جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
5
لم تطل بك الأيام حتى اشتهرتَ في المدينة باسم
" العلامة الشيخ أيوب الصابوري" مع أنك كنت شابا ، وإن كنت تتكلف وضع طربوش أحمر مائل على رأسك تنزلق من أعلاه شرابية سوداء مثل عرف ،
وهذه الشهرة تأتت بفضل إرث اسم المرحوم والدك بالمدينة ، وبفضل الاستقرار في هذا المحل المحترم الذي ورثته عن المسن المغادر إلى وجهة غير معلومة إسحاق بوشناق ..
لقد سماك زبائنك والمتعاملون معك باسم العالم لا لعلمك ولا لفقهك ، فتعليمك لا يسمح لك بأي لقب ، ولا يتعدى حفظ الربع الأول من كتاب الله في الجامع بمرجة أيميس ،
إذ حين أراد والدك أن يلحقك بالمدرسة في المدينة اعترضته والدتك بشدة، بدعوى أنك أنت رجلها في القرية تؤنسها ، وتقضي لها مآربها اليومية ، مع أن الصغير أخاها هو الذي كان يقوم بكل شيء تقريبا ، ورأى والدك أنها كانت على صواب ، فترك الحبل على الغارب ، ولم يول اهتمامات لمصيرك رغم أنك كنت وحيدهما . فأنت اليوم علامة لتبحرك في معرفة أسماء الكتب العربية ، قديمها والحديث ، وفي كل العلوم العقلية والنقلية والأدبية ، وتعلمت منها مالم يخطر لك ببال يوم بدأت الحرفة ببيع مكتبة والدك ، ولكن وا أسفا !..
هاهي هذه الحرفة التي قل من يعرف قيمتها والتي استغرقت وقتك وشكلت عمرك
قد أخذت تبور وتضمحل في السنوات الأخيرة ،
وها أنت شرعت الآن تستبدل بيع الكتب بأشياء أخرى حتى لا ينهار مدخولك المعتاد فتبيع العطور الطبيعية وعطور المسك المغشوش وأعواد السواك المهربة من منطقة الساحل ؛ ومن نيجيريا خاصة ،
وأنت تبيع بعض أشرطة خطب رجال الصحوة المزعومة ودروس زعماء جماعات الهجرة والتكفير القتلة ، وشيوخ الجماعات السلفية الوهابية وأشرطة المنشدين ..
وها أنت تخلصت شيئا فشيئا من الكتاب العصري الجدي المثقف رفيق العمر وخير أنيس في الدنيا ، وخير جليس في الأنام ..
ويتغيب خاصة الكتاب الفكري النقدي والمثقف الذي ينمي العقل والذكاء ..
لقد غدا الكتاب الجدي اليوم بصفة خاصة في بلدك ؛ يا أيوب من الماضي ؛ بضاعة مهجورة كاسدة ، وما يباع هي بعض كتيبات البلاهة والغباء .. كتيبات الشعوذة والرقية والسحر ، وبعض الكتيبات المنذرة بأهوال يوم القيامة وعذاب القبر أو المبشرة بالحور العين ..
وفي أحسن الأحوال بعض الكتيبات التي تتحدث عن الطب النبوي أو التداوي بالأعشاب ،
ولم يبق من الكتب المرتبطة بالحياة الفعلية للناس وبتجاربهم وخبرتهم وعلمهم في وجودهم الدنيوي سوى بعض كتب البطن أو الطبخ التي تقتنيها النساء خاصة في شهر رمضان أو في المواسم والأعياد والأعراس
أجل أنت لم تضع قدمك في أي مدرسة ما عدا ما حفظت من قرآن في الجامع ، لكنك تثقفت بفضل المكتبة وصرت تجادل وتناقش رجالا متعلمين أمثال
المرحوم برهوم بن إبراهيم الذي طلب منك بلباقة أن تتخلى عن الطربوش ،
وأن تواجه الحياة عاري الرأس حرا ، واستجبت له وودعت الطربوش إلى غير رجعة ،
كما تجادل الأستاذ السوري الأصل الذائع الصيت حيدرة الخولي ، والد الصبي باديس الذي قضى طفولته في أحضان طاووس الحنان زوجتك .
كنت في الستينيات من القرن الماضي تشتري وتبيع بعد أن تقرأ قصص جرجي زيدان التاريخية مثل العباسة ، غادة كربلاء ، عذراء قريش ، عروس فرغانة ، فتاة القيروان ، شجرة الدر ...
وغيرها من القصص التي يدس فيها المؤلف ؛ كما يقول صديقك الذي هو بمثابة أستاذك أيضا ؛ برهوم إبراهيم :" زيدان ، يا أيوب ، يمرر بيد فنان قدير بعض الارتياب
ويغمس بعض الشكوك في تاريخ المسلمين ، فيقوم حينا بتضخيم الأحداث الصغيرة والثانوية ويمططها ؛ وهو قي ذلك يكشف المستور وينتهك الحرمات والعورات .. يكري حينا بعض الأحداث الجسام ويطويها ويجيزها في سطور ويخفي الإنجاز الحضاري أو يتفه وجاهته أو يحيل فضله إلى غير المسلمين ..."
ولكنها بالنسبة إليك أنت رغم هذه الهنات التي عددها الأستاذ برهوم ، إن صحت ، قصص في الحصيلة النهائية تثيري معلوماتك التاريخية وتثري لغتك وتحيلك على أمهات الكتب لتقف على حقيقة الأحداث التي يتحدث عنها في قصصه . فهو ـ جرجي زيدان ـ من وجهك لقراءة سيرة ابن هشام وكتاب الأغاني ، وكتاب مروج الذهب للمسعودي وكتاب تاريخ الطبري ... لقد كان ذا يد بيضاء على اللغة العربية في نهضتها الحديثة..
كما كنت تشتري وتقرأ ثم تبيع مؤلفات جبران خليل جبران مثل بسمة ودمعة والنبي وكتب ميخائل نعيمة من بيادر ومن نور وديجور ومن غربال ، وأشعار إيليا أبي ماض في جداولها وخمائلها ، ومعربات روايات المنفلوطي العاطفية من ماجدلين إلى العبرات إلى الفضيلة ، إلى الشاعر ، وعبقريات العقاد ، وأيام طه حسين وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم فضلا عن مسرحياته الخالدة ، وفجر الإسلام وضحاه وظهره لأحمد أمين
ومع السبعينيات صرت يا أيوب إضافة للمؤلفات السابقة تعرض للبيع مؤلفات من الأدب العالمي المترجمة إلى العربية من قبيل الإلياذة والأوديسا لهومروس ،و الأم لغوركي والحرب والسلام لدوستوفسكي والمفتش لغوغول ، ولمن تقرع الجراس والبحروالعجوز لهيمونغواي ، وآلام فيرتر لغوتة ، والبحث عن الزمن المفقود لبروست ودروب الحرية لسارتر وإيميل لروسو والأسرة المقدسة لأنجلز ومؤلفات من الفكر الإنساني مثل العقل المجرد (المحض) لكانط ورأس المال لماركس وثروة الأمم لآدم سميث .. وهكذا تكلم زرادشت لنيتشة واللامنتمي لكولن ويلسون ...
لكن مع الثمانينيات صار المتعاملون معك يأتونك وبصفة مفاجئة بمؤلفات ابن تيمية ، وكتب الغزالي الكبير والغزالي الصغير وكتب القرضاوي وتفسير سيد قطب للقرآن وكتب الألباني وشتى كتب المذهب الوهابي الصادرة في الحجاز ونجد وكثير من الكتب الجهادية الدينية من عصور الانحطاط التي تطبع في أسطنبول وتوزع مجانا فيبيعها لك المستفيدون منها بأبخس الأثمان ،
وقد أعطوك عناوين الناشرين لها إن شئت أن تتحصل على ذلك الغثاء من سيل المطبوعات والمطويات بالمجان ، لكنك فهمت المسألة كلها ؛
فمن الجلي والبديهي أنها مؤلفات منتقاة من عملاء المخابرات الأمريكية وممولة من عائدات نفط الخليج السائب المسيب ، والقصد من نشرها على نطاق العالم الإسلامي ليس لوجه الله ولا حبا في العقيدة الإسلامية أو في الحضارة الإسلامية بل هو لمحاربة المد الشيوعي في بلاد الأفغان وغيرها ، بتمديد السبات العقلي وتعميقه في جسم الأمة إلى أجل غير مسمى ، من خلال دفع الشبيبة المسلمة إلى العيش في سراب بقيعة وفي غيطوهات الماضي المحنط وصرف عقول الشباب عن شؤون العصر وضروراته وصيرورته
مساء الأمس بعد العصر أي في يوم 14 نوفمبر 2011 جاءك والد باديس حيدرة الخولي ، وهو ليس مجرد صديق بحكم قرابة بين زوجته وزوجتك ، بل صاحب قلم شهير ينشر مقالاته وإبداعاته في مجلات مشرقية سواء في بغداد
قبل أن ينفرط العقد ويدخل صدام بالعراق في الحرب العبثية المدمرة ـ الحرب بالوكالة ضد الثورة الإيرانية ،
أو ينشر في بيروت ، وله مقالات منشورة باسم جزائري مستعار في مجلة "الثقافة" الجزائرية حتى منتصف الثمانينيات كما صدرت له بعض الكتابات الإبداعية التي لم تحقق الرواج الذي كان يأمله
جاءك ، وقد رأى بوادر الدمار ، وشام الحرب والخراب الذي تسير فيه بلاده الأصلية سوريا ، والأرواح التي تسقط يوميا بالرصاص القومي ..
جاءك يتوكأ على عصا بيد
وبأخرى يحمل حقيبة مثقلة ، وهو مثقف سوري الأصل كان يحتل منصبا ساميا في الدولة السورية ، أبعده نظام حافظ الأسد الذي انقلب على الرئيس الأتاسي ، فآوته الجزائر كما آوت إبراهيم ماخوس وزير خارجية حكومة الأتاسي ، وما عتب أن التحق بالتعليم ، ونام عن المعارضة المباشرة وتوارى في هذه المدينة الداخلية السهبية الصغيرة بعيدا عن الأنظار وعن عيون الاستخبارات التابعة لبلده الأصلي ، وتجنس بالجنسية الجزائرية ، بعد أن طاب له المقام وطابت له الحياة ، وبعد أن تزوج بمعلمة ؛ امراة جزائرية من هذه المدينة ، وانجبت له أبناءه زينوبيا ، وبشارة وغسانا (باديس) وزوجته جهيدة ترتبط بصلة قرابة نسوية مع زوجتك طاووس الحنان.
يتبع
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش