جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
....
العفر إذن مجرم بالطبيعة متمرس بالعادة ، فقيه في مختلف أساليب المكر وتلاعبات التقاضي ، ولأنه ذو سوابق عدلية ملطخة يعرف هذه الأحوال من المناورات كما يعرف قرنينة وكما يعرف أبناءه وإن كان لا يعرف احفاده ،
لذلك كان من اليسير عليه ان يحدث في خطمه من غير ألم أو بألم خدشا بسيطا
ويسيل الدم الذئبي الكاذب
ليتمكن من حيازة شهادة طبية مزورة تسوي وضعيته بوصفه وقع ضحية .
لقد تجاهلت انت يا أيوب الصابوري أمر وجوده في عين المكان بالمستوصف ، وانتظمت في الصف المتعرج الطويل تنتظر مع الناظرين
، ورغم كل شيء سمح له العون المكلف بتنظيم الصف
وقد هابه وخاف على نفسه من فظاظته وجنونه
بحرق الدور وبالدخول من غير التزام بحلقة الصف رغم انف المحتجين المنتظمين في الطابور منذ المغرب
وشعرت أنت بالراحة الكبرى وغمرك الاطمئنان حين عاينه الطبيب قبلك لينصرف حتى يترك لبصرك أن يجول بحرية وانطلاق دون أن يقع على ظله الجهنمي،
وقد كنت أنت منذ قليل مضطرا أن تتحاشى ظله بأن لا تنظر إلى الجهة التي هو فيها..
ينصرف وقد حاز ما جاء لأجله من شهادة تقر له يتعرضه للاعتداء قبل ان ياتي دورك ، وإذ لم تكن خبيرا في مثل هذه التصرفات المخادعة والمناورات الخبيثة ، ظننت أنت ان الطبيب سوف يكتشف بحصافته المهنية من هو
الباكي فعلا ومن هو المتباكي المصطنع للبكاء لكن ظنك خاب ، ولم يكن في محله ، فقد كانت اللامبالاة في مرافق الخدمة العمومية سيدة الموقف
وانطلت حيلة العفر على الطبيب الذي لم يكلف نفسه القيام بالكشف المرتقب الذي تترتب عليه إجراءات جزائية
وقال لك الممرض هامسا " لقد دون لكليكما الملاحظات نفسها.."
لانه في واقع الامر كان طبيبا نمطيا يعطي وصفات وشهادات متماثلة ،
كل همه ان ينهي الطابور المنتظر في أوجز وقت ممكن لينصرف لبعض شأنه ، فهو لم يقم بأي كشف فعلي
ولم يستعمل أي وسيلة معينة على الفحص ، مكتفيا بادعاءات الماثلين امامه
وبالملاحظة المجردة عن بعد من خلف مكتبه الذي يرسل منه اسئلته الوجيزة الجاهزة ..
مكتب كان يقبع فيه وكانما قد شد إليه شدا وثيقا بالمسامير والدسر ، فهو لا يتزعزع عنه وكانه جزء منه..
وبعد ذلك وهناك في الثكنة المستحدثة في قرية آيميس ايام العشرية الدموية السوداء قدمت أنت إفادتك ..
قبل العشرية لم يكن بقرية ايميس من قوى الأمن غير الشانبيط تيتو ..
تيتو هو اسمه الثوري أيام ثورة التحرير وتنوسي اسمه الشخصي ولقبه العائلي فلم يعد احد يذكره سوى باسم تيتو زعيم يوغسلافيا الاشتراكية الذي أيد ثورتنا التحريرية ..
الشامبيط تيتو بروحه الثورية وعدالته العملية التي تعوّد عليها ايام الثورة لم يكن يقدم المعتدين إلى الجهات القضائية بإجراءاتها المعقدة الفاسدة
وكان يفري المسائل بنفسه ؛ يسلط العقاب على المستحقين بسوطه المكين ويأخذ التعويض منهم ليدفعه للمتضررين ، ويفرض في القرية ومحيطها النظام العام بأساليب ايام الثورة المباركة ..
كان الدمويون في العشرية السوداء وهم في غالبيتهم أبناء حركة مصالي الحاج الذين ناهضوا الثورة او من المتضررين من نتائج الثورة ، قد بطشوا به وقتلوه شر قتلة ونكلوا بجثمانه الزكي قصد ترويع بقية السكان ، وكان هو اول مستهدف لهم في مرجة ايميس مع انه كان متقاعدا ، بل ولقد تم حل هيئة الشنابط بزعم انها كانت من هيئات الموروث الاستعماري ،
ويعتبر تيتو لدى الدمويين رأس الطاغوت في المرجة ؛ لأنه من جهة يذكرهم بالثورة التحريرية التي يكرهونها؛ومن جهة اخرى لأنه مؤثر رغم تقاعده ؛ وكان حاجزا منيعا لهم قبل مقتله ضد تنصيب هياكل إمارتهم المزعومة وما تقتضيه من حسبة وأمر بمعروف ونهي عن منكر في زعمهم..
دوّن اقوالك عون الدرك المكلف باستقبال الشكاوى سجل أقوالك ، لكن هذا العون المنحاز للغندور أو اللامبالي أصلا بأي شيء حرر في الفقرة الأخيرة من المحضر كلاما زاده من قريحته العليلة ؛ وقد اعتاد فيما يبدو على كتابة خلاصة يحفظها غبا في كل محضر وأخفاها عنك
ولم يقرأها لك طالبا منك في صلف البصم بالإصبع اليسار والتوقيع بالحبر الجاف ..
أثناء العودة إلى بيتك ركب إلى جانبك في العربة أحد اعوان الدرك في لباس مدني ، ولما عرف ما أنت عليه من حال الشكوى ضد الغندور قال لك متفكها او مثبطا وهو أدرى بالخفايا
أرح نفسك يا شيخ ؛ أفضل لك من متابعة هذا الرهط من الخصوم . الغندور لا تقدر عليه انت وامثالك وحتى أمثالي..؟
وكان عليك ان تسمع نصيحته لو كنت لبيبا
بعد أسبوع وقد التأمت جراحك تقريبا ، ولكن الدم الخاثر الأسود مازال يطبع خطم العفر الذي اسود الان ، وكان قبل حادثة الشجار الموهومة قرمزيا ، وأمام الطبيب الشرعي المزعوم تكررت المواقف المنافية لطبيعة الأشياء ، لم يعد العفر الآن معتديا بالمرة ، وأمسى ضحية مبتلى يشهد على ذلك قشرة الدم المتيبس فوق خطمه الأحمر الذي صار أسود .. نصحك بعض العارفين بالأوضاع المزرية المتردية داخل المحاكم في تناقضاتها ولا عقلانيتها أنه خير لك ان تتنازل عن حقك وان تتدارك الموقف وتسحب الشكوى وتسعى للمصالحة مع جارك ،
وإذا اقتضى الأمر أن تبوس خطم العفر وتركع أمامه فذلك مع الهوان والخزي أسلم لك من الوقوف أمام قضاة في غالبيتهم العظمى جبلوا على عادات من سلوكيات البلاهة وجلبوا من كليات ومعاهد علمتهم حفظ النصوص بغباء وهم في أكثريتهم كالسكارى لا يميزون حجرا من شجر ولا يفرقون جمالات صفر من نملات شقر .. ركبك الغرور ورفضت باعتبارك مثقفا وعلاّمة ما يقوله العوام عن جهاز العدالة ، وكانت لك ثقة عمياء زائدة في القضاء قبل أن تحتك به ، ورفضت المصالحة منتظرا من عدالة بلدك أن تقتص لك أنت العلامة أيوب الصابوري المشهود لك بالععلم والورع وحسن السيرة .. وتاخذ لك حقك من مجرم معتاد على الإجرام ، ولو اقتضى الأمر تكليف محام .. أجل ، لابد في الواقع من تكليف محام يبرز ماضي العفر المعتاد على الإجرام ويشرح الواقعة كما صنعها العفر لا كما أراد إخراجها هذا العفر ؛ ويشرح سمعتك المشهود لها بالحمد والثناء ، وينشر صحيفتك العدلية الناصعة البياض ..
وهل من محام اشهر من مرواني ماء الدفلى الذي لم تكن تعلم أنه محام مشهود له بالغباء والخيبة والفشل .
أغرب ما في الأمر أن خصمك الغندور لم يكلف محاميا واكتفى بأن رافع بنفسه باقتدار قل نظيره
وهو الجاهلي منزعا وسلوكا وهو الأمي الجاهل بقيم العدالة
ما عدا ما يعرفه سليقة من ان "من لا يظلم الناس يظلم"
لكنه المجرم المحترف والطبيب النطاسي ذو السوابق العدلية الذي يعرف أمراض الجهاز القضائي ومقاتله التي ينقاد منها الى المسالخ التي يعرفها جيدا
وهو المعتاد على المحاكم وعلى أساليبها المتفذلكة الركيكة البروقراطية التي تذهب دوما بجوهر أي قضية عادلة ،
وتحيل ما فيها من التفاصيل التي يفترض أن تجلي الحق إلى رماد بارد من خلال شكليات ما يسمونه بتكييف القضايا ،
والتكييف يعني قولبة القضايا في أشكال من العبارات الجاهزة تماما مثل ما كان معدّ الأكفان في العهود الأسطورية الإغريقية ينجزه..
فهو يقطع أقدام الموتى لكي تكون على قد الأكفان التي ما يفتأ يسرق من قماشها ، ويسوي الأمر بقطع أقدام الموتى لتكييف أي جثة مع الكفن المعد سلفا قبل أن يموت الميت ؛
إنه بدلا من تكييف القماش المعد على قدّ الجثمان يكيف الجثمان مع قطعة القماش الناجزة التي لا تقبل عنده تبديلا ولا تحويلا..
يتبع
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش