6

أنت لم تفهم قط  تلك القرابة..مع أن طاووس حاولت مرارا  أن توضحها لك بلا جدوى  ،

ولهذا  تتبادل  العائلاتان  الزيارات ، وتستقبل في بيتك  الأستاذ  حيدرة الخولي  مع حرمه جهيدة  استقبالك لصهارك ، كما يستقبلانك  في مسكنهما  بحي  فيض  القطوط ، المقابل  للمسجد العتيق  الذي  كان إمامه هو والدك ..


بل إن طاووس  حين أنجبت  قريبتها  جهيدة  بطريق الخطإ في الحساب  ابنها الثالث  غير المرغوب فيه  الذي سماه والده  غسان ، وأما أمه  جهيده فسمته  باديس  ،

ثم  استقبلته طاووس بسرور  مصممة أن تتبناه  وأن تتخذه ولدا  لولا أن صدر في ذلك الحين  القانون الذي يمنع  التبني  ويؤسس  لقانون التكفل  بديلا ، وحينئذ تراجعت  طاووس الحنان  عن التكفل  عقليا  على الأقل ، فالولد لا يحتاج  إلى التكفل  في رأيها  ، إذ أبوه حيدرة  أستاذ مرموق  وأمه معلمة .. والتحق  الولد فعلا  بأسرته  الأصلية  بعد التحاقه  بالطور الثالث من التعليم الأساسي ؛

 لكنه ظل يزور  خالته  التي يناديها أمة طاووس  من حين لآخر ، وتلح عليه ان يناديها بهذا  الاسم القدسي وإن كانت  طاووس قد دخلت  في حالة من الهياج  الوجداني  ومن تفكك وحدة الشخصية  ومن الشرود  كلفها  بعد ذلك أسقاما  بدنية ؛ لقد نظرت هي طاووس   إلى المسألة  كما لو ان الطفل  عزل عنها  بالقوة  مع أن الصبي ذاته  وجد راحته  التامة  في عودته إلى أسرته  الطبيعية  والفعلية  التي ظل  في اتصال معها  ولم يحرم منها  في الأصل ، وبالتأكيد وجد في العيش  مع أخويه  بشارة  وزينوبيا  الجو المناسب له.

 حيدرة الخولي ، لهذه الصلة العائلية  ، ورغم  مقامه أستاذا  ناجحا  وكاتبا شهيرا  لا يستنكف   ان يزورك  في هذا المحل  في هذا المحل  أحيانا لمجرد الجلوس ، وليتناول معك  كأسا من القهوة  التي غمس فيها  فرع  ندي من  الشيح  البري وفق  العرف المحلي  ، والذي يزيد القهوة  نكهة  مرة إلى مرارتها الأصلية  ، ولتتبادلا  الأفكار والهموم  والتعليق  على الأحداث الجارية

  كانت الحقيبة مرصوصة  بالكتب والمجلات ،

حتى إنه لم يستطع  أن يجر  للغلق سحابها الغليظ ، وبرزت بعض الأغلفة  الفاقعة  اللون  التي تنبئ  عما تحتويه الحقيبة .. لقد أراد  الخولي التخلص   منها ببيعها  ولو بأبخس  ثمن  بعد ان قرأها مرارا  واستهلك  مادتها  لا الفكرية  فحسب بل وحتى  الورقية تقريبا .. كانت كتبا ومطبوعات  مهلهلة  كثرت  الخربشة  والتعاليق  بمختلف الألوان  في حواشيها  بل  وحتى في متونها احيانا ، لقد كان يدون ملاحظات  ويضع أفكارا أساسية وعناوين  ومنطلقات أفكار ؛ سيدبجها فيما بعد  في مقالات ، وهي غالبا  ما تكون  رد فعل لما قرأ . ولكنه لم يشأ التخلص  منها لمثل هذه الأسباب  الموضوعية  ، بل لأن هذه الكتب  فقدت اليوم  كل طعم ،  وفقدت  وجاهة الوجود ذاته ،

وقد هبت العاصفة  على البلدان  العربية  والتي يسميها بعض المتفائلين  بالربيع العربي

وراحت تفرز  أوضاعا فكرية  ووجدانية  غير  الأوضاع  التي  تهتم بها هذه الكتب ؛

فهو في الواقع  من حيث يشعر او لا يشعر  يريد ان يعدم في فكره ووعيه  مضامينها الحالمة ..

وضع الحقيبة المثقلة  على الطاولة  ، ومد لك يدا  متغضنة  راجفة ليصافح ، وقال في نبرة  حزينة يائسة  تستقطر الدمع :

ـ أين كنت  طوال هذه الصبيحة  يا ابا الرضوان؟..

( بالمناسبة  هو الذي أطلق عليك  هذه الكنية ؛ أبا الرضوان ، من هذه الكنى التي  يكنى بها أهل  المشرق العربي وهو الذي كنى زوجك  بأم الرضوان أيضا )

وأضاف  دون ان يمهلك  لتجيب  عن استفساره

ـ  لقد جئتك  بهذا الحمل الثقيل ، واضطررت  أن أستودعه  لدى جارك  بائع الخرداوات   ولم يكن هاتفك النقال  يرن ؟..

ـ كنت يا أبا بشارة  في منطقة ؛ خارجة عن التغطية ؛  كنت في ضبيعة أيميس..

أشار إلى الحقيبة التي بالكاد  وضعها على حافة الطاولة  الغليظة للمحسب وقال  ضجرا :

ـ  أفّ..خلصني منها يا  صديقي  أيوب ، إنها آخر ما يربطني  ببلاد  الشام التعيسة  وقد استبيحت  دماء أهلنا من جديد  هناك ، وهتكت أعراضهم  ودمرت البيوت  على رؤوسهم  وانتهبت اموالهم  وارزاقهم  في ربوعها  وخربت  المدن بكاملها ، الكل  يريد ان يقتل الكل ..

ـ ليس عليك يأ أخي حيدرة ..

هو ليل تعيس ، وتحد كبير ، لكنه  ربما يسفر  عن صبح  مشرق جديد؟..

سكت عنك اللمسن المهموم  حتى ظننت  انه لا يجد ما يقول  في الهم الذي يتحدث عنه  من شروق او غروب ..

مرر  يده  المتغضنة  على جبينه  الذي  ارتسمت  فيه  انكماشات  الشيخوخة  وتجاعيد  التعاسة  وخيبة الأمل المريرة  قبل أن  يضعها ثانية على  الحقيبة المثقلة بالكتب مثل  الحبلى

، ثم أنشأ  يقول  مسترسلا  في حزن عميق:

ـ  أنا من ظل يطالب  بتغيير النظام  بقلبي وبقلمي ، لا لأنني  كنت  أحد ضحاياه  فحسب ، بل مذ تخلى  عن الجولان المحتل ، ثم راح  يدخل في صراعات جانبية  هامشية  لكنها مدمرة لطاقات  البلد .وقف  ضد المقاومة  الفلسطينية  بشراسة  في لبنان  في منتصف السبعينيات  وارتكب مجازر هناك في تل الزعتر  وفي سهل البقاع  وفي غيرهما مجازر  يستحي منها ضمير الكون

قبل ان يذل لها   ويسجد جبين الإنسان شعورا بالعار والخزي  في الأرض .

لكن بصراحة لا تعجبني  هذه الطريقة البدائية  المدمرة  في الاحتجاج  والتي  تفتح الأبواب على كل المصاريع  على كل احتمالات انهيار الدولة ذاتها  ولأنهار الدماء  وبراكين الدمار .. تحريض  الجند  في الجيش النظامي  على التمرد والانشقاق  أخطر  جناية يرتكبها  الحمقى  الناطقون باسم معارضة  مشبوهة .. معارضة مقيمة  في الفنادق  ذات الخمسة نجوم .. نعم من الضروري  الاحتجاج  على الاستبداد الغاشم في الحكم ، لكن يجب ان يكون  احتجاجا مدنيا  صرفا  خاليا  من جميع مظاهر  العنف المسلح  وغير المسلح  ومن كل  العنتريات  العسكرية  أيا كانت  وخالية بصفة مطلقة من  السلاح  مهما كان بسيطا

من المستفيد من تخريب  مؤسسات  الدولة  مثل المؤسسة العسكرية والأآمنية  من خلال الدعوة للانشقاق ؟.

