات

 في حي  الهنشير  من دوار القصبات  الذي  يقع على بعد  عشر كيلو مترات  من نقاوس غربا  ولدت ذات ضحى ؛ وفق ماقالت لي زوجة عمي ؛ وليس  الحال  كما هو مدون  في الحالة المدنية  في العهد الاستعماري  التي  تجعل جل  الأطفال الجزائريين  يولدون ليلا  على الساعة الثانية قبل الفجر .. ولدت يوم 13 أكتوبر 1947 وهو تاريخ بالتاكيد  غير دقيق  ولا بد أن يكون  تدوين  ميلادي في الحالة المدنية  قد تم بعد أيام على الاقل  من مولدي ؛ والدليل  أن إحدى  أترابي  التي هي ابنة عمتي  ولدت  قبلي  بأحد عشر يوما  ولكنها سجلت في ذلك اليوم  معي .. ولدت في غياب والدي  الذي ترك  أمي بحملها  وراح يغترب  في فرنسا . ولذلك  لم يستقبلني أحد بفرح او انتظار  مشوق ؛ وحتى أمي  التي كانت في حال  غضب  من والدي  او ساخطة على خظها العاثر  في الحياة  لم تكن ترغب في مجيئي ؛ فتلقتني قابلة عجوز  اسمها أم السعد ؛ وبدل  أن تسلمني لأمي  لإرضاعي ؛ سلمتني  لحضن زوجة جدي  التي كانت أولى  من أرضعتني  مع صبيتها عمتي عائشة  التي فاتتني  بأزيد من عام  من العمر ..

Ma mère a feint de l'aversion pour moi et a refusé de m'allaiter afin de faire pression sur la famille de son mari pour qu'elle lui fournisse le nécessaire pour l'accouchement et les soins !!..

روبما لأسباب أكثر خفاء.. ولدت  في غرفة تسمى  الحانوت ؛  وقد  بنيت  متخذة هيئة شبه  المنحرف من سقفها  المسطح المائل؛  وكان لها بابان  أحدهما يفضي إلى الحوش ـ الصحن ـ  وثانيهما إلى الخارج. وسميت الحانوت  لنها كانت كذلك.ز وقد بناه عمي  حمو في أعقاب إفلاسؤ حانوته في نقاوس ؛ وحين  لم ينجح في هذا الريف  القليل سكانه  في تجارته ح غلقه  وانصرف نازحا على المهجر ؛ فاتخذ الحانوت اول المر  مضيفا عاما ؛  ثم اتخذه والدي ماوى  لهما  بعد استقلالهما  وانفصالهما  عن البيت الكبير  البذي هو بيت جدي ؛ وهذا الحانوت  سيتخذه  كل أعمامي  المتزوجين  لاحقا  ليكون ممرا  بالتتابع  بعد الانفصال  عن البيت الكبير..  

كان  البيت الكبير لجدي  عبارة عن غرفتين   كبيرتين  إحداهما فيها مدخنة

 وتوقد فيها النار ؛

وحيث إن المدخنة  لم تبن على أسس  هندسية  صحيحة فقد كان الدخان ينتشر  في جوها  ويلاصق السخام  الجدران  والسقف  وجملة ألواح السقف  وقنطاسه  وفرشه.

وكان  بجوار المدخنة  حيث الغارب  سدة  رتبت عليها  الأوعية والماعون  بما فيما كانت الجهة العريضة  من الغرفة مخصصة  لعتاد النسج والتي غالبا ماتكون  مشغلة  على مدار العام  في نسج برنوس أو حائك من صوف او جراب  او غرارة من شعر  اوحصير من نبات الحلفاء ..

فيما الجهة المقابلة  للمنسج  مخصصة  لفراش نوم جدي  وزوجه وأولاده الصغار  والأحفاد ..

كان مكان الجد في فراشه أن يوالي الباب  وبجانبه زوجته  وقد اعطاها بظهره  ثم بقية الآولا  وكنت  فيما بعد  من حين لآخر أنام بدوري  هناك في الفراش نفسه  الذي  عادة ما يكونحصيرا  من حلفاء وسط زوجة جدي  التي أدعوها جدتي  وعمي  محمد الذي كان أصغر مني  وعمتي عائشة  التي  رضعت معها ثدي امها.. وكانت  ثاني الحجرتين  تسمى غرفة  الكونتوار  ـ المحسبـ ـ  ذلك أن محسب  عمي حمو  وقد انهى نشاطه التجاري  لم يعد له  من مهمة  في غرفة الحانوت  الضيقة  فنقل  ليخرن  في هذه  الحجرة الواسعة  إلى أجل غير مسمى .. وكانت هذه الغرفة ينام فيها أعمامي  الكبار  أحمد وموسى والهاشمي ؛ فلما تزوج  عمي سالم  استقل  بها مؤقتا.. أما جدي عمرو ؛ فقد انجبت  له زوجته الأولى  ولدين هما  عمي حمو ووالدي عمار المدعو مسعود ؛ فلما  توفيت  في شبابها  تزوج بابنة عمها  ثلجة بوروبة  وابجبت له  عمتي بطة  وعمي سالم

فلما قضت  في شبابها كذلك؛

تزوج بفاطمة بنت سحنون زوجته الخيرة  فانجبت له  أحمد وموسى والهاشمي وعائشة  فمحمد الذي  مات في طفولته..

                      أقام جدي سكناه هذه على لسان ربوة  مفرطحة  تسمى الهنشير  وليس بجواره  القريب غير اطلال  دارسة  لبيوت أقوام  كانوا هنا ومضوا؛

وبيت  آل حذدو  الين هم من بني عمومة او خؤولة  بعيدة نسبيا.. ويحملون لقب ابن سديرة الذي هو لقب الصلي  لوالد جدي ؛ إذ يروى ان أحمد والد جدي غير لقبه إلى برحايل  الفارس والمؤذن المشهور  بسبب انه باع أرضا خصبة تقع برأس العيون  من غير مشاورة  لبني  عمومتهح متخليا  عن لقب ابن سديرة  والحال 

انه لم يبع  ولم يشتر ؛ وإنما السلطة الاستعمارية  صادرت الأرض من أجل المعمرين الأوربين   وقدمت للملاك  بعض المبالغ الرمزية التي لا تغني ولا تسمن ولا تساوي بالمرة قيمة الأرض؛  فاستقل بلقبه الجديد  ؛ برحايل ؛ الذي هو الجد  الأعلى والأبرز  في سلسلة النسب في الفترة الأولى   التي بدأ تسجيل  الحالة المدنية. لكن وأنا اطلع على دراسة جديدة للأنساب  تبين أن برحايل  ألحق إلحاقا بقبيلة اولاد علي بن صابور ؛ اما اصله فهو من اولاد رحاب قبيلة   أولاد سلطان.                                      وهناك أسفل الربوة  شرقا  على نحو  خمسمئة  مثر  وفي الضفة  المقابلة  من مجرى  واد صغير  جاف  تنهض بيوت  في تجمع كبير  من اولاد العيساوي  الذين يحملون  لقب ابن سديرة  بالإلصاق أو التبني فيما يبدو ؛ اي أنهم  كما يقال ؛ ليسوا من بني سديرة  أصالة ..

وما اكثر  من يحمل لقبا  لا ينتمي إليه إلا أدعاء ؛ واولئك هم الأدعياء في النسب وهو ما تلافاه جدي الأكبر   ,,

ويمتد الفراغ جنوبا  نحو كيلو متر لتقوم  على فيض "أولغموش" عزبة  اولاد دباب  الذين  في الشتاء يشتون في عزبتهم ويرحلون صيفا  إلى مستقرهم  الأصلي في الفج الكبير  الواقع شمالا  والمسمى غنية  الواقعة وراء  جبل اولاد علي  والذي تبعد عنا قمته "قطيان"  الشهيرة  بحو عشرة كيلو مترات  وكنت في صباي المبكر  أتخيل ان فرنسا  تقع هناك  بقرب غنية  ولكن امي أعلمتني  فيما بعد        

     ان فرنسا بعيدة جدا ؛ وأنها  تقع وراء البحر  والبحر يقع  وراء سبعة جبال اخرى  بعد فج غنية..

