بقيت حكاية  الراعي قزوان بن قزوان  مفصولة  عن السياق ، ويتم تداولها فقط مثلا من الأمثال  السائرة للاعتبار  بصفة صاحبها  رجل  شرس ومفترس  فوقع ضحية  لشراسته ، ولثقته المريضة  في قوته المتهورة  وغروره الأعمى ،

وكادت حكايته  تطويها  السنون في كرورها  لولا أن نصبت خيمة  فجاة  عقب الاستقلال  في طرف  القرية ؛ أيميس ؛

خيمة معزولة أقيم حولها  سياج  من الأسلاك  الشائكة  بمختلف  ا لأنواع  من صفائح الزنك  والخشب  والنفايات وأكوام زبل الأنعام وروث البهائم  لتشكيل  سورا حول الخيمة  يحجبها  تقريبا عن الأنظار ،

وقيل ساعتها  إن ابن قزوان  هو صاحب  هذه الخيمة  النازحة  التي  لا يدري صاحبها  أين كان  ولا من أي جهة أتى ؛   ولا أحد يجزم  إن كان  الغندور  صاحب الخيمة  هو فعلا  ابن قزوان  الطبيعي والشرعي  أم  إنه انتسب  إليه  فقط  بغرض أن يبعث في روع السكان  أنه  ابن قزوان ؛ ذلك الراعي  الفتاك  المتوحش  الذي ظل اسمه  المدوي  قزوان بن قزوان  تخيف  به الأمهات  أطفالهن ،

فهو اسم مرادف  للرعب والاقتحام  والإقدام على المهالك ،

والغندور بهذا الانتساب  لا يثبت لنفسه  نسبا  بل ينشر  فكرة  شراسته  حتى لا تسول لأحد نفسه  أن يفكر  في الاقتراب من خيمته الغريبة  القائمة  وحدها  تشوه المنظر العام للقرية كأنها الناب أو الناجذ  المسوس  المخروم في الفم ،أو كالبعير  المجروب  المفصول عن القطيع..

تحت شجرة  سنديان عملاقة ، بادر   الغندور  الوافد من المجهول ؛صاحب  الخيمة  المنصوبة  في تخوم  القرية يعرض  جزرات لحم بأسعار تنافسية  ،

بل أقل  من أسعار  الجزارين  الاخرين بكثير ،

فسعى  المتضررون  إليه يزجرونه  وينهونه عن إفساد السوق عليهم ، فلم يرعو ولم ينته  وتحداهم ،

وأوفدوا على المدينة  وفجا يمثلهم  يشكون للهيئات  المخولة ؛ وقد كسدت  تجارتهم  وأوشك الإفلاس ان يدهمهم ،

وجاءت هيئات  المراقبة المختلفة  ، لكنها بقدرة ما ؛ ولأسباب مجهولة   لم توقفه  عن نشاطه  غير الشرعي  رغم  أنه  لا يمتلك  السجل التجاري ،

وشوهد  يقدم الرشاوي  على المباشر  ساطحا ناطحا  ومن غير إخفاء  ، بأن يعرض  على الأعوان  المراقبين  أحسن أفخاذ الخرفان  المعروضة ، او يدس  في أيديهم  او في جيوبهم  أوراقا مالية من غير تردد ، وتم تجاوز  أمر السجل التجاري  باعتباره  يقدم  الإتاوة اليومية  عن كل جزرة  للمكاس البلدي ،

ومع ذلك ضُبط يغش ؛ ضبطته   فرقة  الدرك  القادمة من المدينة  والتي  استبدلت حديثا ،فهي لا تعرف  بعد عن الغندور  شيئا

 وقدم للمحاكمة  بتهمتين ، الأولى ؛ أنه حاول  رشوة  هيئة نظامية  رسمية  والثانية  أن ميزانه  كان مختلا ، وهو يسرق  بفضل  ذلك الاختلال  من كل زنة كيلو  نحو  مئة غرام  لحم ،

وذلك هو في الواقع  سر الفرق  بين  أسعاره  المخفضة المزعومة  وبين أسعار بقية الجزارين ..

وتتالت  مشاجراته ومعاركه  مع زملائه  من الجزارين  وتتالت مخالفاته  مع المستهلكين  وقد عرفوا  حيله  وخدعه  عقب كل خروج  من السجن ، دون ان  تتأثر  الأرباح  بسجنه  

وقد التحق  أبناؤه بالخدمة ، يطبقون  أساليبه المكتسبة  ذاتها   في خداع  الزبائن لا سيما الغرباء منهم ، المارين  الذين يفاجأون  بالأسعار  المغرية  فيضاعفون  الشراء..

وتمكن الغندور في وقت وجيز  أن يمتلك  في قلب البلدة  محلا ، فيغادر  سقيفة  السنديانة  إلى المحل المريح ، وينشط الآن  بصفة رسمية  مكتسبا للسجل التجاري  الشرعي ، ولا يكتفي  ببيع اللحم

 ويمتد نشاطه  لممارسة التجارة  المتعددة

 وقد أتاح له  سجله التجاري  ذلك  وخول له الدخول في مناقصات من أجل تموين مؤسسات الدولة وتزويدها باللحوم والخضر والفواكه وغيرها  ..

ومع السبعينيات  وقد افتتحت  متوسطة داخلية  للتعليم  رست عليه  صفقة  تموينها  بالمواد الغذائية  خاصة اللحوم  والخضر والفواكه ..

وتوسعت  نشاطات الغندور  وصار يجالس  مدير  المتوسطة  عثمان بن عمارة  الحمريطي  ، ويسايره  ويتنقلان معا  في مركبة واحدة  ، بل  وصارا مثل ظل لشخص  متلازمين  لا يفترقان ، وتحدث الناس في القرية  عن مخالفات بالجملة  ارتكبها  الصديقان  المنحرفان  في مواد  استهلاك غير صالحة ،

وقد تعرض  الداخليون من التلاميذ  مرات للتسمم

وتحدثوا  عن تضخيم الفواتير  حينا  وعن وضع فواتير  عن تموينات  وهمية  لم تدخل المدرسة قط

وقدمت شكاوى  عن تجويع التلاميذ  الداخلين ،

وشاهد الناس أحد أبناء  الغندور البلهاء  بلها عميقا  يستخدم طباخا  في المتوسطة  دون أن يمتلك  اي أهلية لذلك المنصب ..

وحين انتهت خدمة  المسير المالي  المتواطئ ، تم تعيين  مسير مالي  جديد للمتوسطة  

وعرف حجم  النهب المرتكب  في حق المؤسسة  ولم يكن همه  ولا غايته ترشيد  التسيير  واستعادة الحق  المهدور من التلاميذ المساكين

 بل  ساوم الحمريطي مدير المؤسسة  

وكذلك فاوض  قزوان ممون المؤسسة  

 لرفع  نصيبه  من هامش الصفقات  المفبركة  بغرض النهب  إلى الثلث  على قدم المساواة  بين حصته وحصة المدير وحصة الممون ،

لكن ذينك الرجلين  الشرهين  المتحالفين  على النهب   رفضا  إشراكه  إلا في حدود  ما كان يأخذه  سلفه السابق  الذي أحيل على التقاعد..

يتبع  

أبو العباس برحايل 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 125 مشاهدة
نشرت فى 28 سبتمبر 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,950