طريقة الخميني  ماثلة في  تغيير الحكم  الراسخ  وطرق إزاحة الدكتاتوريات  في الجمهوريات  الاشتراكية السابقة في المعسكر الشرقي  معلومة ..

وقبلها طريقة غاندي قي اقتلاع استعمار عاتي   من الهند  من خلال  مقاطعة وجود كل مايرمز لذلك الوجود الاستعماري  طريقة مشهورة..  المواجهة  السلمية الشجاعة هي  الوحيدة  التي  يمكن ان تسقظ الأنظمة   الديكتاتورية  المستبدة  ان تدمر البنية التحتية  للدولة  في مختلف مؤسساتها

المقاومة السلبية  هي السبيل الصحيح  لقهر اولئك المتجذرين  الراسخين  في الكرسي .. لكن الشهوة  إلى السلطة  لدى جميع  الأطراف  معارضين وسلطة  لا تترك  للإنسان عقلا  ولا منطقا .. لقد رأينا ملامح  التجربة الليبية  الدموية تتكرر  في سوريا ، وما الفائدة  من قلب نظام  حكم مستبد  من اجل قيام  نظام الفوضى؟..إذا صح  أن للفوضى  نظاما ؟.. وما الجدوى  من قيام حكم  ينهض  على رعاية  الانتماء القبلي  والعشائري  العصبي  بدل  الحكم القائم على رعاية  مصالح الوطن  العليا  وقيم العصر  من حرية  وعدالة ومساواة  وتضامن  وتداول على السلطة ديمقراطيا؟..

ثم إن الصبح لا يأتي  إلى المشرق  من الغرب المكبل  بعقد الماضي الاستعماري  الاستغلالي  وبعقدة مناصرة الكيان الصهيوني  يا صديقي ..

رأينا  صبح عميل امريكا  كرزاي  المتعفن في أفغانستان ،

ورأينا في العراق صبح  عميل الغرب  شلبي المدمر  وعميل إيران  المالكي الحاقد ،

 وصبح الشوفينية الضيقة  في شمال العراق  البرزاني  والطالبياني  اللذين شرذما العراق ومزقاه ..

كل اولئك الذين  جاؤوا  بغداد على ظهر الدبابة الأمريكية  مؤسسون  لميليشيات قاتلة  ومتناحرة ..

من يقم بالتفجيرات  اليومية في العراق؟.. إنهم هم أنفسهم  أولئكم الذين  نصبتهم امريكا أيام برومر..

أنظر إلى ما آلت إليه ليبيا.."

أفرعت أنت  يا أيوب الحقيبة   وأنت نشرت مع الأستاذ حيدرة  البضاعة على طول  الطاولة  التي لم تكف، فظلت بعض الكتب مكومة ؛ كانت مجلات وكتبا  تنتمي لعقود الخمسينيات  والستينيات والسبعينيات .

يا لها من بضاعة كاسدة ا.. مؤلفات تبشر بالعروبة وتمجد العروبة ..

من يشتري اليوم  من القراء في الجزائر  او في غير الجزائر من بلاد العرب  مؤلفات  الحصري

وميشال عفلق

عن القومية العربية

ومؤلفات دعاة الوحدة العربية  في العهد الناصري

عن الحرية والاشتراكية  والتقدم ،  وعن العروبة  والنهضة الشاملة  ودور العروبة الطلائعي  في ريادة البشرية؟..

من يشتري هذه الأحلام الطوباوية  التي تنكرت لها الأيام  وفندتها الأحداث؟..

يتبع

أبو العباس برحايل

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 100 مشاهدة
نشرت فى 22 يوليو 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,946