3
تقدم إليك ذات يوم وسألك عن سعر كتاب عنوانه فيما تذكر:بروتوكولات حكماء صهيون . اشترى الكتاب ودفع الثمن دون مساومة ، مع أنك كنت دوما ترفع السعر الأولي تحسبا لتلك المساومات البغيضة العنيدة التي لا فكاك منها والتي تحدث دوما أثناء عملية البيع مع زبائن الكتاب المستعمل ، وتلك حالة نادرة ، فزبائنك الكرام منهم واللئام على السواء قلما يشترون حتى يشبعوك مفاوضة ويوهنوك مساومة ؛ أما هو فقد اشترى الكتاب من أول وهلة بالسعر الذي انزلق به لسانك ، وذلك ما ارتحت له ومالت إليه نفسك .. وظل السؤال في رأسك عالقا عن طبيعة نشاطات بوشناق الفعلية ، فمحله كان خاويا ولا يوجد فيه هذا الشيء الذي يسمى العبور ، وقد كان المحل قبل ذلك معدا لنشاط غير النشاط الذي يمارسه هذا المسن الآن بدليل واجهته الزجاجية الخاوية التي لا يعرض فيها شيء ماعدا صورة عملاقة لسفينة ضخمة محملة بمكعبات الحاويات .. وقلما يدخل إليه المتعاملون ، لكن ما لفت نظرك أن المسن الغامض كان يتكلم كثيرا في الهاتف..
وشيئا فشيئا وجد فيك تسلية وصار يتحدث إليك ويسألك عن مقدار مدخولك اليومي من هذا النشاط الهزيل ؛ بيع وشراء الكتب المستعملة ، ثم صار الرجل الشهم يسمح لك بإيداع صناديقك الكرطونية حين يحل الليل في محله الواسع بمقابل رمزي
بعد أن شكوت أنت له جاره صاحب الحمام ،
وأحيانا يتنازل عن ذلك ذلك المبلغ كلية حين يلاحظ أنك لم تكد تبيع شيئا ، وتبيت بضاعتك لديه دون مقابل بالمرة ما عدا أن تغدو باكرا لتحريرالمحل من صناديقك . كل هذا دون أن تعلم في البدء بأنه موسوي الديانة ، وأنى لك أن تعلم ذلك وسحنته لا تختلف عن سكان المدينة في سمرتها الفاتحة وتناسق سمتها
وكيف لك أن تدري وأنت قروي عشت كل طفولتك في قرية مرجة أيميس
القابعة في السفح الغربي من جبال القعدة المتفرعة عن جبال عمور ، ولم تقدم على المدينة إلا بعد وفاة والدك الإمام الذائع الصيت محمد الطاهر الصابوري مع مطلع الاستقلال .. لقد كان والدك في بدء حياته ومستهل انخراطه في حفظ القرآن متوسط الحال ، وكان أجداده من العربان الرحل بقطعانهم وجمالهم وما زالت خيمة الترحال إلى اليوم مطواة وموضوعة في ركن من بيت المؤونة مع أدوات الزراعة
وآلات الحياكة والنسيج الخاصة بوالدتك الخامجة ؛ عفوا؛ والدتك الخامسة؛
حفظ القرآن في جامع القرية المتواضع وانحدر إلى زاوية طولقة للتفقه في الدين ثم تزوج بأمك وهو لا يتعدى التاسعة عشرة من عمره ، وما لبث أن عن له أن يلتحق بجامع الزيتونة بتونس ، فلما أن عاد استصغر القرية مرجة أيميس واحتقر شان جامعها الصغير المتواضع ،
وربما لم يعد في دخيلة نفسه راضيا بأمك في طباعها البدوية الحادة الشرسة ، وغير مولع ببشرتها السمراء الداكنة
ولا مرتاحا لنحافة بدنها الملحوظ وضحالة مؤخرتها ،
وأكثر التردد على المدينة ، وتلقى عرضا ليؤم القوم فيها بمسجدها العتيق بحي فيض القطوط عقب وفاة الشيخ أبي قرة السنوسي ، وكان المرشح للمنصب هو صديقه الذي تخرج معه في الزيتونة الشيخ الشريف بن زراع ..
لكن لأن الأنبياء أنفسهم لا يفلحون في بلداتهم فقد تم اختيار هذا القروي القادم من ايميس بدلا من ابن البلدة .. ومع ذلك ظلت الصداقة بين الرجلين على حالها حتى قرر الشيخ الشريف أن يتزوج ، مستعينا بوالدك في المسعى ..فإذا أبوك هو الذي يتزوج بأبهى بنت في المدينة أم زهور ابنة أحد وجهاء المدينة من آل ذياب أصهار الشيخ أبي قرة المتوفى .. لقد ردد الجميع قائلين بصوت واحد ولزمن طويل : إنه ذهب إلى أهلها يخطبها لصديقه الشيخ الشريف بن زراع فقال له وجيه العائلة المرموقة السمعة :
ـ سي الشريف بن زراع ، رجل كاسمه شريف ، ماعندنا شيء نأخذه عليه ، لكن إذا حضر الماء ترك التيمم وأنت يا شيخنا محمد الطاهر الصابوري ذلك الماء ، لا الماء الطاهر فحسب ، بل الماء الطاهر المبارك المؤتى به من بئر زمزم المباركة .. نحن لا نصاهر إلا الشيوخ الذين هم الأئمة ، وبناتنا أعددناهن لذلك .. ويشرفنا أن تكون أنت الشيخ المنتظر ؛ خاطبا لنفسك أنت وأنت الشيخ الخطيب في مسجدنا يا سيدنا وعالمنا ويا شيخنا محمد الطاهر الصابوري الضبيعي ، ويرضينا أن يتصل عرقنا بعرقك النبيل ، ويمتزج دمنا بدمك الشريف ، وأن تكون لنا الصهر المأمول كما كان الشيخ بوقرة السنوسي عليه رحمة الله ورضوانه ونكون لك الأنسباء الأكرمين كما كنا له..
خضع والدك للعرض الكريم الجزيل غير المنتظر ، وغضب عنه صديقه ابن زراع وقاطعه الدهر وغادر الصديقان اللدودان الحياة دون أن يلتقيا أو يتصافحا أو يتصالحا بعد أن خابت كل المساعي..
مع أن الحياة ذاتها كانت من السعة والأريحية أن وفرت للشيخ ابن زراع امرأةذات جمال ينافس جمال بنت آل ذياب وإن كانت لا تضارعها في السمعة والجاه
يتبع
ابو العباس برحايل


ساحة النقاش