جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
أحس شلمون بخطر غياب الوريث هَدد، وخشي أن يستقوي بالأجانب ويقوم بمحاولة استرداد ملك أبيه طالوت ، فجند رسلا على جناح السرعة للبحث عنه ، ويزعم الزاعمون أنه كتب إليه في سبعين رَقا من جلد العنز وقد تخلى بعد عن عادات السابقين من الربيين ورؤساء بني جلدته في الكتابة على الألواح الطينية ، بفضل الاختراع الذي توصل إليه جن مملكة فينيقيا بصيدون وعفاريتها..
كان الملك الجديد يغري السيد الوريث الهدَد بالعودة ويطمئنه من جهة ،
ويتوعده من جهة أخرى بأن يذبحه ذبحا بعد أن يعذبنه عذابا لا يعذب به أحدا من العالمين ، إن هو ركب رأسه واستمر في تخفيه وتمرده وتفكيره في التآمر على الشرعية المستمدة من يهوه نفسه حتى ولو كان في أجواف موميات مصر وفي مقابر السادة الأعزة في أهرامات مصر الشامخة ، إذا عصى أمر الاستدعاء الملكي ..
وإذا لم يحضر مسرعا ممتثلا لأحكام شريعة الألواح المقدسة التي يرعاها الربي صمويل في الخيمة قبل نقلها إلى الهيكل المزمع افتتاحه .
كان الوريث هدد يعلم أن شلمون الساطع النجم سينفذ وعيده وسيذبحه إن لم يحضر ،
خاصة وقد شكل جيشا من العيون والمخبرين والجواسيس المتخفين كما تتخفى عفاريت الجن وبثهم في كل بقاع المملكة الناشئة ، بل وزرعهم في كل البلدان والأمصار والأمبراطوريات المتاخمة ، يتسقطون أخبار المعارضين ويستشفون اخبار تلك البلدان المحيطة بالأرض الموعودة ؛ أرض فلسطين على حد سواء .
ولكي يلطف الوارث هدد من غضب خصمه الملك المتجدد الشباب صاحب الحظوة المطلقة لدى الربي الكبير صمويل ،
صمويل الذي لم يكتف بتعيينه ملكا بل أمسى يشركه في أخبار السماء ،
وجعله الماسك بمفاتيح القانون الأقدس حين يفتتح الهيكل ..
وتنازل الهدد عن كل طموح شخصي رهبة ، وجعل نفسه جنديا مسخرا في خدمة الملك المتجدد الشباب شلمون؛ شلمون ؛ المسيح المتوج..
وتزلفا أو رهبا أو مكرا أو سخرية .. لا أحد يعلم نيته جاءه متخفيا في هيئة هدهد عظيم ،
وقبل أن يظهر له وجهه بعينه العوراء سافرا من غير قناع ألقى إليه بمعلومات مزخرفة وصلته وهو بمصر ثم ببلاد السودان أكسوم ، عن مملكة مزدهرة تحكمها ملكة أوتيت من كل شيء ولها عرش عجيب ، بأقصى جنوب الأرض اليابسة
أو بالأصح بأقصى اليمين من أرض العرب السعيدة وتسمى بمملكة سبأ ، مبررا غيابه من أرض فلسطين المستباحة التي جعلها رب الجنود والحرب أرضا موعودة ليستوطنها الفصيل المختار من العبريين ، بأنه كان قد قد شرع مبادرا قصد توسيع المملكة الناشئة ولصالحها في مهمة استطلاع واكتشاف طويلة بعيدة الشقة والغور نائية المنتهى والمهوى بلغت به مملكة أكسوم غرب باب المندب والمنحب
وإذ كان الوريث هدد يعلم مقدار حب الملك الماسك بمفاتيح التابوت الأقدس يوم الافتتاح ، للنساء الغريبات خاصة ؛ فالمرأة الغريبة دوما تكتنز جمالا غريبا مخبوءا تحت أعطافها وتحت نبر لسانها ، لا تحوزه بنات البيت المالوفات ، والذي يتردد عليه الرجل أي رجل ، إذ ملأ بلاطه بهن زوجات إضافيات بلغ عددهن فيما يحصي الفضوليون سبعمئة زوجة ، وحور حسناوات فاتنات من أسلاب الغارات والمعارك المتجددة
ـ الحرب في المملكة هي الشرعة الأبدية ، مادام الرب فيها هو رب الجنود والحرب ، وما لم تخربها عاديات الليالي وجاريات الأيام
وفتيات من أسواق النخاسة في بابل وفي قصبة صيدون
ويبلغ عددهن فيما يقول المتقولون ثلاثمئة جارية وفتاة ، فهن جميعا ملك يمين مقتدر ،
فضلا عن تلك السمراء الفاتنة المتفردة مثل ياقوتة في عقد فريد ؛
الملكة الزوجة الرسمية الأولى التي هي ابنة أحد أعزة مصر التي دفع الملك في مهرها ألف جرة عسلا ، وألف سلة بصلا ، وألف بقرة صفراء لا شية فيها ، وألف عبد أصفر من بلاد البرد والجوع ..
دون حساب أوزان من الذهب وأوقار من الملح ، ناهيك عن دنان زيت الزيتون الكنعاني وأوساق البر والدخن والشعير ،
والقافلة العظيمة بجمالها وبغالها التي تحملها بكل ما فيها من حداة وحراس
، مع عقد شرعي مشدد لا يسمح لأبناء الملك الذين تنجبهم زوجات أخرى او تنجبهم محظياته أن يتسنموا عرش الحكم ومقاليد الأمور في الكيان الناشيء الذي اعترف الفراعنة به ؛ على علمهم بعدم شرعيته.. العرش محصور في الأبناء الذين تنجبهم هذه الملكة الفرعونية وفق هذا العقد الغليظ
ليكون محرسا وعازلا بينهم وبين ممالك الشرق القوية التي تهدد جديا دولة الفراعنة الخالدة التي دبت في أوصالها أعراض الشيخوخة..
أخبره من تحت منقار الهدهد العملاق الساخر المصطنع بأن هذه المملكة البعيدة سبأ تحكمها امرأة بارعة الحسن والجمال وتجدر بملك أورشليم بيت حرب ، في الأرض الموعودة ،
بأن يخضع مملكة سبأ المترفة الغنية في أقصى بلاد العرب السعيدة ، وأن يتزوج تلك المرأ المنعمة ؛ حاكمتها مجد قيس الفريدة الجمال ؛ الباذخة ، صاحبة أعظم عرش وأغربه على ظهر البسيطة ، فيكون ملك أسرة إيل بهذا الإخضاع ممتدا من الماء المالح شمالا إلى الماء الأجاج جنوبا ، كما يكون ممتدا من الماء العذب فراتا شرقا حتى ماء النيل السائغ غربا ..
هذه أرضكم يا بني التيه العظيم ..
لكم فيها اللبن السائغ ، والزيت السابغ والشوفان الناقع .."
هكذا إلى شلمون تحدث في منام اليقظة كما في منام السبات رب الجنود والحرب
وأشار شلمون إلى الوريث المتواري خلف قناعه المضحك أن يخرج من ريش الهدهد ، وأن يواجهه ليتحقق من هويته ويتأكد من صفة العور التي وسم بها في صباه الباكر برمية مقلاع من أحد الصبية الأشقياء الذين كانوا يقلدون البطل القومي دافيد في رميه لجالوت وقتله.. لقد فقد كثير من الناس عيونهم في تلك الأيام التي جن فيها الصبية العبريون بهذه اللعبة الخطيرة .. وقال:
ـ أرني عورك أولا ..سأختبر ولاءك وصدقك يا هدد .. سارسل بك سفيرا مفوضا فوق العادة إلى ملكة سبإ هذه لتبلغها من لدني رسالة شعواء حتى تأتيني مذعنة.
وقال هدد موافقا مدعنا إذعانا مفضوحا وهو يخرج من قناعه المشمع المتماسك بفضل صبغ شجرة متعددة الفوائد تخرج بطور سيناء
ـ في خدمتك يا خادم رب الجند والحرب ، يا خادم الألواح المصونة في التابوت ، ويا كبير الربيين في مملكة النبي العبري الأصيل يعقوب ..أرومة أسرة إيل
ولكن الملك الداهية يعترض قائلا:
ـ في عينك غير المسمولة رياء وخداع يا هدد بن طالوت .. شلمون بن دافيد ليس مجرد ربيّ أو حاخام يا ابن طالوت الفقير البخيل الذي بوأه العرش رب الجنود والحرب ثم خلعه ، وحطه من الكرسي بسبب شحه وبفضل مقلاع فتى الفتيان دافيد .. دافيد والدي الذي هو الربي نفسه وراعي الخراف الضالة من أعراق آل أسرة إيل أمثالك..
وخشي هدد من أن يشك فيه شلمون ، فقال خاضعا:
ـ إن رأيت الرياء في عيني الصحيحة فانظر في عيني العوراء الحمراء الجفن تجد الصدق الصراح.. فلتكن أنت يا سيدي ما شئت إذن..إن العبد الأعور الضعيف في خدمتك يا نبي ربنا يهواه وراعينا..
وشعر النبي شلمون وهو العارف بمنطق الطير وهتاف الجن ، وتأوهات العفاريت وشكاوى النمل والصراصير ، فما بالك بتنهدات العبريين الذين يتجشأون بها من صدورهم مدموغة بريح الفول والبصل ولحن القول فيما يلفظون بشفاههم المشربة على الفطرة بالكذب وتخرج مصفرة من بين أسنانهم السوداء ..
شعر رغم كل عبارات التزلف الكريه والتواضع المقيت ، بأن الوارث هدد يريد من طرف خفي أن يهينه ويذكره بماضي والده الذي كان قبل أن يلين الحديد في بيت لحم وقبل أن يحسن الرمي بالمقلاع وقبل أن يقتل ملك العمالقة؛ جالوت الممسح بالزيت ،، لم يكن إلا صبيا لوالده راعيا للعنز والخراف في الروابي الحافة ببيت لحم ، فقال في غضبة ساطعة معترضاعلى منطق ابن طالوت المغتر:
ـ لا تذكر الاسم الأعظم للرب يا أعور.. ألا تدري يا ابن المخلوع كم سال من دماء بين قبائل العبريين بسبب الاسم الاعظم للرب ؟.. .. هذا يقول يهواه ، وهذا يقول إيل .. وآخر يقول : إيلوهيم... ثم لا تقل لي : ياراعينا .. قل يا ملكنا أو قل يا نبي رب الجنود والحرب أو يكفي أن تقول يا شلم ، فاسمي مجردا ومختصرا ومن غير تصغير التحبيب يسع كل هذه المعاني ويزيد..
ـ أجل .. أجل يا ملكنا شلمون ، ويا نبي رب الجنود والحرب ، طارت باصرتي الصحيحة وفقئت مثل أختها المسمولة إن كررت هذا .. أجل يا سيدي شلم..أجل..
وعلى رأس شهر بتمام أيامه وكمال لياليه ، وبعد تجهيز مصالح المملكة للرحلة الهددية أو الهدهدية أو بالأحرى التهديدية ، وبعد تحبير الرسالة الملكية من قبل بلغاء المملكة على رق مخصوص ، وبعد جلب النواتي المهرة الذائعي الصيت وكرائهم بأرفع الرواتب باعتبارهم متعاونين فنيين من الطراز الأعلى جيء بهم من صيدون بأرض فينيقيا المتطورة في الصناعات والمتفوقة في فن التجارة والرائدة في فن الملاحة البحرية ذات الخطوط المتعددة للممالك.. سار الوارث هدد إلى المرسى جنوبا حيث الملاحون الفنيقيون في انتظاره وقد ركب العمََلةُ السفينة التي جيء بها برا من صيدون مفككة ، ليبحروا مع وفده من أطيار شلمون الماسك بأعنة الرياح نحو سابوم عاصمة مملكة البلاد السعيدة ، حيث الملكة الفاتنة مجد قيس تتبوأ عرشها العظيم فيسيادة مسبطرة ؛ وفخامة تناظر ما في بابل من أبراج معلقة ، وتضاهي ما في مصر من أهرام تخترق الفضاء وتناجي النجوم..
يتبع
أبو العباس برحايل..
ساحة النقاش