إلى هذا السهل المنكمش ، خرج الملك شلمون وحاشيته تقليدا لسادتهم الأقدمين في مصر ، وقد نُصب سرادق عظيم ، مثل السرادقات التي نصبت لأولئك السادة الأعزة او الأرباب الفراعين بمصر في أعياد شم النسيم ؛
نصبوه عند سفح جبل صهيون قريبا من خيمة الربي صمويل ،
وقد تناسى الملك مع تتالي الأيام انه لا يملك في هذه المدينة ولا في هذا السهل حولها ولا في هذا الجبيل شروى نقير ،
وان قومه سرقوا هذه الأرض من أهلها من غير حق ما عدا حق الغدر والعنوة والقسوة التي لم يستنكفوا أن يلحقوها بربهم حين زعموا انه هو من وهب لهم هذه الأرض ووعدهم بتمليكها لهم ،
وما أغرب إلها سماويا يأمر بذبح شعوب وطردهم من بيوتهم ليسكنها قبيل أجنبي آخر،
وما عدا ما كان من شظية الحجرة التي فلتت من مقلاع دافيد فأصأبت جالوت ملك أحد شعوب هذه البلاد الزكية فأثخنته وثبتته ليرديه بعد ذلك قتيلا بشكة من رمح او فلقة من سيف ؛
تضاربت الأقوال في ذلك ، أمام دهشة حرسه الذي لم يتوقع قط هذه اللعبة الصبيانية في معركة مصيرية .. أن يقتل ملك برشقة حجر طائشة من مقلاع تافه ..
كان السرادق ضخما احتشدت بداخله فتيات المدينة العبريات وقد خرج بهم الملك من المدينة التي صار اسمها الان عندهم بيت حرب اورشليم من باب القلب اللغوي ، وهي بيت السلام لدى اهلها الأصليين حقا ، يستعرض الملك معهن ومع الحاشية المغتبطة قواته من مختلف أنواع السلاح ، ولا سيما قوات الخيل المسروجة المُعْلمة التي غنموها ، وكانت غنيمة باردة ، في أعقاب سقوط ملك العمالقة جالوت ، وقد حالف العبريون الحظ في كل نصر مصيري حازوه عبر الضربة الخاطفة غير المتوقعة حتى منهم وإلا فهم جبناء ، ولا يصمدون في حرب طويلة المدى ..
وطالما كانوا يرددون في ضجر ناطق وعصيان صريح ولامبالاة لقائدهم ورب الجنود والحرب الذي هو ربهم : إذهب انت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون..
كانت الأكواخ النابتة كالحباب وكالفقاقيع للسكان الأصليين الذين سرعان ما بعثت بهم فجاج هذه الأرض وجبالها ووديانها ووهادها في تجدد دؤوب
كما ينجم في جبالها الزعتر في موسمه المعتاد
وفي سهولها ينبت الزيتون ويتجدد أبد الدهر ، رغم القلع الإجرامي الذي دأب عليه الجند العبريون ، بدعوى أن النمل والصراصير يختبئون تحت أغصانه الخضراء طوال السنة ويهجمون منه على حصونهم وقلاعهم المقامة خارج أسوار المدينة ..
كانت المخيمات الواهية البائسة تعترض أسراب الخيل الراكضة كالجراد الطائر في مناورات وتدريبات واستعراضات ، وإذ رأت عجوز شمطاء من بعيد إقبال الخيالة يلهبون أعناق الخيل باسواطهم في أمواج صاخبة من السباق المرعب المحموم نحو الحقول القريبة من الأكواخ والخيام ، صاحت في الأطفال المنتشرين مثل ذر النمل في تلك الحقول البائسة وكانوا يقتلعون البصل في نشاط دؤوب ويعبئونه في سلال بالية او في أطباق موحلة ليقايضوا به قبضات شحم بلونه الأصفر الحائل ورائحته الكريهة أو مدد حقيرة من جريش حبوب الدخن الموردة من مصر او الحنطة المكتالة من نينوى ؛ كانت الصيحة
ـ يا أيها الفتية ..أتركوا الأبصال .. أتركوا الأبصال الأبصال وادخلوا مساكنكم ، حتى لا تدهسكم الخيل المجنحة لملك العبريين وهم في حملتهم العشواء وسكرتهم لا يشعرون بكم ..
هرع الأطفال العزل مثل ذر النمل الذي فقست بهم البيوض حديثا هاربين في كل اتجاه بلا أجنحة ، لكن بعضهم تباطأت به سوقهم الغضة وثقلت على سواعدهم الطرية أطباق بصلهم أو السلال ،
فلحقت بهم الخيل ومزقتهم شر ممزق وحطمتهم ، وحطمت حقولهم شر تحطيم ،
ولقد لحق بهم بعد ذلك الجند الزاحفون الراجلون كالجراد الزاحف وخطفوا منهم سلالهم المثقوبة وأطباق بصلهم المقتلع، وحازوها منهم نفلا صالحا وغنيمة غير متوقعة
هذا البصل سينعش الحفل الذي سيقام مساء إذا نجحت المناورات واختتمت التدريبات ..
لا شيء يصلح للأكل مع الشواء كالبصل الكنعاني والفلستيني التي تسيل الدموع بلذعتها الحلوة وحرارتها المدرة للعاب الكلبي الموقظ لشهية اللقم والمضغ والافتراس والبلع ..
تبسم الملك العبري ضاحكا من مرأى العجوز / النملة في فزعها وصراخها وانصراف الفتيان/الذر في هروبهم الفوضوي وانقصافهم ، مع سلال بصلهم تحت سنابك الخيل وسياط الفرسان الذين بدوا كالعقبان الضارية ،
قبل أن يسترسل الجند الزاحفون الراجلون لملاحقة الناجين ومصادرة البصل ، ملتفتا إلى أحد افراد حاشيته الذي يلازمه كالظل ؛ النبي صمويل الذي أرغم من جهات خفية على التنازل النسبي لشلمون عن منصب النبوة المطلق مكتفيا بالنصف ، ومقتنعا بمنصب رئيس الربيين والأحبار
ـ صار شلمون يتلقى الوحي من رب الجند والحرب في ملكوته السماوي بنفسه ومن غير وساطة ،
ويسن القوانين مباشرة من خلال الوحي الذي يتلقاه أثناء منامه أو في أحلام يقظته ،
ولم يعد صمويل رغم انه يتلقى الوحي بدوره سوى مجرد رئيس المنفذين لتعليمات الملك التي هي تعليمات في جوهرها أوامر عسكرية لسحق النمل واستئصاله من أرضه ومن قراه .
فهذا القبيل من العبريين الذين ترسخت فيهم اخلاق العبودية بمصر يجب ان يظل قطيعا وقبيلا عسكريا أو يصار إلى الشتات فالتلاشي ثم العدم إن هو جنح إلى السلم ،
لذلك ما ينبغي لربهم في ملكوته السماوي إلا أن يكون قاسيا باعتباره رب جند وحرب ويكون الملك العبري على مثاله في القسوة وعلى منواله في قيادة الجند وإدارة الحرب في المملكة الأرضية الناسوتية ضد الأميين ـ الغوييم ـ
وقال شلمون يترجم ما صاحت به العجوز / النملة للصبية الذر ، وقد تعلم الكنعانية في صباه الباكر في بيت لحم من الفلاحين بورشات الحدادة والتسليح لأبيه قبل قيام مملكة رب الجند والحرب في بيت السلام الذي غدا بيت حرب ،
وكان العبريون يعتبرون السكان الأصليين الذين لفظتهم حرب الغزو من مدنهم وقراهم ولم يتم استئصالهم أنهم بمثابة النمال والصراصير ، لا مناص من ان تسلب منهم مدنهم وقراهم وأن يستاصلوا منها ويبادوا لمشيئة الرب في ملكوته ،
ثم ، وياللعجب ، ومع كل نشاط الإبادة المتواصل ، يعودون في كثرتهم كما كانوا وأكثر ، وكأنهم يملكون آلة سحرية للتناسل والتكاثر ،
ولكأن شأفة الحرب المتواصلة بدأب ضد وجودهم كليلة عن استئصالهم نهائيا رغم إعمال السيف الحاد فهم بكل سبيل..
يتبع...
أبو العباس برحايل


ساحة النقاش