7

صار واضعو العقال  العربي على رؤوسهم  الصلعاء  المغطاة بشعور سوداء مستعارة  في الجزيرة العربية  هم المتحمسون   لاستجلاب  القوات الأجنبية  لحماية مؤخراتهم المترجرجة  ،  ولحماية  ممالكهم وإماراتهم الكرطونية ، ولتسييج الربع الخالي من العقل  والغارق في التهام  زهر اللوتس  والقات والحشيش  بالعمال الأسيويين  صونا لهم من شعوبهم ،

ثم الاستقواء  والتنمر على الغير  والتحرش  تحت حماية المارنز  الأمريكيين  بإخوتهم  من  المتردين   المتهالكين مثلهم في وهدة  تقليد الإمارات و الممالك  الغبية  في توريث  الأوطان  لأبنائهم  أو التحرش البليد بجيرانهم  العجم  ممن يملك مشروعا  مستقبليا  ويتطلع  إلى إرساء  البناء الوطني على أسس العلم والتكنولوجيا  كما في بلاد الخميني  وإلى الديمقراطية  والاستقلال والتقدم  وفق ضرورات العصر  ومقتضياته  بعد ذلك كما في بلاد أتاتورك  وأردوغان..

   صارت كلمة  البعث في العراق  تهمة  وشتيمة  من أقبح الشتائم  وأحط الرذائل ، لا لشيء  سوى لأن صدام  استعمل البعث  تكأة  ووجاء لإطالة أمد حكمه المستبد ، وصارت  عبارات  القومية  العربية  أو الوحدة العربية  نوادر ساخرة  من نوادر جحا المضحكة  والمبكية سيان.."

   كان الأستاذ حيدرة   قد استولى عليه  الغضب  الأسود  فتدفق يخطب  باللهجة السورية  ولا يريد أن يسكت  ، وقد نسي تماما  تلك الكلمات والألفاظ  من اللهجة  الجزائرية  التي يتعمد استعمالها  تعمدا  ليثبت تأقلمه  ورسوخ قدمه  في البلد  بحيث لا يستنكف  من استعمال  بعض الكلمات  المقلوبة  من قبيل "معهم" التي تغدو هنا "عماهم " ومن قبيل  الغين التي تنقلب  إلى قاف  وتصبح عبارة مثل " غير هنا"  قد تحولت إلى "قير هنا" ...

ولم تعد يا أيوب قادرا  على الإصغاء إليه  ولا أن تفهم ما يقذف  به فمه  

وقد صرفت عقلك  عنه ، فكان منشغلا  مركزا  على هذه الموجودات  فوق طاولة المحسب ، وقد نسي هو ذاته ما جاء من أجله ،

فقاطعت أنت  غضبة   رعده الراجف  وقلت تشكو :

ـ أعرني  أذنك  لحظة يا أستاذ  حيدرة

..

يا أبا بشارة  ماذا تريدني أن  أصنع  بهذه الرمم البالية ؟ ..

تنفس  على واقع الحاضر الصلب المحايد ، وقد اكتشف  أن خطابه الصاخب  المنفعل كان  في فراغ  بئر جوفاء  ليس بها ماء ،

فعاد لتقع عيناه  الغائرتان  على كومة  كتبه  وقال في خيبة  مسار حياة  بكاملها  ومصير فكر بتمامه ورمته:

ـ جئت بها إليك  يا أبا الرضوان  ، لتصلح وترمم  ما يمكن ترميمه  وعرضه برسم البيع .. لآ أريد  منك الآن شيئا ..

بع بالمزاد  ولا تتردد  في البيع  للمزايد الأول  ؛لا الثاني ولا  الثالث  ولو بالدينار الرمزي..

ـ يا أستاذ حيدرة ..من تظنه يزايد  على خردة  أشبه بنفاية؟..

لم يكن الأستاذ حيدرة  يفهم ما تعنيه أنت يا  أيوب   فقال في حدة مستشيطا غضبا:

ـ في قلب النفاية  قد تجد  ألماسة تلمع..

ـ وقد تجد خـ... يصفع..

ولم تكمل  اللفظة  الخبيثة  احتراما للمادة الفكرية  للكتاب  أيا كانت طبيعة الكتاب ،

فأنت  تقدس  الكتاب  تقديس يفوق تقديس الخبز ..

وخرج بكما الحديث  إلى جوانب شتى  من الشؤون ، وشكا إليك  ابنه  الذي يسميه غسانا

 أما  أمه  جهيدة  فتسميه باديس  وكذلك طاووس الحنان زوجتك  ؛ تناديه باديس  :

ـ إنه مدمن..

باديس  عاش شطرا  من حياته الأولى وهو صبي   في بيتك ،

أيكون  هذا الحديث  نوعا من اللوم  المبطن  عن سوء التربية  التي تلقاها  منك الصبي ؟.. وقلتَ أنت   توصي في حرج:

ـ  هو خريج  جامعة ، عالجه بالحسنى ، سواء  لدى النفسانيين أو في المستشفى  إن اقتضى الحال ؛ أوعليك ان تعجل في  أمر زواجه .. سمعت  خالته  تتحدث  عن صبية تسايره وتلازمه سرا وعلنا  ..

أخطبها له  واربطه بها .. هذا الحل المثالي..

ـ لا أعني  يا أيوب  هذا .. إنه  منغمس  في ملاحقة  مواقع الشبكة  العنكبوتية  المتاجرة  بأفيون الغافلين : الديانة ، وتدعو  إلى سفك  الدماء  تحت  ستار إحياء  الركن  المغيب في الإسلام "الجهاد". المشكلة  أن جهادهم المزعوم  يريدون أن يخوضوه  في البلدان الإسلامية ذاتها .. يريدون أن يعيدوا أسلمة  من هم مسلمون  أصلا  وفق  فهمهم  المحنط  للإسلام الساكن ..

