جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
..
تطلب من الدرك النجدة المأمولة والنجاة المضمونة لكن لا حياة لمن تنادي ، إذ لا يحضر لقوة الأمن ظل ولا جرة ولا أثر إلا بعد ساعتين متطاولتين تطاول الدهر الفطحل ، وتباطؤ البعير الجاثم المكلكل ، او الجبل الهامد الذي لا تزعزه عاصفة أو ريح ، وبعد أن سمّعك الغندور العفر من على سطح أطمه البشع من الفحشاء مع زوجك البالغة الحياء والخفر ما لم تسمعا في حياتكما المتطاولة من مثل هذا الرفث المنبعث من شدقه المزبد ، وبعد أن تمكن جيش المغول الهمجي من نسله أن يحطموا ويقتلعوا ما وصلت إليه أيديهم بمقذوفاتهم وبأظافرهم ،
وبعد أن تمكنت شهامة بعض الجيران وكرامة بعض المارة الأخيار
ـ جزاهم الله خيرا كثيرا جزيلا ، وأطعمهم خبزا طريا بدقل وعسل ـ
من مناصرتك بفك الطوق عن بيتك المهشم ، ونبتك المحطم المداس المدروس ، ومن رفع الحصار المضروب على بابك المتورم المثخن بالقروح ،
ومن إنزال العفر الهائج من سطح أطمه الشاهق ،
وضرورة إسكاته عما كان يهذي به مجترا من مهجور القول وفاحش الشتم
وإخماد غلواء آل قزوان جملة وإبعاد سعار هم الهائج..
حضر الدرك المعلى ، وقلت في نفسك : يا ليتهم لم يحضروا!
جاؤوا في سيارة مدنية مموهة ،
ومن ممر بعيد عن الطريق العام ، خوفا على ما يبدو من كمائن فلول الدمويين الذين لا ينبغي أن يؤتمن جانبهم
رغم ان أنفاسهم قد خمدت في هذه القرية منذ سنوات
لا بما يزعم الزاعمون من سياسة أو بفضل ما يسمى المصالحة الوطنية ،
بل بفضل حزم الجيش ورجال الأمن التي استأصلتهم استئصالا ..
ومن غير أي معاينة لمكان الحدث الوامق أو استقصاء لملابسات الواقعة الآبقة ، طلبوا من الجميع في زجر فظ ، وبألفاظ خشنة ؛ الضحية والمعتدي ؛ المصفوع الذي وقع علية الصفع والصافع الذي أحدث الصفع ، الشاطر والمشطور وما بينهما ،
طلبوا من الجميع أن يلتحقوا كلهم بالثكنة حالا للاستجواب ولأخذ اقوالهم الشاهدة وإفادتهم الواصفة معتبرين الأمر يتعلق باشتباكات صبيانية مفتعلة طالما سئموها
وبمشاجرات صاخبة طالما قلد فيها كبار القوم الذين يفترض فيهم أن يكونوا أهل عقل وحجى ؛
قلدوا الأطفال وأصحاب العقول الضغيرة ، لكنها في التحليل الأخير من خلال تجربة الفزع والنفير إلى مواقع أحداث مشابهة ؛ هي مشاجرات يومية عادية تحدث غالبا بين صغار الجيران ويتدخل الكبار
وتجري بسبب دخان الصيام وسكراته ولا تعدو ذلك ولا تتجاوزه ..
وباقتراح ونصح حثيث من بعض من نصرك وخلصك من العدوان الكاسح كان عليك أن تمتثل وتنتقل إلى المستوصف الصحي أولا لاستخراج شهادة طبية تصف الرضوض التي أحدثها رفش الغندور في كاهلك المكتهل وتقدر العجز..
في المستوصف ، وبعد أذان العشاء وخارج الصف الحلزوني المنتظر ، وجدت أمامك العفر بشكله المستدير المربع وفي مئزر المهنة الملطخ بالدماء في ذهاب وجيئة قبالة غرفة الطبيب المداوم الذي لم يشرع بعد في العمل ..،
أجل ، وجدت أنت العفر يزمجر كالكلب في سلاسل وجره ،
ويزبد ويرعد كالبعير الهائج في حبله المربوط به
، ولكنه فاجأك المفاجاة الماكرة الكبرى حين لاحظت ـ وأنت تلقى نظرة جانبية نحوه من طرف خفي ـ على خطمه الأحمر المفرطح قطرات دم سوداء يابسة ..
من أين جاءته قطرات الدم تلك ؟.. طبعا ابتدعها ابتداعا من الخبرة المكتسبة عبر الجنح والجرائم التي اقترفها خلال حياته التي لم يعرف فيها غير هرش الكلاب وتناطح التيوس وعراك الديكة ، وإلا فأنت لم تبسط إليه يدك ، ولم يتح لك المجال لذلك حتى لو أردت بفضل تسلحه برفشه المشهر في وجهك..
ورث العفر الشقاوة أبا عن جد ، يقال إن والده القزوان الذي ينسب إليه صدقا أو زورا ويتسمى بالاسم ذاته قزوان ؛ كان راعيا
لقطيع القايد لدى سلطات الاحتلال الفرنسي المسمى طالب بن تمار ،
يهابه الرعاة وسائر الأهالي بفضل خدماته للقايد ، فلا يجرؤ الرعاء على الاقتراب من المرابع التي يرتادها بقطيع سيده ،
وبلغت سمعته في الشراسة الآفاق حتى قيل إنه هو من يفترس الذئبان إن اقتربت من قطيعه بسائق شراسته الطبيعية وعاداته المكتسبة من اقتحام المخاطر
ـ إضافة إلى الكلبين السلوقيين اللذين يرافقانه في السرحان بالقطيع ،
لكنه من شدة اعتداده بجراءته المتهورة وبكلبيه وبثقته الزائدة في حماية قايده له سار في تحدي الجهال المعاندين بقطيعه الحراق نحو مذأبة شهيرة بوادي المهالك المنغلق المسالك ، وهي مذأبة مخيفة يتجنبها السالكون العابرون للمفازة حتى في المركبات الميكانيكية المصفحة .. إنها مفازة مقطوعة عن العمران تتخللها شعاب مليئة بالكهوف والمغارات لم تطأها قدم راع أو عابر سبيل قط منذ معارك اولاد سيدي الشيخ بوعمامة ضد فرنسا المتجبرة ، ومنذ أن استطاعت قوات فرنسا الغاشمة أن تكسر شوكة تمرد العشائر في السهوب وتقضي على الثورة في تلك المفازة ، تحدى قزوان بن قزوان الدنيا كلها واقتحم وهادها للرعي وقد أعجبه نبتها الرابي وعشبها المكدس ، وهناك خرجت عليه من حيث لا يدري من الشعاب المتشابكة والمغارات المتعانقة شرذمة من الذئاب المستأسدة المسعورة ، فأقبلت على الكلبين ففلقتهما فلقا ، ثم توزعت على كباش القطيع ونعاجه وحملانه تخنقها خنقا لئيما وتفتك بالقطيع كله فتكا ذريعا شريرا ،
ورغم ما رأى قزوان المتهور من هياج الذئاب وسعارها وبطشها المجنون هاجمها ،
وبدل أن يهرب ليختفي بجلدته وينجو برأسه ، أقبل عليها ببندقيته المهترئة التي لا يصدر منها طلقة
ولا يصدر عنها صوت من حشو البارود
حتى تقضي الذئاب فيه أمرا كان مفعولا ..
وكان يريد أن يخلص من مخالبها الحادة ومن أنيابها البارزة كالنصال بعض الكباش والنعاج ..
لقد اجتمعت عليه اجتماع النمل على قطعة سكر وهو يعالج حشو البارود في هجمة شرسة كالعاصفة الملتوية ولم تتركه يطلق طلقة واحدة حتى قطعت أوصاله وتركته أشلاء ،
وقد استنكفت أعرضت عن نهش لحمه كما لو كان جيفة نتنة محرما عليها أكل لحمه ..
ولم يأت بخبره البائس غير فرقة الخيالة الصبايحية التي جندها القايد العميل طالب بن تمار بإذن من سيده الحاكم بعد عدة محاولات لاقتحام المذأبة ..
والواقع أن القايد ابن عمار ، وقد فقد قطيعه حار في الأمر
وهو يعلم أن القطيع هلك هلاكا مبرما في شبكة المغارات والكهوف التي تتوسط وادي المهالك بالوادي اللعين ..
ولقد ذهبت فرقة الصبايحية العسكرية لأول وهلة تبحث عن الراعي
ولكنها عادت خائبة بعد أن فقدت عنصرين من عساكرها وقد فتكت الذئاب بهما فتكا أسراب كما فتكت بجواديهما دون التمكن من معرفة مصير الراعي قزوان ..
جمع ابن تمار الشيوخ المسنين من وجوه القبائل واستفسرهم عن الطريقة التي تمكنت بها العشائر التي ناصرت سيدي الشيخ بوعمامة من الهروب إلى هذه المذأبة دون ان تهاجمهم الذئاب
قبل أن تحاصرهم قوات فرنسا وتستأصلهم عن بكرة أبيهم بعد أن نجوا من الذئاب ..
فتذكر الشيوخ أن العشائر كانت تزرع على رقعة واسعة من تخوم المذأبة مئات الفخاخ وتقرب قطعان العنم من تلك الثغور والتخوم حتى إذا أقبلت الذئبان نحو القطعان للافتراس وقعت في حقول الفخاخ ، وبذلك تم القضاء على الذئاب في تلك الفترة
وتمت تصفية شبكة المغارات والمذأبة من شرها المستطير وصار افراد العشائر يدخلون شبكة الكهوف باطمئنان ..
لكن ذئبان فرنسا كانت أشرس من ذئبان الكهوف فاستأصلت العشائر بقطعانا ..
واضطر القايد ابن تمار أن يطبق هذه القاعدة ، قاعدة زرع الفخاخ على التخوم في تصفية الكهوف حتى تصل فرقة الصبايحية إلى أشلاء قزوان بن قزوان..
يتبع
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش