01 .و 02

في البدء  أود أن أتساءل : لمن يكتب  الأديب  أدبه  شعرا  وقصة  ورواية  ومسرحية  وخاطرة؟.. بديهي  أنه من المفترض  أن يكون ثمة جمهور  يتلقى  هذه الكتابات ؛ فالجمهور  هو ما يشكل  وجاهة الكتابة  وإذا غاب  فإن  جدوى الكتابة يغدو أمرا غائيا  وميتافيزيقيا  إن صح التعبير  ويصعب فهم معنى الكتابة .. وأقدم هنا مثالا  حيا  يمشي على قدميه  يبين حقيقة الكتابة عندنا  في الجزائر ..
لقد أنجزت  رواية  أسميتها  "شعبة الزيتون"   ودام  الحدب على إنجازها  عشر سنوات تامات .. وكان علي أن أنهض  بنشرها  على حسابي الخاص  حتى تطلع  على الناس الذين كتبت من أجلهم .. واتفقت  مع ناشر سنة 2010 ليطبع لي منها  ألف نسخة  مقابل 20 مليونا على أن يقوم بالنشر والتوزيع ايضا  ، لكن الرجل أخل بالاتفاق  فلم يطبع غير خمسمئة  نسخة  وقام بخزنها بدل توزيعها  مادام غرضه الربحي قد استوفاه مسبقا .. وكان علي أن أسعى لتوصيل الكتاب للقارئ  فأخذت عددا من النسخ  وقمت بتوزيعها على ذمتي في  عدد من المكتبات المتاحة  لي ؛ وبعد فترة  راجعت المكتبات  فإذا بعضها  قد غير النشاط  وصارت تبيع أحذية مثلا  وإذا بعضها  مغلق ؛ وإذا بعضها رحل لجهات  مجهولة ؛ ومن وجدته  اعتذر لي  آسفا أن نسخ الكتاب لم تبع  فالناس لا يقرأون هذا النوع من الكتب! وإنما يقتنون  الكتاب شبه المدرسي وكتاب الطبخ  وكتاب الجن والسحر وو..وأعاد لي نسخي ؛ دون أن ينسى  مع ذلك بأن يذكر في السياق بأنه قرأ الرواية ووجدها  جميلة؛ يعني قرأها مجاناّ ؛ وفكك صفحات الكتاب لأن الطباعة عندنا رديئة ؛   فالكتاب تتفكك صفحاته وتنحل بمجرد القراءة الأولى له!..إذن أعاد لي النسخ  كما هي ؛  سوى أن لونها  قد شحب  وحال واغبر  وقد أخذت سوسة العث  تعيث فيها  قرضا وهتكا ؛ ما يعني أنها  لم تعد صالحة للعرض  ناهيك عن الاقتناء والقراءة! 
طبعا قدمت  عددا  من النسخ  هدايا  لمن توسمت فيهم  القدرة على كتابة  كلمة  نقدية  عن الرواية  أتخذها  حجة على نفسي  وسندا لأقنع به قلمي  بوجاهة ما يكتب ؛ وتكون تلك الكلمات حافزا معنويا  للمضي في الكتابة  ما دامت السوق قد أشاحت  بوجهها  عني  ولكن غودو نفسه  أتى وأجرى معي حديثا  بطريقته  في الحديث اللامعقول الشهير ؛ أما كلمات  أصدقائي  فقد تأكدت أنهم يخفونها  ليقرؤوها  على شاهد قبري ذات يوم..
لذلك فإن السؤال الجدي  الجدير بالطرح  هو لماذا  نكتب في هذا البلد  الذي اسمه الجزائر ..ما دام الذي يُكتب لا يقرأ؟.. هذا السؤال المؤرق .. أما الأسئلة  المطروحة  في هذه الورشة  فأراها  من باب البذخ  ما دامت سوق الكتاب  لا تضمن  بيع خمسئة نسخة  من كتاب  في ظرف  خمس سنوات  مع أن السوق  كما يقول الأحصائيون  تتكون  من أربعين مليونا من  المستهلكين   منهم  تسعة ملايين  يختلفون إلى المدارس  والثانويات  والجامعات ومعاهد التكوين المختلفة .. في حين  أن الكتاب في الدول المتطورة يطبع بالملايين من النسخ  وتباع نسخه بالملايين كذلك .. أجل هذه هي المسألة  التي تستحق الحديث  في ساحة  الإبداع والكتابة  عامة في الجزائر..
أما وأن الأسئلة طرحت ؛ فلا بأس  أن  أدلي برأيي المتواضع  كما لو كنت  أعيش في بلد  آخر  ؛ الكتاب فيه نافق  مقروء ؛ والوجاهة الاجتماعية  والرقي العام  يتأتى  من قدرتك   أنت أيها الكاتب النابه  على إنشاء كتاب  روائي  أو نقدي  أو فكري

إن الطبيعة تفرض كما المنطق يفرض أن يكون هناك تزاحم  بين الجيال لا وتنافس  ، وهذا صحي  ما دام يترك في النهاية  دوما  السبيل للجيل الجديد القادم  بعد ان يندغم ويلتحم  القديم  بهذا الجديد  ويغدو جزءا منه .. أما إذا لم يقع هذا الاندغام  فإن جديدا بلا  جذور  هو مجرد  سراب خُلاب ؛ لا ماء  ولا شجر .. أننا نقرأ للمصريين  مثلا  ونأخذ عنهم  كيف يجل  الجيل الجديد  رواده ويضعهم في المكان الأسمى  الذي يستحقون .. نعم قد نجد بعض النشاز  ولكن  الحركة  العامة  هي  الإقرار  للرواد بمكانتهم  باعتبارهم روادا  ويكفي أنهم فتحوا الآفاق.. لذا فإن ساحتنا الأدبية  تقتضي هذا التأسيس.. أعني  الإقرار  الذي  يعمق الجذور ويروي  الفروع  ويجعل المشهد في اتساق .. وهذا يعني  أن محمد العيد  سيظل  رائدا  للشعر الحديث في الجزائر  حتى ولو كان شعره اليوم  لا يستجيب  لأذواقنا  ولا يروق  لنا بعد  أن تطور  الشعر واكتشفنا  حقولا جديدة للقول الشعري  وكهوفا جديدة لم  يتسن له أن يراها  وبيادر  لم يقف على سنابلها  ولم يسمع بمكانها ؛ وغاب بشجر سحري لم تطأها قدمه .. وسيبقى  وطار وابن هدوقة  وقبلهما رضا حوحو  من رواد القص  والسرد  حتى ولو لم  يتمثل  في أنتاجهم ينابيع السرد العالمي    وأفنانه ؛ نحاول نحن في هذا الجيل المحظوظ  أن نحاورها ولم لا نتجاوزها .. إن الصراع  مفيد  فقط  حين  نعرف أنفسنا ، ومعرفة النفس  لا تعني  معرفة ما أكتب فحسب ؛ بل معرفة ما كتبه قبلي غيري ؛ فذلك ما يجعلني  أعرف اللبنات  المتينة  التي أكون أضفتها بوعي وشرف  للهرم الكبير ككل..

إن الجدل  العقيم  الذي  قرأنا مؤخرا  بعض فصوله  لا يعبر إلا عن حدة المزاج  الذي يكتنف  الفرد الجزائري  ؛ فتراه مندفعا  في حماس  يضرب  ذات اليمين وذات الشمال  ليحرر الساحة  من كل منازع  أو منافس أو مضايق ؛ وهذا وهم ؛ فالساحة  تسع الجميع  وبقدر ما يكون عدد  المتنافسين  كبيرا  بقدر ما تكتسب  الساحة  حيويتها .. وأفضل أن يكون التنافس  في اكتشاف مساحات جديدة  للتعبير  والإبداع الكتابي إن كنت روائيا ؛ واكتشاف  أقلام  لم يتح لها الزمان  أن تأخذ مكانتها  تحت الشمس  غن كنت ناقدا مبدعا ؛  بدل الشطب  الأحمق  أو محاولة الطمس المجاني ؛ ولكن وفي كل الأحوال  لا محيد عن حد أدنى  من المعايير  التي تجعلني أقول  عن هذا  إنه مبدع ؛ وذاك  لا ينتمي بعد للنادي الإبداعي .. ومن أبجديات الكتابة الإبداعية  التحكم التام في اللغة  ؛ وشخصيا  أستهجن أن يُخضع  كاتب  أبداعاته  لمدقق لغوي .. إن الكاتب  وجب أن يكون  هو نفسه ذلك المدقق اللغوي ؛ ذلك أن الكتابة  في جوهرها  إبحار  واع في عالم اللغة .. والنص الإبداعي بتقادمه  لا يبقى  بعد ترييشه  وسحله  غير متنه ودرعه اللغوي ؛  أما يقية الأكسية المستوردة والأكسسوارات  المقتبسة  فهي متغيرات  قد تبقى حينا ثم  تذهب بها الأيام  الأخريات..وكما أن لكل فن من فنون القول  حد من المقومات  التي ينهض عليها ؛ وآسف إن قلت  إن كثيرا  من النصوص التي يطلق عليها  روايات في ساحتنا  الأدبية  لا تشم فيها  رائحة رواية ولا  تذوق فيها طعم من طعوم الأدب ؛  وإنما هي مسوخ بلا هوية فلا لغة ولا شخوص ولا أحداث ولا بيئة.. أن الرواية بطريقة ما ؛ وصف  مبدع  لحياة الناس  في مجتمع  يتحركون ضمن أطر حضارية  وقيم .. وهذا الوصف يمتد إلى ما يعبر عنه اليوم بتأثيث النص  بإحالتي  إلى عمق الحياة في مأكولها ومشروبها ومركوبها وملبوسها وسعيها وراحتها وأعيادها وطقوسها  وأفراحها وأتراحها  وجملة تقاليدها في كل ذلك .... وهذه القيمة  التي ندر وجودها  في النص المعروض علينا باعتباره رواية .. إن بيئتنا هنا مازالت بكرا وتنتظر كتابا  يعبرون عنها  ويبدعون ؛ أما أغلب كتاب اليوم  ولا أعمم ؛ فهم يستسهلون  الكتابة ويقدمون  عن البيئة  ما هو شبيه برسوم أطفال  تفتقد للأبعاد .. فأنت ترى  طفلا يقف  على غير أرض  ومنزلا وأشجار  في  فضاء معلق  من غير أديم  كالأشباح  التي لا أرجل لها .. وقد يستسهلون  الذهاب في وصفهم لباريس  وما يشبه مدينة باريس ؛ فيصفون لك لوحة فنية ؛ أو حانة أو خانا  لآن ذلك قرأوه  في أدب الآخرين ؛  فهم يؤثثون به نصوصهم  والأمر الأخطر  هو استسهالهم  لطبع أي شيء يكتبون  من غير رقيب ولا حسيب ؛ ويوسم ما ينشر على أنه رواية  ؛ علما أن دور النشر عندنا لا تمتلك كما هو الشان في العالم كله  لجان قراءة للمخطوط المقدم للنشر ؛ فالناشرون عندنا ينشرون  أي شيء ما دام  ثمن النشر  ناجز.. وهذه معضلة أخرى  تجعل القارئ يقع في الفخ  ويشتري شيئا  يظنه أدبا  وإذا هو شيء منتحل للصفة  ؛ ولا علاقة له بالأدب..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 82 مشاهدة
نشرت فى 4 مارس 2015 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,943