0000

في الغد بعد  العصر ، وقد  عدت أنت ؛ يا أيوب  من قرية  مرجة أيميس  بعد أن  دفعت أنت  الغرامة  لدى الخزناجي  في المدينة  وسافرت كي تبلغ الوصل بالدفع  للدرك الوطني  في أيميس ..

رفعت أنتَ بنفسك   ستار الزنك  الرمادي  عن واجهة المحل ، وشرعت  تفرز بقية  كتب الأستاذ حيدرة  التي تركها البارحة  مكومة  تقريبا  على طاولة المحسب ..

لقد تخلى  باديس ابن جهيدة  أو بالأحرى  غسان بن حيدرة  عن مساعدتك  منذ أن تم توظيفه   فيما يسمى بالشبكة الاجتماعية ؛ ألحقوه  بإدارة مؤسسة مالية ، وهو لا يكاد  يعمل شيئا مفيدا ، لأن تكوينه تقنيا  ساميا في النفط  لا يناسب  البتة  وجوده في تلك المؤسسة المالية ، ثم إن المستخدمين  لا يسندون إليه  المهمات الجدية والمجدية ،

إنه في بطالة مقنعة  ومفتوحة ، وأغلب ساعات  الدوام لديه  يقضيها  مبحرا معربدا  في الشبكة العنكبوتية

ـ في حال من الإدمان كما وصفه والده ـ  وهو يقبض مقابل ذلك الحضور المخزي  الشكلي  والدوام  المقيت  الذي هو أقرب إلى قتل العمر  هباء  منحة ب 1500دينارا

..

كان قبل ذلك  هو الذي يداوم  في المكتبة  أثناء غيابك .. وهو الذي سعى  لتزويد المحل  بخط الأنترنت ..


وفي الواقع فإن الانترنت هي التي رغبته  في المحل  وجعلته يداوم لك  ساعات متطاولة عند اضطرارك للغياب ،

يزعم أنه  يتصل  بحثا عن منصب عمل في حقول النفط  والغاز  بالخليج .. الأجور هناك  خيالية  لمن  يبتسم له الحظ ..

أنت لا تفقه  شيئا في ذلك العالم  الإلكتروني  المعقد  وإن لم تكن تستطيع  حتى  منجرد الدخول  للمواقع ، فما بالك  بالإبحار  في تلك العوالم  الصاخبة ..

باديس  نفسه  هو من لقنك  بعض المبادئ ، وصرت تتصفح  بعض المواقع  الخاصة  بالمكتبات  وبعالم الكتب ..

الفتية  والشبان  أمثال باديس  يتحكمون في هذه التقنيات  ببساطة متناهية ، ويستوعبون  بسرعة مذهلة

 وذلك  ما تفتقرون إليه أنتم  أيها الشيوخ ..

صديقك  الأستاذ حيدرة  مايزال يكتب  بالقلم  ولا يستعمل الحاسوب بالمرة .. لكن الشبان غالبا ما ينتهون تائهين  في ذلك العالم  الافتراضي الصاخب

وهاهو الأستاذ  حيدرة يشكو  إليك  ضياع  ابنه  بين المواقع الداعية  للكراهية  والتشرذم  المذهبي  والقتل باسم الجهاد

لمحت أنتَ يا أبا الرضوان  ظلا يقف  أمام الواجهة  متلصصا  كما لو كان يتفحص معروضات  من وراء الزجاج

لكنه كان من حين لآخر   يتطلع مشرئبا بخطم خنزيري  مفرطح  هو جل رأسه  تقريبا  نحو الداخل  ليرمقك

 ويرمق كل ما في داخل المحل، ومع  ذلك يتوارى مثل اللص  ولا يريد أن يدخل ..


رفعتَ أنت  عن عينيك نظارات  القراءة  التي كنت  تتصفح بها  كتب الأستاذ حيدرة ، بدا لك  بوضوح كاف من زجاج  الواجهة  الداخلي المقعر خطم  عـُفر  بنابيه البارزين ،

اندهشت أنت  للأمر وسعيت أنت   نحو الواجهة  تستجلي  ما الخبر؟. لم يكن  هناك شيء ماعدا  أحد الأشخاص ؛

أعطاك  بظهره  وراح يخطو بسرعة يتخفى  بالشجرة  الهرمة  التي  تزين الرصيف الضيق  الذي  ما زالت أشغال  تبليطه  قائمة ، لكن المئزر القصير  المتسخ  الملطخ بلون الدم الأسود  أنبأك  عن  هوية صاحبه .

 

إنه جارك اللدود  هناك في مرجة أيميس  العفر الغندور  بن قزوان بن قزوان  .

ما الذي جاء  بالغندور العفر  من القرية  النائمة؟.

هل كان يقتفي أثرك  طوال مشوارك  على  مسافة أربعين كيلومتر دون أن تتفطن لملاحقته لك؟..

وما الذي يريد  الآن  بعد أن أشبعك  ضربا  برفشه  في تلك الأمسية  الرمضانية ،

ثم ألحق بك أضرارا  مادية ومعنوية  فادحة ؛

منها أنه سوّد لك بذلك  الحكم القضائي  التعسفي المتسرع  صحيفة السوابق العدلية التي تخصك

 وألحقك برتبته  الوسخة لكي تكون صاحب سوابق عدلية قذرة  مثله؟..

يتبع

أبو العباس برحايل 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 98 مشاهدة
نشرت فى 24 يوليو 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,946