جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
كانت القوات المستنفرة للعرض تتشكل من صفوف كبيرة من الفيلة المدرعة بأجلة سوداء من جلود ثيران بلاد السودان المتاخمين لضفاف نهر النيل ، ومن قطار طويل من الجمال المعلمة المستعدة التي تتحرك بصبر من غير توقف ، ومن أسراب خيل الصحراء العدنانية الموسومة، دون نسيان استحضار أقفاص مزخرفة ترسل منها الأسود الضارية زاراتها المزمجرة الصاخبة ، ولم تخل ساحة العرض من عربات بابلية تجرها ثيران مجنحة مقدسة مجلوبة من شبه جزيرة الهند في الأفلاك الضخمة ، ولم يبعث الرعب في نفس الهدهد غير صف هذه الكائنات المجهولة ذات الخراطيم الطويلة ، وكذلك العربات المجنحة وزأرات الأسود الهائجة في أقفاصها .. أما الخيل المسومة والجمال المعلمة فعهده بها طويل في بادية مدين وفي صحراء سينين ، ومع ذلك كون فكرة راسخة لا يجانبها الصواب كانت في ذهنه من قبل ، وهي أن هذه القوات لا تعدو أن تكون للتخويف الصبياني الأجوف وللزينة واستعراض المفاتن على غرار ما تفعل البغي أكثر مما هي للحرب وأوقات الشدة..
في قاعة الخورنق الكبرى إذن، استعد الحرس الثابت الملازم لخدمة الصرح في استعراض، واستأخر عن الهدهد أو الظل بالأحرى بخطوات إلى الوراء في صف مرصوص منتظم ، وقد وقف ذلك الظل الذي يضع على رأسه خوذة تنتهي بريش منضد ناجم نجوم ريش منتفش منتصب نحو السقف كما لو كان تاجا من تيجان الهنود الحمر ، ويلبس على كاهله العريض قفطانا مشدودا إلى أعواد داخلية على غرار الأعواد التي تشد الخيام أو على غرار الأسلاك التي تمسك بالشماسي، ليرسم جناحي طائر عملاق بلون ريش الهدهد المتموج في لون مخطط بين البياض والسواد وقد ترك ذقنا تتدلى منه نبعة من الشعر الغزير الكثيف الرمادي ،
فيشكل ذلك منقارا ناتئا
مثل منجل مقوس مفتوح
وبرز الظل كله في هيئة طائر ضخم كأنه طائر الهدهد بالتمام والكمال ، ولا يكاد يختلف عنه في شيء باستثناء الحجم ..
تأمل الظل القاعة الفسيحة ، لكن اندهاشه بلغ شأوه وهو يرى عرش جلالة الملكة قائما بذاته ، كما لو كان صرحا مموها من ذهب داخل الصرح العظيم وقد انتهى طرفاه برأسي أسدين يزأران في صمت من خلال ضحكهما الكاشر حتى كاد ينسيه العرش بفوهتي شدقي الأسدين وبأنيابهما البارزة كالحراب .. وحول باصرته الصحيحة عن الأسدين ليتملى الوجه الصغير لجلالة الملكة الفاتنة باسمراره الفريد وأنفه الأقنى الدقيق ولمى الشفتين العذبتين الجاهزتين لتلقي أحر القبل وأشهاها ، لا سيما مع كل هذا الجلال وهذه المهابة ورموش العينين الحادة حدة السيوف الهندوانية المجلوين بكحل عربي لماع .. ولم يمنعه الانبهار أن يتفطن إلى أن ذلك الحسن المسرف مجلوب بتطرية وصناعة ، ولكن الحسن المهيب موجود جبلة وأصلا زادته التطرية إشراقا والصناعة بروزا
وكل ذلك لم يمنعه أيضا أن يكتشف فيها أعراض الحمل ،
وأن الملكة مع كل هذا الجلال والجمال حامل
تجري عليها نواميس الطبيعة التي تجري على سائر النساء العاديات..
