...
لم يقل  الملك : ردوا علي  فرسان الخيل  وصقورها ، وما كادت الخيل  العائدة  إليه في أسراب وصفوف  تبلغ  السرادق  المنصوب  عند سفح  جبل  صهيون  حتى  تنزل هو  إليها  طالبا  من الربي  وأعوانه  الأحبار  أن  يمدوا  صف  فتيات  التشريف  المجندات  بمزيد  من زيت التعميد  والتمجيد

 وطفق  يمسح  بزيت  تحمل  جراره الخزفية الفتيات  من وبر صولجان  الحكم  على كل الصافنات  البيض  بسوقها  الطويلة ،

وعلى الجياد الصهباء  بأعناقها الأسيلة  ، وهو يقول  مزمجرا  بخطبة  فيها شيء  من اللوم للنفس  ومن تذكير  بهشاشة  دولة العبريين  الايلة  إلى التلاشي  والزوال   مع ما يبدو  عليها من مظاهر  القوة  المصطنعة ..

خطبة فيها  كثير من المكاشفة  عن حقيقة انتصار  العبريين  على  الجبابرة:

ـ يا بنات أورشليم المجندات .. يا فتيات  بيت حرب  المشمرات .. تعلّمن  ما يوحي لي  في جوفي من السماء  ربُّ الجند والحرب ..

هذه  الخيل وحدها  تستحق  من الرب أن تبارك وأن تمجد .. يا لها  من خيل أصيلة  هذه التي  نهبناها نهبا  من العمالقة  المنهزمين  إثر  سقوط  الملك جالوت  بضربة  غير منتظرة  من مقلاع  والدنا النابه  الفتى دافيد ..

هزيمة  أشبه  بلعبة صبيانية ..

لقد  استسلم  الجمع ، وقد طارت  أفئدتهم  شعاعا  بظنهم  أن الملك  في حصن  ومناعة ، وأنه  هو آخر  من يمكن  أن يصل  إليه  عدوهم ، وفتحت  أبواب  المدينة  التي   كان الأميون  الغوييم  من النمل والصراصير  يدعونها  بيت السلام  في موج عارم  من الاضطراب  والخوف  غير المفهوم  في وجه حفنة  من البدو العبريين  التائهين  ، بمجرد  أن  سقط  الملك  جالوت  من على  ظهر  إحدى  هذه الصافنات ،

فأعجله الفتى  العبري  بسيفه  يفصل  بدنه  عن رأسه  وهو في  حالة المغشي عليه  من ضربة المقلاع  المفاجئة الموفقة ..

كانت  الهزيمة المنكرة  وليدة  الثقة الزائدة  بالنفس  لدى العمالقة  واحتقار  الخصم ، واعتبار  القبائل  العبرية  المهاجمة  مجرد عبيد آبقين ، وفلول  مسعورة  من الكلاب  الضالة المشردة  ألقت  بهم فيافي  صحراء سيناء الجرداء  وواحات  مدين القاحلة  إلى أبواب مدينتهم  الحصينة ..

تذكرن هذا يا بنات  أورشليم  المجندات .. يا فتيات  بيت حرب  المشمرات .. تذكروا هذا يا  أيها الربيون والأحبار .. تذكروا هذا  أبدا  يا أيها المنعمون  الواقفون  ويا أيتها  المنعمات الواقفات  على السرادق  في هذا السفح  من جبل صهيون .. إحفظوا  هذا يا عقبان  رب الجند والحرب ، وتذكر دوما  يا عموم شعب  رب الجند المختار .. لقد حطمنا النمل والصراصير  في بيوتهم المزعومة  التي انتزعناها  منهم بمقلاع والدي لكن الوديان  والوهاد  والأغوار  والشعاب  حولنا  ما فتئت  على  موقفها  بأنها لا تريد  أن تلد  غير  ذر النمل  والصراصير  كما ينجم  فيها التين  والزيتون  من غير ازدراع  ولا اغتراس  رغم  ما قلعنا واستأصلنا .. فكونوا جندا  للرب  على الدهر  تقتلون  النمل والصراصير  الذين  لا يريدون  أن  ينسوا  ما يسمونه  بيت السلام ,, أقتلوهم  ذرا وبيوضا ..أجنة وصبيانا  قبل أن يبلغوا  سن الحلم .. اقتلوهم  حيث ثقفتموهم  تكونوا  شعب الرب المختار  قولا وفعلا .. لا مكان للأميين  الغوييم  في هذه البلاد  التي أوثرنا أياها  رب الجند المحارب  معنا .. أما أنتن  يا بنات  بيت  حرب المجندات  فليكن   لكنّ دور خطير  في دوام  دولة  شعب  رب الجند المختار .. عليكن  وعلى أرحامكن  يتوقف  وجود العبريين ..

أظهرن مزيدا  مزيدا  من مفاتنكن  الرخصة ,  للجند الزاحفين  المشاة الراجلين وللعقبان  الطائرين  على  ظهور الجياد  ..

كن مغريات بأفخاذكن وأردافكن  ونهودكن مثل إغراء أنثى حمر الوحش لذكرها لابد من تثميركن بأقوى الفحول  لتنجبن اقوى سلالة 

ام هل أنتم  عقيمات  تتوارثن  عقم  نساء  البلاط  في مصر ، لا غرو في ذلك ، فأنا ألمح بقلبي  الكليم  دم الجند  الملكي  لفرعون  يجري في شرايينكن  وأعراقكن  كما يعلم  الجميع ذلك

وما يعلم  الربيون  وبخاصة الربي  صمويل  بالذات .

ولكن لا أحد من الربيين ، ولا الربي صمويل  نفسه  يريد  أن  يقر ويعترف  به كحقيقة  ماثلة مريرة أمام الجميع  ؟..

دم بني أسرة إيل  غالبه  في أعراقكن هو دم  جند الفراعين .."

مسح الملك الناسوتي  العرق المتصبب على جبينه ،  وقدمت إليه فتاة من فتيات الشرف دورقا من شراب  فازرده بعنف وشره   حتى سال  السائل  الأصهب على الجانبين من فمه  مبللا ذقنه وحتى لحييه..

 


لم يفهم  الفرسان  العقبان  مغزى  حركة  الملك  شلمون  في هذا المسح  الغريب  لسوق  الصافنات  ولأعناق الجياد ، ولا استوعبوا  مغزى  خطبته  اللائمة ،


وظنوا أنه يقدح  فيهم باتخاذهم  الخيل سلاحا ، وهو سلاح فاشل  بدليل  انهزام  العمالقة  مالكي  هذا السلاح  قبل أن يصادر  من أشلائهم  وقد أعمل  فيهم  السيف  والرمح  أثناء  فزعهم  وفرارهم ،

فوثب العقبان  ينزلون  من على ظهورها  متخلين  عنها  وراحوا يضربون  عراقيبها  وسوقها  وأعناقها  التي  لامسها  زيت  المسح  الملكي المجيد ..

راحوا بسيوفهم  البتارة  في موجة من الحماس  المجنون  يعقرون  عددا معتبرا  من أجود  رؤوس الخيل وأنبلها ،

وانتقلت العدوى  إلى  كل  الصفوف المستعرضة  والمتوارية  كما  ينتقل الطاعون  المستشري ، ولم  يتوقفوا  في ملحمتهم الغريبة  تلك  طوال كل العشية  واستعذبوا  ذلك ، ورأوا  في هذه المجزرة  المجنونة  وليمة فاخرة  من شواء  لحوم  الخيل  المجزور ، بدل  لحوم  البقرات  الصفر  التي وعدوا  بها  إن نجح التدريب والمناورة .. سوف  يلتهمون  لحوم  الصافنات الجياد  بشهية ، ويزدرونه  مع البصل الفلسطيني  المسروق  المثير للشهية ، المسيل  للعاب  والدموع .. وتمادى الجنون  الهوج  حتى صاح  فيهم  أخيرا  الربي صمويل  في فزع ، وقد  استفاق  مما يشبه  نوما سحريا  حين  استحلى المجزرة  وبدت له في عذوبة العسل ـ

وهو ما استحلاه الملك نفسه أيضا  وكأنه الخمر ذاته ؛ وهو فعلا تحت مفعول شراب الخمر البابلي الأصهب   الذي  صبه في بطنه صبا عقب خطبته.ـ

 فالدم  الجاري في هذه البلاد  أمام كل ربي  حتى ولو كان دم  الدواب والخيل هو  دوما  شيء ينتعش له  القلب  الذي تستهويه  القسوة  وتنشرح  له النفس الحاقدة  التي هي في قسوتها وصلابتها جزء من صخر ، فالدم  هنا كأنه خمر صب في جوف ملك أو   دم أهريق  قربانا لرب الجند والحرب:

ـ " كفوا أيديكم أيها الغاشمون .. لقد كشفتم  في الفتك بالجياد  عورة  دولة العبريين

 بماذا سنواجه  غدا  أعداءنا  المنتظرين  في آرام  بجلق  وفينيقيا  في صيدون  وجيوش مملكة  الممالك في بابل .. ناهيكم  عن جيوش الأعزة في مصر  الذين اشترينا  السلم منهم  بزواج الملك  من إحدى  بنات أعزة فرعون .."

يتبع
أبو العباس برحايل

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 57 مشاهدة
نشرت فى 29 نوفمبر 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,950