12

لبست النظارات  من جديد ، وطفقت تقلب الصفحات ، ثم سرعان  ما شرعت تقرأ بلهفة  ما خط  صديقك الخولي ـ وهو رجل لا ديني ـ  

لا يفسر  الدين  وظواهره  إلا في المنظور التاريخي  وسيرورته البشرية  فيما تفهم من مناقشته ، وهو رجل مسيحي  الأصل ،  اضطر في  السبعينيات  أن يشهر  إسلامه  في المسجد العتيق بحي فيض القطوط  أمام جمع مهيب من المصلين ،


وكان إسلامه بغرض استكمال  إجراءات زواجه من  جهيدة  بنت  جعفر  بوحدبة  وقد اشترط عليها أهلها لكي يقبلوا بهذا الزواج أن يعلن الخولي عن إسلامه.

جهيدة  صديقة حميمة  لزوجتك الطاووس  وترتبط  معها بصلة قرابة  نسوية بعيدة  تقول إنها  عمة خالة أبيها  بنت أخت  عمتها..

وأنت وإن  أخذت  من كل الاتجاهات الإسلامية   ،مستنير ؛وعلى العموم ؛ باديسي الاتجاه ،

 تتعاطف  مع الأستاذ  حيدرة في مناحي أفكاره الإنسانية ، دون أن تكون من مذهبه اللاديني ..

كان  الخولي  إلى عهد قريب  من المنافحين عن  القومية العربية ، في نطاق مشروع  حزب البعث  في شقه المنحاز  لميشال عفلق  الذي رحل  عن سوريا  إلى العراق ،

وقد قدّم   مع بعض رفاقه  الجزائريين العروبيين ـ حين فتح المجال لتأسيس الحزبيات الفطرية تشويشا على  جبهة التحرير الوطني الذي كانت قواعده ترفض تجديد الترشيح  لرأس الكرمبة ـ

قدم  ملفا  لوزارة الداخلية  قصد تأسيس  فرع  قطري  لحزب البعث  العربي  القومي في الجزائر ،

وسعى من أجل ذلك  حتى حفيت قدماه

، لكن السلطة  في الجزائر  رفضت  الملف  لمخالفته  الصريحة  للتشريع  الساري  المفعول  الذي  يمنع  إنشاء  أحزاب  لها امتدادات  أجنبية  وتحمل أسماءها ،

وفي الحق لم  يكن سبب الرفض هو هذا ، بل لأن هذا الاتجاه ضحل في الجزائر  وإلا فقد قبلت أحزاب تتاجر بالدين ، وأخرى تتاجر بالجهة وبالعرق، وغير ذلك  واعتمادها كان خنوعا من السلطة   لسطوة تلك الاتجاهات  العبثية وغير الدستورية على مستوى الساحة السياسية..

أنت أيها الصابوري  تتعاطف مع البعثيين  قبل أن يحل بالمنطقة العربية  ماحل بها من عواصف  ورياح  غير مفهومة  المصادر ولا  معلومة الاتجاهات ،

 باعتبار الجزائر بلدا  ذا توجه  عربي إسلامي  في حضارته ،

ولكنك  لا تشاطر البعثيين   في مسعاهم الخيالي  الغيبي  الطوباوي  الداعي إلى وحدة  عربية  مركزية  رغم أنف لقطاء  العرقيات  الضيقة  النامية كالفطر من المحيط حتى الخليج ،

وخاصة عرقيات الجزائر الذين يرفضون  للبلاد  عروبتها وإسلاميتها  متمسكين  بقشة أسماء من الماضي السحيق المدون  باللاتينية  القديمة ،  والذين لا يشاركونهم  في أي فكر  أو مغزى  أو دلالة  من دلالات الحياة الحاضرة ، ولم يقع أي لون  من ألوان التواصل  معهم ، إذ  لا يكفي الاشتراك  في مكان ما؛  لادعاء  التقارب و الانتساب  وهو شأن المستأجرين  المتتابعين لعقار  من العقارات ..

التسمي اليوم  بأسماء  المنقطعين  عنا  بعشرات  القرون  وإحياء أسمائهم  وإلصاقها ببعض الأطفال  أمثال ماسينيقا ، وطينهان ، وجوقرطا ، وجوبا الخ... تشبث بنسب  كاذب .. أشبه بالنسب الذي يدعيه اللقطاء..إذ لم يحدث أي تواصل  فكري أو لغوي  أو روحي  أو تاريخي  يشفع بإحياء هذه الأسماء الغريبة ..


وهي أسماء  غير متحقق حتى من نطقها البربري ،  ومن غير مآثر  باقية في وجدانات شعوب وقبائل هذه الأرض،

فليس ثمة أي مأثرة  ولو كانت متواضعة ترويها الذاكرة  الشعبية  عبر السنين لمثل تلك الأسماء..مما يدل على الانقطاع البات بيننا وبين تلك الأسماء

ولذلك لا تستحق تلك الجعجعة الصاخبة   التي يثيرها تلاميذ  لافيجري وغيره  حولها

ويريد  حواريو الآباء البيض الاستعماريين ووارثو فكرهم  الضارب على وتر الأعراق  لتفكيك لحمة  الشعب ، ويقترحون تلك الأسماء الهمجية والجاهلية   بدائل  عن شخصيات  التاريخ  الإسلامي  الممتد عبر القرون دون انقطاع  في هذا الشمال الإفريقي المسلم ..

أجل ، أنت  لا توافق الوحدويين  العروبيين  في أسس  بناء  هذه الوحدة العربية  التي حدثت  يوما  بين  مصر وسوريا  أيام عبد الناصر ، وتفككت  بالسرعة التي  تشكلت بها  وبالارتجال ذاته ، تلك  الوحدة القائمة  على أهازيج  شعر الأحلام ، وتكتفي بالتغني بالعواطف  التي لا تراعي الواقع الحي الصلب  في أبعاده المختلفة  ولا  الوجود الثابت  في نسيجه  المتشابك المحبوك .. وأنت ترى  أن  أمام كل مسعى  جدي لوحدة ما اليوم  هو مارسمته  أوروبا  من طريق  لكل وحدة  إقليمية  موضوعية ، تضع الأسس  المادية  والمنافع المشتركة  أمام  كل الشعوب  والجماعات  التي تهفو  إلى التقدم  والازدهار  وتريد  من أجل ذلك  أن تدخل  في نوع  من التجمع  والتعاون  النزيه   المتواضع  الذي ييسر تنقل  الأشخاص  والأموال  والسلع والأفكار  والمبادرات الحرة ، ويسمح بتدفق الحياة  في شرايين  الكيان الجعرافي الجديد الواسع  في كل النشاطات الحيوية  للسكان  وكل جوانب الحياة بعيدا  عن كل احتكار أو انكفاء  أو شوفينية أو  هيمنة  أو ادعاء  زعامة..ولم تعد الغاية  من أي وحدة هي تجميع القوى والاحتشاد  من أجل  الهيمنة أو في سبيل بناء امبراطوريات  لا تغيب عنها الشمس  باستعباد  شعوب لأخرى  أو باستغلال ثروات أمم من قبل أمم أخرى  أو غير ذلك من الظلم  والقهر والتعسف .. بل  كل تجمع اليوم  لا ينشد  غير  مزيد من الحريات  للأفراد  والجماعات  وانفتاح  المزيد من  الفرص  في كل  المجالات للنمو  والتطور والازدهار..

ماذا يعني صديقك  الخولي  بمثل هذه العناوين  " من مزامير شلمون"؟.. أو " سُوَر من زبور  شلمون"؟.. ترى لماذا اختار  اللفظ  الأجنبي الغريب " شلمون"  على اللفظ العربي

"سليمان"؟.. مع أن الرجل  عروبي  ويمجد  كل ماهو عربي ؟..

توقفت أنت  عن القراءة ، وانتبهت إلى أن الرجل  المسن  قد يداهم محلك  في أي لحظة  

لاسترداد  هذا المخطوط النفيس  الذي لا بد أن يكون مدسوسا  في الكتب  التي حشرها  في الحقيقة  في لحظة انكسارأو توتر  أو غفلة ، فلم يدر ما شحن  في الحقيبة .. لا بد أن تستنسخ  أنت  المخطوط  لتحظى بقراءته  في هدوء  واطمئنان  حتى ولو استرد  هو هذه النسخة الأصلية ..

ثم إن نزاهتك الفكرية  تحتم  عليك أن تخبره طبعا  بتصرفك..

ولأنك من أولي العزم  الذين لا يؤجلون عمل يومهم لغدهم  لففت بنفسك  المخطوط  في جريدة قديمة  وأدرت أنت  المفتاح  في الباب الزجاجي  الداخلي للمحل ، ورحت أنت على عجل  تسعى بحثا  عن مستنسخ  وثائق ..

لديك آلة  أستنساخ  ما أكثر ماتعطلت ، وما أكثر ما أرهقتك  سعيا  في إصلاحها  فتخليت أنت أخيرا  عن معاندتها  واسترحت من تلطيخات  حبرها ، لقد قهرتك فأحلتها على التقاعد .. ما يكتبه الخولي  جيد  وجدير بالقراءة دوما  بسائق طابعه الإنساني  الرحب  ، حتى ولو اختلفت أنت   معه  بعد ذلك  في تفسيره  للظواهر البشرية  في أبعادها التاريخية  الخفية..

              الفصل الثاني 

يتبع

أبو العباس برحايل 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 156 مشاهدة
نشرت فى 6 أغسطس 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,941