,,,
قال شلمون ساخرا وقد استغرق في الضحك حتى بدت أسنانه المسودة جراء ما كان يستهلك بإفراط من خمور العنب المورد من بصرى في الجرار، ونبيذ البلح المجلوب من يثرب في أوعية مصنوعة من جلود الإبل :
ـ أتدري أيها الربي ّ صمويل ما كانت تقول تلك النملة المكوّرة في شالها الأرجواني مثل حبة يقطين صفراء ناضجة تحت أشعة الشمس الحارقة؟..
ـ كلا .. وأنى لي بفهم لسان النمل والصراصير أيها النبي الذي انحاز له دوننا رب الجند والحرب ومهد له كل سبيل ليعلم لسان كل دابة في الأرض وفي السماء؟.
ـ تقول لذرها وكأنهم نمل مكتمل النمو ، ادخلوا مساكنكم لا يسحقنكم الملك شلمون وجنده وهم مطلقو العنان لا تحكمهم شريعة ولا رحمة ..
وقال الربي محتقرا للعجوز ولكل ما ينتمي إلى عالم الأميين الغوييم الوضيع :
ـ يا لها من نملة بلهاء حمقاء ,, ترى هذا الحباب المتهافت ومثل هذه الأكواخ المشابهة لأبيات العناكب بيوتا؟.. يا لها من بيوت حقيرة ومع ذلك تسد علينا النسائم العليلة يا ملكنا ونبينا..
وضحك الملك مجددا ، وقال في عجرفة الملوك الذين من عادتهم وعادة جندهم المحاربين الذين تخصصوا في الآونة الأخيرة في محاربة ذر النمل ؛ إنهم إذا دخلوا قرية خربوها وأفسدوا الحياة على أهلها:
ـ مهلا يا ربي .. لآمرن العقبان والجند بحرق هذه الأكواخ المشينة للمنظر القابضة للنسائم المؤذية الثاقبة لعيون حفدة العبريين في الأجيال المقبلة..
وكان الملك الناسوتي والنبي الملكوتي يعني أن يتم ذلك في المقبل من الأيام لكن الربي الأكبر المستعجل تولى مباشرة تنفيذ رغبة الملك في تنظيف المنظر من الأكواخ دون انتظار الأمر الرسمي ، حتى لا تتاذى أنظار حفدة الفسيلة المختارة من بني آدم ، فقد كان ينتظر معرفة رغبة الملك في شأن هذا الشوك النابت عنوة في حلق العبريين لاستئصالهم أو استعبادهم ببيعهم في أسواق النخاسة على الأقل .. وها قد تطابقت رغبة الملك ورغبة الربي النافذ ..
ويا ويل النمل والصراصير من بطش المتحكمين في مصيرهم إذا اتفقوا على إنزال الشر الماحق بهم هم الشعب الأعزل في هذا الكون..
وفيما راح الجند المشاة يكومون في جهة من الحقول المشتتة ما جمعوه انتهابا واغتصابا من سلال البصل والأطباق وبموافقة ضمنية من الملك الذي يفهم منطق كل دابة وكائن ، ولكنه وهو يرى الجرائم الناطقة يركن إلى الصمت الأخرس ، ويخلد إلى استراحة السبت من غير سبت ،
فيسبت سباتا متطاولا عن الحق ، وكأنه لا يرى ولا يسمع ما يحدث حوله من فظائع وجرائم حرب ..
وبأمر الربي الدموي الأكبر طفق الفرسان العقبان على صهوات جيادهم في صفوف وقنابل مرصوصة يلقون بألسنة اللهب و النيران على الأكواخ والخيام فتتأجج على من فيها من نمل وصراصير .. وها هم من بقي من الأطفال والنساء بمعجزة خارقة .. ها هم أحياء في الأرماق الأخيرة والأنفاس الضحلة يحاولون الخروج من أنقاض المخيمات اللاهبة والانفلات من ساحة المناورات والتدريب والاستعراضات التي باتت ساحة معركة حربية مفروضة
ـ معركة بين ذر النمل العزل من السلاح إلا بعض الحجر ، وبين عقبان الصافنات الجياد المالكين للسنابك القادحة للشرر ، ولأسنة الرماح الباعجة للصدور ـ
معركة تحت قناع التدريب والمناورة باللجوء إلى الوهاد والأودية او بالصعود إلى الشعاب والأحراش بعيدا عن سنابك الخيل القادحة كالشرر
في جماجمهم الصغيرة وأسنانهم اللبنية،
وبعيدا عن ألسنة اللهب الشرهة إلى حطام خيامهم
وعظام من لا يستطيع الهروب من العجزة والولدان الرضع ..
وإذ تشتت شمل الصبية والنسوة الآن
تجمعت أسراب الخيل من جديد في مطاراتها الخفية عن الأنظار ،
ثم أقبل بغتة في جموع استعراضية صفوفا صفوفا وقنابل قنابل وأسرأبا أسرأبا نحو سرادق الملك العظيم امام الفتيات المسخرات للحرب في أورشليم المحاربة الجديدة ..
استمر حفل التكريم وتسليم الرتب طويلا حتى مالت الشمس نحو المغيب ، لقد أعجب الملك الناسوتي أو الأرضي الذي يتخلى في أوقات معينة عن مسؤوليات الملكوت و اللاهوت ..
في البداية بإنجاز المهام التدريبية على النحو المطلوب تلقائيا بالتواطؤ مع الربي الذي يزعم الحفاظ على حكمة اللاهوت ، ولم يضطر ليصدر أوامر صريحة بقتل الذر والصراصير ـ في مجازر جماعية ـ وفي ذلك ما فيه من اعتداء صريح على سنن الطبيعة في حماية العجزة والصبية وعدم التعرض لهم في الحروب ،
وقام يقدم ـ بمساعدة صف من الفتيات المحاربات شبه العاريات ـ لقادة الصفوف والقنابل والأسراب أوسمة الشجاعة والانتصار والاكتساح والاقتلاع والسلب والنهب ، ويمسح وجوههم ببقية الزيت الملكي المقدس الذي فضل من الإناء الذي عمده به النبي المناصف له في النبوءة صمويل وتوّجه ُ به بعد الذهاب او الصعود الأبدي لوالده دافيد إلى مملكة الرب في السماء ..
دافيد ، المؤسس الرسمي للسلالة المالكة ملكا ممسحا متوجا على قبائل العبريين الموحدة بعد الخروج الأقدس ، وعند المؤرخين الثقاة وبالأصح بعد الهروب الاتعس..
وطال الاحتفال بمفخرة الدولة العبرية ؛ العقبان الأبطال ، لكنه ، وما كاد المستعرضون يبتعدون عن سرادق الحفل قليلا حتى لاحظ الملك بأسف عميق حين خطر بباله أن هؤلاء الفرسان العقبان لا يتمتعون بأي قيمة ذاتية من قيم الشجاعة التي أخذوا من أجلها زورا تلك الأوسمة العلية ، وجللت جباههم بالزيت المقدس من وبر الصولجان ومتعوا عيونهم بجمال أجساد صف فتيات الشرف المجندات العاريات الصدور والأذرع والأفخاذ ..
وأن الفضل فيما يأتون من بطش ومضاء إنما يعود للخيل المغتصبة أثناء الاستيلاء على ما كان يدعى ببيت السلام ..
فصاح في غضب محتد ارتعد له الجلد المتغضن الذي يكسو عظام الربيّ الأعظم صمويل ، واصفرت له جلود فتيات الشرف المجندات السمراوات في غالبيتهن ، وقد رأى الربي صمويل من جهته في هذا الدم الأسمر دم الجند المصريين الذين طالما استحيوا نساء عبيدهم من بني أسرة إيل ،فهؤلاء الفتياة من نسل جند مصر ولسن عبريات صافيات قي الدم
ولكنه كتم غيظه الحانق ، ولم يبح بما زأر قلبه من أفكار طائشة سوداء من مشكلة النسب والانتماء في هذا القبيل ،
وكيف أنها من أكبر مشكلات الكون نفسه التي لم يهتم لها رب الجند والحرب نفسه:
ـ أعيدوا إلي ّ الخيل الصافنات الجياد..
يتبع
أبو العباس برحايل


ساحة النقاش