ولما رآه الوزير فاغر الفم رغم التمويه سارحا في تاملاته المندهشة وقد أنسته مهمته أبهةُ العرش وجلال الجمال العربي الذي يكتنف الملكة ويحيط بها من كل جهة ، ولم يجد الوزير غير أن ينبهه دون أن يدري إن كان هذا الهدهد المنتفش يفهم ما يقال له:
ـ ما تراه يا طائر الهدهد يعبر عن عظمة وجلال ملكتنا مجد قيس وعن فخامة مملكة سبأ ، ولا شك أنك قد رأيت منذ قليل ما يجسد بأسنا وبطشنا ويعبر عن قوتنا فأرعب فؤادك الطائر وأنساك لبك الذائب..
مسح الظل الطائر لحيته وعنفقته العتيدة مستعيدا رباطة جأشه وقد تذكر مهمته وأخرج من أحد جناحيه المنتفخين رَقا ملكيا ملفوفا .. فض ختمه بنفسه كما تقتضي عوائد تلك الأيام أمام الملأ وبسطه بحركة ماهرة وراح يقرأ الكتاب المسطور في الرق المنشور بلهجة رسمية رتيبة تخلو من الانفعال ، ولكن بلغة أعجمية مجهولة منكرة ، علمت الملكة الجليلة كما علم المجلس الموقر فيما بعد أنها لغة المنشاه العبرية ..
تنزل الوزير حضر قيس الذي كان واقفا كالقزم في الدرجة الرابعة بجانب العرش العظيم ،
وأخذ من يد الهدهد العملاق الرقاع وتأمل فيه متعجبا من هذه الحروف والأشكال السميكة شبه المسمارية ،
وقالت الملكة الموقرة من أعلى العرش بغضب فيه سخرية ، ومع ذلك بصوت رنان لا يخفي مقدار ما فيه من شباب وجمال وجلال:
ـ ليس هو إذن من فينيقيا كما استخلص الحرس من شكل السفينة ، أنظر لنا يا حضر قيس أحد المتصرفين في الألسن ، أو مترجم ما يصدر من بين الأسنان والشفاه ليرى لمن يكون هذا الظل المتنكر في هيئة الهدهد الصغير المتراقص في البراري..
لكن الظل المتخذ هيئة الهدهد بادر بنفسه يترجم محتوى الرق بلغة حميرية صحيحة مفهومة ، لكن بلسان فيه رطانة العجمة قائلا:
ـ هذا الخطاب يا ملكة بلاد العرب السعيدة ويا سيدة العرش العظيم العجيب هو نبأ عظيم من نبي العبريين في بيت حرب ؛وملك سائر فلسطين شلمون بن دافيد ،
والخطاب توقيع من توقيعات حكام الأرض
من الأقيال والفراعنة والأشياه والملوك والقياصرة والرؤساء والطغاة والمهراجات والأعزة والمزاربة والدهاقنة ،
وإنه:" بالاسم الأعظم المحجوب لرب الجنود والحرب ،
أنتم يا حكام هذه البلاد عليكم أن تتواضعوا لسلطاني ،
وأن تأتوا إلى بيت حرب: أورشليم خاضعين ، مستسلمين
قبل أن تلقى على رقابكم الأغلال ، وتنكبوا على وجوهكم فتعفر في التراب فتكونوا لنا عبيدا ."
عمت لحظات من الصمت الرهيب قبل أن يبادر حرس أحد أعوان الحرس بأخذ خوذة الهدهد المتعالية الريش التي كانت تزين رأس السفير المتبجح ،..
أخذها بطرف سنان رمحه العسجدي أمام السلم المهيب الذي يفضي إلى سدة العرش
فتطايرت كبريات ريش النعام العظيمة منفصلة عن الخوذة
وافتضح السفير وقد بدت صلعته الملساء براقة كالمرآة التي تتخذها الملكة في بيت الزينة ،
وقال الوزير حضر قيس القزم في وجل ، وهو يسترق النظر إلى جلالة الملكة يختبر ردة فعلها تجاه ما قام به عون الحرس الجريء مبادرا بنخوة وكبرياء من غير تكليف من أحد :
ـ أجدت يا نواس ، وأحسنت جزاء هذا الهدهد المتطاول على ملكتنا المعظمة مجد قيس ، وعلى مملكة سبإ ذات الصيت الباهر والبأس القاهر..
يتبع
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش