جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
13
السفير هَدَدُ في اليمن السعيد
كعادتك يا أيوب ، عندما توضع مادة جديرة بالقراءة بين يديك ، تترك كل نشاط وتشرع في القراءة ، وهكذا أجلت عملية الترميم الضرورية وتصنيف الكتب وفق جنسها المعرفي وترتيبها في رفوفها ، وانخرطت بتلهفك المعتاد تقرأ مخطوطة صديقك الخولي..قراءة الجديد لذة لا تعدلها لذة من متع الحياة. ترى من الذي قال وهو منتش باللذة النفسية المصاحبة للقراءة : إذا كان هناك يوم آخر بعد الموت ، وكان هناك جنة ودخلتها ؛ أتمنى أن تكون جنتي مكتبة.."؟..
مما كتب الأستاذ حيدرة في أوراقه المحبرة بيده الماهرة في رسم خط الرقعة الرقيق لكن الواضح كالبلور
:
"..... تفقد شلمون وجوه المعارضة البارزين الذين أخضعهم بالسوط والسيف أو أغراهم بالمنصب والمال والجاه ،
ودعاهم للوقوف على الأشغال الجبارة التي يقوم بها أسراب النمل المسوقين بأشداق خبز الحنطة السوداء والدخن المتفحم ، وبقبضات الشحم الوخيم وبالسياط اللاسعة ،
النمل الذين كانوا الأصل القريب من جبابرة السامرة والكنعانيين المحيطين ببيت حرب : أورشليم ، التي كانت قبل الاغتصاب أم المدائن وتسمى قبل الاغتصاب مدينة بيت السلام ..
أشغال بمساعدة الجن من المهندسين والخبراء العفاريت الذين استقدمهم شلمون من بابل ومن صيدون على قدم وساق
لإنجاز البيت الذي كلف رب الجنود دافيد أباه بتشييده
على أنقاض المعبد المشترك لآلهة الفلستيين والكنعانيين والفنيقيين
فلما أن عجز الوالد ، ولم يتمكن من استحضار الفنيين في الأوان الأول من حكمه
رضي منه رب الجنود ، فيما يزعم كتبة الاسفار المزيفة بهدم المشيد القديم الذي كان تعبد فيه الآلهة بعل وأدونيس وعشتروت وغيرها من الأصنام ،
والاكتفاء بجائزة تخريب المعالم البارزة وهدها ومحو أثرها
لينهض الابن النابه شلم الذي اشتهر فيما بعد باسم شلمون ، ويدعوه بعضهم بسلمون ،
يقوم بدفع الجن المسخر من فنيي فينيقيا وبابل لتشييد معالم جديدة وإضافة بعض الأجنحة للمبنى..
لقد تلقى الابن وحيا أعلى لينشئ لرب الجنود الذي يرعى قبيل أسرة إيل ؛ يعقوب جد إحدى فصائل نبلاء العبريين ؛ هيكلا تقدم فيه ذبائح الشكر والعرفان ، وتحرق فيه شحوم الضأن للحمد والتمجيد عند النصر ،
وتقام له فيه الأدعية والتضرعات والتوسلات والبكاء والعويل في الهزائم ،
مع ما في إقامة الهيكل الضخم من بعد عن التنزيه الذي يفترض لرب الجنود والحرب ومن شبهة التجسيد القريبة من تجسيد العبادات التي تجري في معابد الشعوب الوثنية
ومن صوغ العجل الذهبي السامري الذي يخور
والذي صيغ في فترة التيه الأول أثناء غيبة النبي موسى ، في سفرته السرية المقدسة نحو جهة مجهولة لصنع ألواح شريعة رب الجنود والحرب وطبعها قبل أن يعود إلى قومه من سفرته الغامضة
ويحطم منها قسما جراء غضبته الساطعة العرمة لقاء ما اقترفوا من إثم العصيان ومن جرم عبادة العجل الذهبي المقلد لأرباب القبائل المجاورة ، ضاربين بعرض الحائط باليمين التي أقسموها ، وبالميثاق الذي عقدوه مع رب الجنود ؛ رب الحرب الذي حارب معهم ونصرهم ، وشد في أيام الشدة من أزرهم وعضدهم وخلصهم من عبودية فرعون لهم..
ومن المشكوك فيه أن تكون إقامة الهيكل بأمر من الرب الأوحد المقيم في عرش الخفاء ، المنزه عن كل تجسيد ،
ولو كان الهيكل المزعوم من ضرورات الدين الموحى في جبل طور سينين لقام كليم الله موسى وأخوه هارون بتشييد مصلى ؛ ولو في صورة بدائية في تلك الربوع الخوالي من أيام التيه ..
وإنما رأت العصبة المغتصبة من القبيل العبري أمام شلمون أن تقيم مشيدا جديدا على أنقاض المشيد المدمر عنوة ليكون الهيكل الجديد مظهرا من مظاهر الحضور الرمزي والسيادة لسلطة الكيان الجديد وتجسيدها في المدينة المغتصبة لتيئيس جمهور النمل وجيوش الصراصير المتأخمين حول المدينة /الحلم من الفلستيين والكنعانيين من كل وجودهم في المدينة مستقبلا،
ثم ليكون المبنى المحتفى به ملاذا وصونا للتابوت العظيم الموقر الحافظ لقدس الأقداس ؛ بقايا ألواح الشريعة التي جاء بها موسى النبي ابن عمران من جهة مجهولة إلى جبل طور سينين بعد الجلاء الأعظم من مصر وأثناء سنوات التيه الكبير من بعده ..
يقال إن تلك الألواح إنما صنعت على الطريقة نفسها التي صاغ بها حمو رابي شريعته في بابل ،
وألواح موسى إنما هي صورة معدلة فجة لتلك الشريعة البابلية العظيمة .. لقد أوشك بناء الهيكل العظيم على الانتهاء بعد أربع سنوات ،
وقد نقل إليه من جبل لبنان خشب الأرز والسرو.. ."
انزعح شلمون وأرعبه غياب المعارض البارز الوريث هدد بن طالوت ،
أي ابن الملك الذي بعثه رب الجنود والحرب ليؤسس المملكة للعبريين ، المعارض الذي قيل إنه فر نحو بلاد مصر ثم نحو بلاد السود أكسوم النائية عقب الترتيبات التي أرادها الربي صمويل،
فأطاحت بطالوت الذي يملك العقل والقوة والبسطة في الجسم ، ولكنه يفتقر إلى المال للإنفاق ،
وجاءت تلك الترتيبات بدافيد الحاذق المالك للنعم لورشات الحدادة وصناعة السلاح ؛ والذي قتل جالوت ملك الجبارين .. دافيد الذي يحسن الرمي بالمقلاع..
دافيد الذي صرع جالوت رئيس عمالقة الكنعانيين بحجر دفعه بمقلاعه الذي كان ينافس به ويراهن على الحملان وعلى الرماح مع أقرانه ورفاقه من الرعاء والحراثين والقانصين في إصابة الأغراض ،
ويذود بمقلاعه كذلك عن قطيع والده ضد هجمات الذئبان واللصوص.
لقد أوحى رب الجنود والحرب للربي النافذ صمويل في الفترة التي خلت من الأنبياء بما يلي:
" إن دافيد صار كذلك الأكثر قوة في الجسم والعقل ، وأنه هو المعول عليه ليكون الملك والمؤسس الفعلي لكيان العبريين في أرض تلك الشعوب المغضوب عليهم ؛
شعوب من النمل والصراصير ؛ السامريين والفلستيين والكنعانيين ، والذين يعتدون أنفسهم أصحاب أرض المدائن والقرى المغتصبة ، بما فيها قصبة المدائن التي كانوا يسمونها "بيت السلام"
فهم ليسوا لا في مدهب عصبة شلمون ولا في خاطر الربيّ صمويل سوى صراصير مزعجين بصريرهم وزطيطهم المبرح أو نمل شغال ؛ بسبب كثرتهم ودبيبهم ونشاطاتهم التي ربما تنهض بها همة هي الآن نائمة فتستيقظ ذات يوم فجاة وتنبثق من وسطهم في أي لحظة فتطرد وتجلي شعب رب الجنود والحرب من الأرض التي وعد بها بعد التيه العظيم أو تلقي به في ماء اليم المالح قرب أريحا ..
إن دافيد هو الرجل الذي يملك القوة والحيلة والكيد والحكمة وإرادة العمل اليدوي ، ويضاف إلى ذلك صفة التقوى تجاه رب الجنود والحرب ؛ والتي يتحلى بها من خلال الخضوع المطلق لشريعة الألواح وسلطة الربي صمويل..
غمس صمويل الربي الضليع في المؤامرات والنافذ الكلمة بدن الفتى النابه دافيد في زيت الملك ونصبه مسيحا متوجا بإكليل من أغصان زيتون الكنعانيين والفلستيين المقهورين ،
لكن داوود لشقوته ؛ شأن كل فتى ناشيء في حياة البراري وفي عفاف اليد وإن تخلى مؤقتا عن قطيع العنز
، ظل يتردد على ورشات الحدادة طوال فترة حكمه
ليليّن الحديد ويشكل من زبره السائل كالعجين تحفا فنية في أشكال من الدروع والخوذات وأسنة الرماح والجفان والأوعية والماعون ..
وقد آل على نفسه ألا يأكل إلا من عمل يده وبما تدرّه الورشات من أموال ، وقد شرعت تجهز الكيان الناشيء بالأسلحة الفتاكة من دروع وسيوف ورماح..،
ويمارس رمزيا بعض الزراعات كالفول والبصل على غرار فعل أبناء الأرض الأصليين من النمل والصراصير كما يسميهم العنصري الاستئصالي الربي صمويل وعصبته
والذين ما انفكوا يقيمون في خيم كبيرة مع أسراب من طير الخيل الجياد خارج أسوار المدينة ،
نصبوها يوم الغزو الأكبر الذي قتل فيه جالوت فوق هضبة من جبل صهيون المشرف على المنطقة..
يتبع
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش