8

 عندما عدت أنت   تفرز  وترمم الكتب  بعضها  بالغراء ؛ هذا  كتاب ساطع الحصري الشهير  

"الإقليمية  جذورها وبذورها "  

عاد شبح  خطم الخنزير يملأ الواجهة  في عناد  ويسد  على المارة واجهة  المعروضات من بضاعتك .

كيف لك  وانت  الشيخ في السبعينيات  ان تزيح  هذا العفر  بخطمه القرمري  الوالغ في الوحل  المسلح  بنابين  معقوفين كالمدرى ؟.. بعض الأوراق في الكتاب  منفصلة ومنفلتة  من مكانها ، لا بد  من إعادتها  وترتيبها  في مكانها  وتثبيتها  بالغراء اللاصق..

تلاشى  شبح الخطم الرهيب  من الواجهة  كما لو تبخر  بمجرد  ان دلفت امراة  مجللة  بالسواد  منقبة  كانها في حداد  أبدي ، تقود صبية  وضعت بدورها الحجاب على رأسها الصغير  وهي قد لا تتجاوز السادسة ،،

الترويض..

 وكل هذه المظاهر  الهمجية  التي تفرض  التخفي  على الأنثى  مظاهر  وافدة من البلدان  المتوغلة في التخلف الفكري والحضاري

، وقد قفزت  فجأة من فقرها المادي المدقع  لتتبوأ  مكان الريادة  في العالم  العربي والإسلامي،

بسبب  امتلاء خزائنها  باوراق البترودولار   الملطخة بالزيوت  الملوثة للبيئة  والقاتلة لكل حياة  وكل جمال ..

سألتك  المراة  بشيء من النجو  المصطنع  ومن الهمس المرائي  وكانها تخشى  أن يسمعها أحد  مع انك كنت  وحيدا مع لحيتك

ومع كتاب  المؤلف الحصري المذكور

ـ العلامة أيوب  ابن العالم  محمد الطاهر الصابوري .. كيف  حال الطاووس؟..

ولما لم تجبها  أنت مباشرة  ورحت  قبل ذلك  تركب النظارات فوق أنفك  تستطلع من هي هذه المرأة المناجية  التي تعرف زوجتك المصون  ،

مع انك لا ترى شيئا من بدنها  المنغمر في السواد  الأصم ، قالت لك  بلهجة مفخمة :

ـ  ذاكرتك معطوبة مثقوبة ؟.. انا تماضر  بنت صديقك  الشيخ  برهوم  بن إبراهيم لعموري . معلمة  سابقة  في مدرسة البشير الإبراهيمي ، أنا  صديقة زوجتك  الطاووس أيام الطلب في الثانوية .كيف حالها

 لا أظن انك نسيتني ..وإلا ستكون فاجعة..

لو أخلصت  تماضر مع نفسها  لقالت تماضر  التي عرضت  عليك الزواج  ورفضتها.." حاولت أنت ان لا تجاري المرأة الشَّموس المتمردة  كالفرس وقلت مقتصدا جهدك:

ـ كيف أتعرف عليك  وانت  بهذا اللباس التنكري ؟..

طاووس  الحنان  في صراع مع  السكري .. تغلبه حينا  ويقهرها تارة..

ـ شفاها الله ، قل لها تماضر  ،، تماضر بنت  الشيخ برهوم  تحييك .

قلت أنت  في جفاء:

 ـ يبلغ..مرحبا بك تماضر .ما الخدمة؟. كيف أخدمك؟

سكتت لحظات  واضافت  مستمرة في  نجواها  مع لهجتها المفخمة  وفي تردد  غير معهود من تماضر  التي عرفتها ذات يوم غير هيابة:

ـ قصدت مكتبتك  دون سائر المكتبات  لأنك..

لأنك .. ولأقل  لآنك  صديق المرحوم  والدي  ؛ ومكتبتك  هي الأصل ، طيب ، هل ..

هل أجد  عندك كتابا  قديما  يتحدث  عن الرقية  الشرعية  التي  تزيل  آثار السحر ؟..

لا أريد  الكتب الجديدة ، هي  كتب  تخلو  من  البركة ،

وهي كلها مزيقة  ومؤلفوها  يشبهون  الرقاة  التجار  الذين  يتحدثون  في القنوات المتاجرة  بالدين

 وانا أبحث  عن كتاب  اصيل

 أبحث  عن كتاب  يبطل السحر ..

    تماضر .. كانت كثيرا ما ترددت  على المكتبة  أيام  زمان  مع  طاووس  الحنان  ودخلت أنت في نقاش  معها ، وكان  كثيرا ماحدثك  عنها والدها  سي برهوم  ملمحا  لك  بما يريده  كل أب  لابنته  عندما  تبلغ  سن الزواج

مع أنك  كنت  تقترب  من سن الثلاثين  يومئذ .. لم يكن يعلم  ان ابنته  كانت  تتردد  على المحل ، لكنك  تلعثمت

وقد بدت لك  الفتاة  جريئة جراءة  زائدة  مثل  جراءة امك  مع  أبيك ، بخلاف  صاحبتها  طاوسة  التي كانت  فتاة شديدة  الخجل.  التي كانت  ملامحها  هي  التي  تشبه  ملامح  امك .. وقد ترددت أنت   لهذا السبب  بالذات فلم يلح  حين  لم تجبه  فورا ، هو  يعلم  بعد ان ابنته  النبيهة المليحة  يتمناها  ألف عريس وعريس  ولا يخشى عليها أن يفوتها قطار الزواج أو تبور.. وتلميحاته لك  المتكررة  كان لمجرد  تنبيهك  إليها  وترغيبك فيها  لا أكثر .. وكان الرجل الطيب  قد كون  عن شخصيتك  فكرة  حسنة  باعتبارك  ذلك  الشاب العصامي  الذي  لم يدخل  مدرسة ، المثابر  الذي  حقق  مصيره  بنفسه  من لا شيء تقريبا ، وهاهو  يقيم بقلب  المدينة  في سكنى فاخرة  وبمحل  لائق  يدير فيه تجارة  محترمة ..وعندئذ وقد آثرت الصمت  مرارا ، وحتى يبرهن لك  عن صداقته  التي لا تتزعزع ،

عرض عليك  صديقة ابنته  وتلميذته الطاووس .أجل كانت الصديقتان  تماضر  والطاووس  تزوران  المكتبة  وتقفان أمام رفوف الكتب  طويلا  تقرآن  العناوين  وتتفرجان على الكتب .. وكنت تعلم ان زيارتهما  لم تكن عفوية  وكنت تبادلهما  أحيانا بعض الحديث  عن تلك الكتب  التي تتفرجان عليها..

لكن في اقتضاب  وجد ، غير  أن تماضر  كانت تسترسل  وتخرج عن مضامين  الكتب  لتنتقد الأشخاص  بألفاظ عنيفة ساخرة  

وحين عرض  عليك والدها  الطاووس صديقة تماضر   قبلت بلا تردد

لانك في الواقع تفاهمت معها  بالنظرات المتطاولة  دون حاجة لحديث

 بخلاف  تماضر التي ثرثرت كثيرا ..

على كل حال هي الأقدار  تسوق مصائر الناس  من غير أسباب حقيقية  أحيانا..

يتبع

أبو العباس برحايل 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 94 مشاهدة
نشرت فى 28 يوليو 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,948