جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
وبعد شهر بتمام أيامه وكمال لياليه من الملاحة برخاء الريح المرسلة المواتية التي وافقت فيما قيل دعاء شلمون المستجاب ، فجاءت كأنها مشمولة بإذنه خادمة مطيعة لقصده في بحر القلزم .. وبعد الاستراحة في منتصف الرحلة بقرية جاديت الساحلية مدة يومين كاملين ،
واستطاعت السفينة التي أبدع صنعها الجن الفنيقي النابه العبقري
أن ترسو بسلام في ميناء سابوم ؛ قصبة مملكة سبأ وحاضرتها الراسخة
أراد هدد أن يقابل جلالة الملكة رفقة الوفد المرافق من الأطيار بحرابهم الطويلة وتروسهم الدافيدية المعلمة ، لكن صف الحرس أعلمه بأنه
لا يمكن لوفد أجنبي مسلح يتخفى بأقنعة من ريش الطيور من مختلف الأجناس والاصناف أن يلقى جلالة الملكة
ولكن جلالة الملكة قد تستقبل الرسول بصفته الفردية بقناعه الهدهدي ، من غير سلاح أو خشب أو حجر ،
ورضخ موفد شلمون لمنطق صف حرس مملكة سبأ ، وخضع لتفتيش دقيق معيب رغم صفته الرسولية ،
وغادر السفير السفينة المنتفخة الشراع ذي اللون الأرجواني اتفاخا لينا بفعل رخاء ريح منعشة هبت من الشرق ..
الشراع الذي شرع الملاحون في جمعه وطيه ،
غادر السفير السفينة تاركا بقية الوفد من جند النسور والملاحين البحارة الفنيقيين المتعبين في ضيافة صف الحرس ، يطعمهم صف من الجواري شبه العاريات المجلوبات من أرض مملكة أكسوم المنفصلة حديثا عن جسد الدولة الراسخة سبإ ؛ يطعمنهم بشجرة السعادة أو يروينهم بعصير القهوة المنعشة أو يحشون لهم أحناكم بعشبة القات المدهشة التي تبعث في النفس راحة شعرية
وفي البدن الارتخاء والخدر ،
وفي الخاطر الانتشاء ،
والأهم إنهن يسقينهم من شراب مخ الهقل النادر المقوي للباءة
والباعث على الجبن المريح والسكينة الخاذلة
والرغبة في الرقص المترنح ، فينسينهم لأجل معلوم حساب الزمن ومعرفة غروب الشمس من شروقها وتمييز الليل من النهار وتوهمهم برؤية النجوم في الظهيرة واختلاط الجهات فلا يعرف اليمين من الشمال ولا الشرق من الغرب ، ويقدمن لهم كل خدمة مطلوبة ويستجبن بأردافهن المستباحة عن رضا وإقبال لكل نزوة لهو واشتهاء بحبور ومودة..
في الصرح الشهير المسمى قرن قيس ويسميه العوام الخورنق ، ولشهرته سيتسمى به القصر الذي سيشيده سنمار ، ذلك المعماري العالمي الشهير في العراق فيما بعد .. في هذا الصرح تقدم بتؤدة ظلّ عملاق نحو سلم العرش الفخم ذي الدرجات السبع ، وقد أحيط بحرس طوال القامات سمهريين ذوي وجوه سمراء لماعة بفعل العرق الراشح الذي أساله صهد الشمس اللافح في هذه الساعة من وقت الضحى ، كانت وجوها أقرب إلى وجوه أولئك الحبش أو السود العراة الذين زار بلادهم من قبل مقتفيا ضفة النيل بحثا عن موطن صالح لفصيله الذي لا ينتمي إلى قبيلة بنجامين المتحكمة حاليا في رقاب العبريين ، هؤلاء السودان أو الحبش الذين استقلوا حديثا بإقليم أكسوم منشقين عن دولة سبإ الراسخة والذين اعترضوا سفينة هدد, في باب المندب والمنحب في طوافات عشوائية صنعوها من أعواد يمارسون بها القرصنة في المضيق على السفن التجارية العابرة وغير التجارية ويلجئونها إلى الصخور ؛
وحينئذ ينتأ رفاقهم المسلحون بالقسي الخفيفة بغتة من بين تلك الصخور الملساء المغراء الضاربة إلى السواد ، يتصايحون تصابح القردة والمتواثبين بحماس كالندب والنواح في عري كامل إلا من خيوط تشد بعض الأورق والأعشاب على عوراتهم المخجلة ،
وذاك الندب والنحب إشارات بدائية سمجة فهمت بعد ذلك من قبل الملاحين الفنييقين على أنها طلب إتاوة المرور ..
ولذلك سمي هذا المضيق البحري بباب المندب والمنحب..
حرس يتسلحون برماح سامقة في علو قاماتهم الرشيقة تتوجها نصال لامعة في لون معدن الشبهان (البرونز) التي هي من جنس لون جلودهم
وقد تدرعوا بدروع جلدية كافورية اللون في طبقتين ، مزررة الصدور بأزرار مفرطحة مصفوفة كأنها مسامير ذهبية ..
كل ذلك بقصد بعث الرهبة في هذا الظل العملاق الذي أخبرت حامية الميناء أنه سفير أو رسول جاء من مملكة نائية غير معلومة بملبسه الهدهدي العجيب ، وقد ساقه الحرس المتحرك يقدمونه إلى القصر الملكي من ميناء المدينة حيث ترك بقية أفراد الوفد الأطيار مع ملاحي السفينة ذات الطابع الفينيقي المتطور ؛
تركوا يمضغون عشبة السعادة السحرية في بهجة ونعاس لذيذ داهم ، كما تجتر الجمال الباركة في صحراء العرب ثمر الحسك في تنعم وراحة في مباركها الفسيحة ومناخاتها الرحبة ،
وهم يكرعون بخشوع غير مفروض من ماء الهقل الباعث على الاستسلام الناعم للأحساس باللذة الجنسية المبهمة ؛ حيث يطوف به عليهم حسناوات في لون العنب الأسود اللماع..
كانت قد أعطيت للحرس المتحرك تعليمات بأن يحبس الهدهد ساعة في مركبه حتى تتم تهيئة معرض للقوة الرهيبة ؛ إذ لا بد أن يمرر الهدهد مثل كل زائر هام من الأجانب على معرض القوات الرادعة القائم في المدخل الشرفي للمدينة قصد بعث هواجس الرعب فيهم والإيحاء لهم بقدرات البطش لدى المملكة المنيعة . لا مناص من ترهيب نفوس هؤلاء الزوار الأجانب وبعث قشعريرة الرعب في أبدانهم ليكون لهم أول انطباع قبل أن يضعوا أول قدم لهم في بهو الصرح الملكي فهم الزوار الذين لا تعرف نيات وفادتهم وبواعثها .. والحق أن هدد على دراية بضعف المملكة ، فهي لا تكاد تملك من قدرات عسكرية غير هذه القوات المعدة للاستعراض والافتخار ، والمملكة مهددة في أمنها بصفة جدية ، ولا أدل على ذلك من انفصال إقليم أكسوم في العدوة الغربية من بحر القلزم دون ردع أو مجرد تهديد ودون أن تنظم حملة عسكرية لاسترداده..
يتبع
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش