جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
2
...الغندور المحترف قصابا ، لكنه المطبوع على فنون الإجرام من الغش والتطفيف في الكيل والميزان والخصام والعراك والشنآن ؛ فاجأك بضربة عاتية من رفش على كاهلك ذات مساء رمضاني ، فلما شكوت مظلمتك لأولي الأمر مستنجدا بمن ظننتهم حماة أمن المواطن وصيانة سلامته من الاعتداءات ، وجدت نفسك تدخل متاهة وتسير تائها في رواق مظلم من الإجراءات التي أفضت بك إلى الوقوف متهما أمام تلك المرأة العانس ؛ القاضية عيشوشة بوسطلة التي طالما ردد عليك المحامي البليد مرواني ماء الدفلى الذي أكل مالك بالمجان والحرام قوله: إن أصلها من مدينة سور الغزلان التي هي المدينة التي تنحدر منها أمه أيضا فهي خالته بشكل ما!..
إنها بنت العتال الشهير بوسطلة الذي كان يعرفه كل من يرتاد هذه المدينة المحافظة بغرض الزنا والفسوق والزهو والعياذ بالله ،
فهو لعنه الله ولعن أمثاله وأخزاهم جميعا كان يتخذ من مكان قريب من باب دار البغاء مركنا لعربته التي كان يجرها حمار هزيل سقيم والذي لا تنزع المخلاة من شيفرانه في أوقات الخدمة آناء العمر ، وهو لذلك يتحتم أن يكون الدال لكل باحث عن تلك الدار باعتبار مدخل الدار مموها ولا يحمل أي لافتة رغم أنها كانت دارا رسمية للبغاء .. لقد كان السكان المحيطون المغلوبون على أمرهم يطمسون ويتلفون آليا كل لافتة أو إشارة توضع لتشي بالمكان الموبوء ،
لذلك كانت صاحبة الدار تنفحه في نهاية كل شهر بمبالغ هي بمثابة أجر جزل يفوق ما يستوفيه من كراء العربة عن تلك الخدمة الجليلة المسداة ،
ولذلك تراه لا يتورع عن أن يسأل مبادرا كل من يحومون حول المكان وكل من يعبرون مجرد عبور ؛ إن كان يبحث عن مكان الزهو ، ويشير إلى الباب المعلى مع غمزة وقحة من حاجبه المشعر الكثيف ، حتى ولو كان العابر لا يعنيه شيء من هذا المحل المريب الموبوء .. بنت هذا القواد القديم كما يروي المحامي التافه هي التي تحكم عليك أنت يا أبا الرضوان العلامة الشيخ أيوب ، ابن الإمام محمد الطاهر الصابوري ؛ اللذين لا تسمع هي باسمهما مطلقا ..أنت أيها الشاكي الذي تحولت بقدرة قادر من ضحية إلى متهم بالضرب وجرح العمد واستعمال السلاح الأبيض!.. ضمن قائمة طويلة من أحكام أخرى عشوائية في قضايا متباينة مضحكة ومبكية في آن واحد ؛ من طلاق وإخلال بالحياء ، وفسوق ، ونفقة ، وسرقة ، ونشل وشجارات وقذف وتزوير ... والتي كانت تتلوها هذه القاضية العانس من أعلى نظاراتها المنحدرة إلى أرنبة أنفها المقوس كالمنجل بلامبالاة .
كانت تتلو أحكامها في بداية الجلسة من ركام من الملفات التي تكدست فوق المكتب الفخم عن يمينها وعن شمالها أهراما حتى ليظن الرائي بأن المدينة والمنطقة حولها كلها متخاصمة وقد دخلت في سباب وعراك وقتال وشقاق ، ولم تسمع يا أبا الرضوان حكما واحدا بالبراءة ..
لقد ترك في نفسك يوم المحكمة جرحا لا يندمل وإن طال المدى ، ولقد رأيت الظلم يمشي متبخترا على قدم راسخة قادرة .. وكان الظلم الصريح هو الظافر القاهر..
لدى الخزناجي وجدت أنت مبلغ الغرامة تضاعف بدعوى التأخر عن الدفع ، رغم انك لم تتلق يوما إشعارا بحلول أجل الدفع الواجب ، ولم يكن لديك الخيار سوى التخليص الفوري حتى لا توضع كماشات القيود في معصميك كما قال الدركي العبوس ذو البثور الدامية من وراء شباكه الكابي .
أنت يا أبا الرضوان أيوب الصابوري وراق معروف في المدينة السهبية المشهورة لا برجالاتها الكرام الأسخياء ولا بعلمائها الأفذاذ ولا بأبطالها الأ مجاد ، مع كثرتهم وإن تغافلت عنهم الدنيا بل بكباشها الذائعة الصيت ..
أجل أنت كتبي شهير انطلقت في مستهل الاحتراف بائعا متجولا تبيع وتشتري الكتب المستعملة والقديمة في الاسواق الأسبوعية ، واستقر بك المقام حين توفر لك محل غير منتظر ؛ صار مع تتالي السنين معلما مشهورا في زنقة سبالة الوضوء ، المقابلة للمسجد الجديد ؛ هي الزنقة المتفرعة شرقا عن شارع جبل القعدة الذي هو الشارع الاستراتيجي الذي يشق المدينة السهبية إلى نصفين تقريبا ،
وبعضهم يسميها زنقة سبالة الضوء تصحيفا أو بسبب قيام العمود الكهربائي الوحيد على رأسها والذي يعلوه مصباح فينيرها وينير الزنقة كلها ، وهي الزنقة التي كانت في الستينيات مختصة في حرف عدة ، من صبغ للأصواف الخام والأصواف المغزولة والأوبار المهيأة لحمة او سدى ؛ إلى دبغ للجلود وصنع لسروج الجياد وبرادع للبغال والحمير وقشاشيب القطن والكتان للعوام والرعاء ، إلى بيع لمصنوعات الحلفاء المختلفة من أفرشة وزرّاعات وأجران وحبال ، دون أن تعدم محلا لمصوغات الفضة والنحاس وسط هذه الفوضى الميتة..
لكنها اليوم زنقة تقتصر على بيع الخرداوات وحطام الأثاث القديم ومواد التنظيف ودهون الطلاء ، وقد تهدم بعض البنايات ذات السقوف القرميدية فأزيلت
وبقيت فراغات أشبه بأنياب مغروزة في كتلة البناء المتراص العتيق
تقع الزنقة إذن بقصبة هذه المدينة السهبية أو شبه الصحراوية بالأحرى ، وقد استهللت أنت مهنتك النبيلة في السادسة عشرة من عمرك ، حين أخرجت مكتبة والدك
ـ ما إن صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها ـ
إلى السوق الأسبوعية وبعت ذخائرها النفيسة كما تباع الخضراوات التافهة في اللحظات الأخيرة من نهاية يوم السوق الاسبوعي .. كنت أنت في المستهل تبيع الكتب حسب حجمها وحسب ما تزن المجلدات الصفراء في كفة الميزان ..
كان ظنك يومئذ أن قيمة الكتاب تتجلى في ضخامة حجمه وثقل وزنه .. لم تستثن من البيع غير مصحف مهلهل لكنه نفيس في غلافه المجلد المذهب اللامع ؛ كانت المرحومة أم زهور ضرة أمك وزوجة والدك التي تركتك تعيث في البيت فسادا وخرابا ، هي التي نهرتك بحزم عن بيع المصحف ، وأقسمت عليك إن أنت بعت المصحف أن تفضحك فتذهب هي في وجه الأرض منكبة على وجهها تؤلب عليك الخلق ليتفرجوا على فعلتك الشائنة الشانئة
وتلعنك تدعو عليك بالخسران الماحق والبوار المقيم حين عققت والدك المتوفى
وتوغلت في العقوق ببيع برانيسه وأغراضه ثم خزانة كتبه
ثم تجرأت ومددت يدك لآخر ما تبقى من ذكراه العطرة ؛ مصحفه الشريف الذي اقتناه بأعز ما في صرته يوم أن كان طالبا في الزيتونة لتعرضه أنت للبيع البخس في السوق النكدة مع أتفه الأغراض..
كانت أم زهور رغم كراهية أمك لها وحقدها عليها حقدا أعمى ، ومن غير مبرر ما عدا باعث الغيرة ؛ أمراة حنونا، تقية القلب ، نقية اليد ، عفيفة اللسان .. حزنت هي حزنا شديدا على وفاة والدك بخلاف المرحومة أمك المدعوة الخامسة
سميت الخامجة ، فلما أدركت الدنيا صارت تخجل من هذا الاسم اللامز المهين ، فصحف لها أولو الألباب من أهل الخير اسمها بأن صاروا يدعونها الخامسة تعففا من توهم اللمز والإهانة ، لكنها في أوراق الهوية الرسمية ظلت تحمل اسمها الرسمي الخامجة..
أمك التي لم تستطع أن تكتم زهوها وعاطفة التشفي غمرتها أثناء وفاة زوجها الذي هو والدك الذائع الصيت الشيخ محمد الطاهر الصابوري وبعد غيبته الأبدية .
ضرة والدتك أم زهور ، الأصيلة المحتد ، الطهور ، التي تذوب حياء وسماحة وتقوى وتقطر سمعتها عطرا وتسمو روحها عفة وتنضح يدها كرما .. المسكينة ؛ لم تحتمل الوحدة فذبلت قبل الأوان مثل ورق الخريف وتهاوت صحتها ولحقت بزوجها الذي كان أحد فطاحل العلم في المدينة بعد عامين من ذهابه في رحلته الابدية للقاء ربه ، وبموتها هي استعادت لجنة المسجد الذي كان يؤمه والدك السكن الوظيفي المريح الذي شغله ، استعادته من أجل الإمام الجديد الذي ظل يتربص بالأرملة التقية حتى قضت..
ووجدت أنت نفسك بدورك حين تنزل بالمدينة مع صناديق كتبك تضطر للمبيت في الحمام الشعبي بجوار محل بوشناق ؛ ذلك المسن الذي يترك شعره الأشيب المنبعث من قفاه ينساب مع لحيته بعناية في غدائر رمادية ، فيضفي عليه كثيرا من الهيبة التي رسمها جبران خليل جبران في لوحته الشهيرة لابن خلدون ، ومن طابع الغموض وكأنه فيلسوف زمانه..
من هذه الواقعة المشينة ـ بيع مكتبة والدك ـ تعلمت أنت يا أبا الرضوان حرفة بيع الكتاب القديم والتجول به عبر الأسواق الأسبوعية قبل أن تتوطد مكانتك وسمعتك حين مكنك ذلك المسن الغريب في شكله وملبسه إسحاق بوشناق من امتلاك محله الذي تشغله الان .. ومغادرة الرصيف
لقد كنت تنشر كتبك المصفرة في فسحة تحت الشجرة الدائمة الاخضرار على مدار السنة والتي لا تعرف حتى اسم نوعها والتي تقف في الرصيف قبالة الحمام الذي كنت تضطر للمبيت فيه وقبالة محل بوشناق الذي كانت لافتته تشير إلى أنه وكيل عبور ، وهو نشاط مبهم لم تكن تفهمه كما ينبغي يومئذ وأنت في يفاعتك دون أن يدفعك الفضول لتسأل أحدا مع ذلك عن معنى العبور..
أبو العباس برحايل
يتبع..
ساحة النقاش