03
ما  أظن أن ما يسمى  بالمحرمات  الثلاث  أو الطابوهات  مطروح عندنا  في الجزائر بأي صفة كانت .. فقد طرحت  هذه  الإشكالية  في السبعينيات بالمشرق العربي  أما في الجزائر  فلم يعانِ المبدعون الجزائريون  من أي منع  لكتاباتهم  الإبداعية  بسبب وصف لمشاهد إيروسية  أو  أبراز لمواقف سياسية  أو  تبجح بنزعة إلحادية   وتجتمع هذه العناصر الثلاثة في رواية  الطاهر وطار " عرس بغل"  التي  هي موقف  ناقد نقدا مريرا  ساخرا للحكام  في شرعيتهم وفي دكتاتورية حكمهم  ويكفي أن تجري  الأحداث كلها  في ماخور  وما يتبع ذلك من مروق عن قيم الدين  وسخرية من وجهة نظره وتعاليمه في الحياة.. لقد تم نشر النص وتم تداوله  بصفة عادية  ولم يلتفت إليه أحد بالهمز أو اللمز.. وقل الشيء ذاته عن كتابات بوجدرة كلها .. أما اليوم فقد  باتت الرواية العدمية  التي يكتبها عدد من الأقلام  تصف كل الموبقات  وتصف حتى ممارسة الشذوذ في محاريب المساجد إمعانا في الاستخفاف بكل مقدس  والأعمال منشورة  بلا رقيب أو منبه .. وعلى العكس من الحديث عن الثالوث المقدس أرى أن يتم الحديث عن  وضع أدنى  سلم  لقيم  الالتزام الأخلاقي حتى لا يتحول الأدب إلى  نص لا يختلف عن  تلك الإباحية  القبيحة  العدمية التي لا صلة لها بالإيروس الحيوي الضروري  في النص السردي.. باعتبار ذلك جزءا من الحياة.

05 -

الرواية بالنسبة لي رسالة  أقدم فيها  وجهة نظري  في مختلف شؤون الحياة والفكر  وشجون النفس  من خلال أقنعة فنية  مقنعة للقارئ فنيا  وتراها وأنت تقرأ كأنها من لحم ودم ، مع الحرص  على توفير  قدر كاف  من المتعة .. فالكتابة الفنية  رغم أنها رسالة لكنها ليست منشورات  ايديولوجية  أو قواعد سلوكية وعظية  أو إملاءات  دون كيخوطية .. الكتابة  الإبداعية فن يمرر رسالة ما بإتقان..

06

الاستعجال  أو الاستئناء  لا مكان  لهما في الكتابة الإبداعية ؛ فأنا لا أكتب  لأستبق أو أتنبأ ؛ولا أستأنى  حتى تنضج  الأحداث  لأدعي الحكمة.. بل أكتب لأبدع  في أشياء اختمرت في ذهني  وألحت علي كي أحولها لعمل فني  يضيف جديدا للساحة الأدبية  وهمي أن أمتع وأن  أفيد فكريا وثقافيا .. إن قراءاتي  للرواية العالمية  جعلتني اكتشف  أن الكاتب  صار مؤلفا للمعرفة.. فهو يحشد معارف  معينة  تخص موضوعه  ويقوم ببثها  خلال روايته  ويوزعها  بين الفصول  بطريقة مندغمة  عجيبة  لا تثقل على القارئ  بل تجعله يتلقاها بحبور وانتشاء  وإعجاب  وتحولت الرواية إلى منصة  للمعرفة والتثقيف  لكنها منصة  مشبعة  بالمتعة ؛ ومثل هذا الحرص  يجعل  الروائي  الجدير بهذا الاسم  يكتب بمعزل عن التاثيرات  اليومية المباشرة  مهما كانت حدتها ؛ وهذا لا يعني  أن  هذه التاثيرات لا تلقي بظلالها مطلقا على  على ما نكتب  بل قد نتصدى  لها  ولكن بلمسة  خفية وفنية خفيفة  تدمجها في السياق  .ولذلك  ما أبعد المبدع  عن ذلك اللهاث  الكلبي  في الجري  وراء  الأحداث  المستجدة  لكي يقول فقط ها أنذا في قلب الحدث!..

  07

 التقنية ليست من الاهتمامات الأولى للمبدع . نعم قد يبدع  أشكالا يراها أقوى تاثيرا وإمتاعا  ولكن ذلك ليس هو الهاجس  الأول.. والتقنية بالنسبة لي تظل مجرد حامل   لمضمون أكثر وجاهة.. لذلك فإن الروايات التي  غالبا ما يكون بطلها الذي يحاول تأليف رواية مما أراه  من الكتابات المملولة الممجوجة التي  تحاول الإيقاع بالقارءئ ؛ فتدخله في مغارة او في متاهة وبعد جولات  عبثية تعود به  إلى نفس المنطلق.. إن ذلك العبث  ناتج عن فراغ فكري  أساسا وإن الكاتب هنا فيما يبدو لي  يحاول أن يسجل في رصيده  رواية جديدة وكفى.. إن الرواية لها قيم  معترف بها  يأخذ  الكاتب بأطرافها أو ببعض من أطرافها وتبقى الفكرة التي تقود الرواية  والمتعة التي نجنيها من وراء تتبعنا لرسم  معالمها المختلفة هو ما يعطيها قيمتها ومكانتها. والتقنية عندي شان ثانوي..

08

الجوائز ليست من اهتمامي حاليا ؛ فأنا لي سبع روايات أراها جواهر تتلاللأ في سماء الأدب العربي بالجزائر  ؛ ولم أشأ أن أعرضها  لما قد يلحقها من هوان  من  قبل لجان تحكيم قد   تصدر عن أهواء وعن تعليمات  .. قد أكون مفتقدا للشجاعة في هذا الامتناع؛ لكني  أريد لأدبي  أن يبقى حرا  طليقا  يستمد قيمته من  القراء ؛ ولا بأس أن يستمدها أيضا  من النقاد النزهاء الذين   يحسنون  التمييز بين  الدينار  الذهبي الرسمي الأصيلي وبين الدينار  المستورد من طايوان  في الحاويات .. على أني لا أحكم نهائيا على الجوائز  لا إيجابا ولا سلبا ؛ ولربما  من إيجابياتها  أنها  تدفع  الأديب الفائز إلى  البحث عن كتابة أفضل ليحافظ على مكانته التي احتلها  بفضل الجائزة التي نالها.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 41 مشاهدة
نشرت فى 4 مارس 2015 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,943