 إن الأحداث  الأولى من حياتي  لا أدركها طبعا  ؛ وإنما رويت لي  بعض شذراتها . كانت زوجة عمي  كثيرا ما تردد  مثلا  أني  كنت أقول  لها حين  أزورها  وأريد ان أنصرف إلى بيتنا ؛ أن تعالي  وامسكي عليّ  هبوب الرياح  حتى أنصرف  لبيتنا.. فكانت تقف  بباب  الحوش  وتزعم  لي أنها  ممسكة  بالرياح  فأمضي  في سلام!..


كما روت لي امي  أني ذات يوم  خرجت  على غفلة  منها وضربت  في الأرض البراح  حتى بلغت  شعبة السيف..

وهي شعبة  تقع غرب  الحي وسميت  شعبة السيف  تشبيها  بشكلها  الذي  رسمته  التضاريس ؛ فهي شعبة  تبدأ حادة  ثم تأخذ في الاتساع  على شكل سيف  في امتدادها  من الشمال نحو الجنوب  في أخدود  عميق ؛ فمن يراها لأول وهله  يراها سيفا مغروزا  في الأرض ..

وشعبة السيف  ستكون مرتع  طفولتي ؛ ففيها  العيون / الحواسي  التي منها نستقي الماء  ونروي البهائم  وعلى حاشية  أحد حواسيها  شق والدي  أحواضا صغيرة  وزرع فيها  بعض  الأنواع من الخضار كالفول  شتاءا  والطماطم صيفا . وقد  ساهمت مع أبي في إقامة سور بدائي حول  الأحواض كي  لا تنفش فيها  الحيوانات والأغنام  بجلب الحجارة .. كما ان  من الشعبة نحتطب ؛ وفيها نرعى  بهائمنا وأنعامنا .. وهي ملعبنا نحن الصبية  ومرتعنا ؛ وفي الثورة  كانت ملاذنا  كلما خرج العسكر  في تمشيطه الذي  لا يكاد  ينتهي ..

قالت والدتي  تحدث  عن بعض شقاواتي  في طفولتي الباكرة  التي لا أذكرها  أني في خروجي من البيت وحدي  تهت ؛ وجدوني  في هذه الشعبة المخيفة

فيما  تضج به  من صوى  وقفار ؛ وما تحفل به من ذئاب وطيور جارحة  وزواحف  على بعد خمسمئة متر من البيت..

من أولى  الأحداث  التي أذكرها  بصورة غامضة ؛ عودة والدي من مغتربه .. ووالدي من خلال  الحقائب الموجودة  على السدة مرصوصا بعضها فوق بعض  يكون قد اغترب  أربع مرات .وقد تكون  تلك المرة التي عقلتها  هي الثانية  التي عاد فيها  محملا بحقيبتين  أولاهما  صغرى  مصنوعة  من ألواح حطب ، وثانيتهما  كبيرة  من ورق ولدائن . جاء ضحى  واستقبله النساء  في صحن البيت  فيما راحت  والدتي تختفي  خجلا  في غرفتها .. وسيق والدي  إلى غرفة تعرف  بغرفة المحسب/الكونطوار  حيث هيئ له المجلس  بجوار المحسب  على مقعد مستطيل  من غير مسند ظهر . وجاؤا بي يقودونني إليه  فأجلسني  على ركبته  ثم ما عتب  أن تركني أقف  بين قدميه ورأسي على صدره..

تابع.. ابو العباس برحايل..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 24 مارس 2015 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,945