جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
4
ذلك أن قضاء الله كان قد مضى ، وكان والدك يردد على الخلق من غير كلل حين يلومونه في خيانته لصديقه الشيخ ابن زراع آية زواج الرسول الكريم بطليقة زيد بن حارثة : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ...."
كانت زهور كما يسميها أبوك ؛ تملأ بصيت بهائها وحسن تربيتها جنبات المدينة؛ وتستحق التضحية بالصديق ابن زراع
وقبول منغصات أمك الخامجة ؛ الزوجة العجفاء في ريف ضبيعة أيميس
والتضحية بكل شيء عداها .
كان الأمر بالنسبة لوالدك قدرا مقدورا ونعمة من الله أقبلت عليه من غير أن يسعى إليها ، فكيف يجحد نعمة الله أو يرفض قدره وهو الذي يردد في صلواته قول الله تعالى :
" وأما بنعمة ربك فحدث "
سرا وجهرا أمام المأمومين الذين يرددون خلفه : آمين ..
كان والدك بعد الزواج بأم زهور يأتي قرية أيميس كل يوم أحد تقريبا يتفقد القطيع ويحاسب خالك محمد الشريف الصغير الراعي ،
ويسقي بنفسه متعاونا مع أم زهور أشجار الجنينة المحدقة بالبيت في دأب وعناد ، مع أنها كانت قد سقيت منذ أسبوع خلا فقط ،
وإذا حل موسم الغرس غرس شتلات أخريات يزاحم بها الأشجار الأخرى
فحيز الجنينة قد اكتظ بالأشجار والغرسات
ولم يبق مكان لمزيد من هوس الغرس ،
ويتشاجر في قلب الليل مع والدتك الرؤوم ، ويطول بينهما الجدل في الغسق البهيم ، وقد تنام أنت يا أيوب وتترك صدى جدلهما يأتيك ويتوارد عليك في غرفتك ويؤلمك ويخيفك حين تشتط الوالدة ، وتصرخ في وجهه تطالبه بالطلاق في غضب يقطعه عويل مدمر . وقد يمتد تخاصمهما في أحلامك فتستيقظ مذعورا على كوابيس فظيعة ترى فيها أمك غادرت البيت ..
المشكلة أنهما يتجادلان فيما لم تكن تعلم له سببا وجيها يومئذ ،
فقد كان والدك ؛ والحق يقال ؛ غير مقصر ؛ متحملا لمسؤوليته العائلية بكل جدارة
ويأتي بكل جديد قشيب من لباس لك ولها وحتى للراعي خالك الصغير ، ويرفه عن البيت بكل لذيذ من مأكل ومشرب ، ويهب لها المصروف الكافي عن الحاجة بل والضافي ، فما سبب هذا الخصام الأهوج الأبدي ؟! ..
ثم يعود غداة غد إلى مسجده في المدينة ؛ تودعه أمك بالسباب المشفوع بالعبارات العدائية من والدتك
لحسن الحظ أنه لم يعد يعطي سبابها كبير بال ،
بمجرد أن يركب بغلته المطهمة القوية ،إما بمفرده أو
ربما ردفته عليها خلفه زوجته الحسناء " زهور" مفوفة في لحافها الأبيض اللماع..
أم زهور التي كان يأتي بها أحيانا ليتباهى بجمالها وأناقتها أمام العشيرة القروية ، وليزيد من حنق أمك ذات الخلق البدوي ،
فيلهب كاهل البغلة وعنقها بعصب الثور المبرح فتنطلق في خبب أشبه بالرقص الموقع على أحسن آلة من آلات الموسيقى الريفية : الرباب..
لكنه في الصيف وحين مهدت الطريق وعبدت بالأسفلت من أجل الحاكم والجندرمة ، وكانت قبل ذلك مجرد ممر مترب ،
كان يأتي بأم زهور في سيارة يكتريها قبل أن يشتد أوار الثورة ويمكث بالقرية أياما متطاولة قد تمتد إلى الشهر تقريبا وحينئذ تستقيم له الحياة مع أمك الشموس ، وتفرض أم زهور شخصيتها بلباقتها المعهودة وتسامحها وتسامي أخلاقها وتفانيها في الخدمة ،
فلا تملك أمك أمام تضحيات المرأة منفذا تنفذ منه إليها . وكثيرا ما يحدث والدك ترميمات ويقوم بالطلاء للبيت الموروث عن الجد ، وتنخرط معه في العمل كالفراشة في طواعية وحبور وحدب كما لو كانت رجلا ،
وتعرف أمك تفوق ضرتها الحضرية عليها في دخيلتها دون أن تعترف بذلك ، ولم يعقها عن ذلك لا مؤخرتها البارزة كالبرميل ولا صدرها المفعم بالحياة اللذيذة .
لقد كانت ذات يد تتقن كل شيء ، وذات ساق مشمرة تسعى في كل شأن ، وكانت ذات همة عالية وأخلاق لا يماثلها فيها أحد .
فعرفت أمك أخيرا أن الشراسة ليست هي التي تجدي مع والدك وخففت من غلوائها بعض التخفيف
لقد تنازل لك الفيلسوف المسن إسحاق بوشناق عن المحل أولا ثم عن السكنى التي فوقه وقرر أن ينهي نشاطاته في الجزائر ويغادر البلد نهائيا دون أن تدري وجهته بعد حرب جوان 67..
الغريب أنه لم يكن مالكا للمحل ولا للسكنى بل كان مجرد مكتر ،
وقال لك في آخر مرة رأيته يصارحك على غير العادة شاكيا بمرارة مفصحا عما كان يختزنه في ضميره ،
وكنت تراه ببلاهتك وقلة نباهتك أو انتباهك يذهب في حياته مذهب كل الناس ، قال إنه قد درج منذ الاستقلال أن يجد كل صباح كتابات عنصرية على باب بيته الذي لا يبعد كثيرا عن سور دار البلدية القديمة تشتمه في دينه وتهدده وتدعوه إلى الرحيل إن أراد أن يبقي على حياته ليعيش ما بقي له من عمر ، وكأنه هو الذي احتل فلسطين في عام48 ثم بقية القدس والضفة ، وهو من اجتاح سيناء وهو من استولى على الجولان وعلى القنيطرة في 67 .. الناس يا أيوب في بلدك الجزائر قلما يفرقون بين النبي موسى التي يجلها القرآن ويمجدها وبين الكيان الاستعماري الصهيوني في فلسطين والحركة العنصرية الصهيونية ذات النزعة الاستعمارية الاستئصالية المنحطة..
هل تترك لظنه أنك تعرف حقيقته اليهودية ومع ذلك كنت تركن إليه في شؤونك وتستشيره أحيانا ، في حين أنك لم تكن في الواقع تعرف حقيقته اليهودية بالمرة ؟.. تحصلت على وصل كراء العقار النفيس من محل وسكنى باسمك بعد أن دفعت للمسن الطيب إسحاق مائتي ألف فرنكات قديمة ـ كان مبلغا باهظا يومئذ في نظرك ، وكانت أمك كريمة معك متفهمة حين سمحت لخالك الصغير أن يجلب إلى السوق عددا من رؤوس الأغنام حتى يتوفر لك المبلغ الباهظ . قال لك اليهودي " إدهن السير يسير " أي لا بد من دقع الرشوة لأعوان تسيير الملاك الشاغرة ، حتى يسهلوا الأمر ؛لأنك لم تبلغ يومئذ تمام السن القانونية المدنية التي تسمح لك بتدوين عقد كراء العقار باسمك .. وأنت لا تدري على الحقيقة ما كان الأمر ، وما يهمك هو الحصول على العقار ، ولقد حدث ذلك وسعدت به كما سعدت به الشيبانية أمك الخامسة..
يتبع
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش