رواية : القاضية والعفر.. في حلقات
الفصل الأول: العـُــفر في المكتبة
ذات يوم خريفي من أيام نوفمبر ، وفي الصباح الباكر تلقيت ـ أنت يا أبا الرضوان الصابوري ـ مكالمة من أحد أقاربك الأبعدين تفيد بأن الدرك الوطني طرقوا عليك الباب ليسلموك استدعاء مستعجلا في بيتك الصيفي الذي هجرته في السنوات الأخيرة مرغما ، والكائن بمرجة ضبيعة أيميس ، تلك القرية البعيدة عن المدينة السهبية التي تقيم بها بنحو أربعين كيلو متر ؛ مرجة ضبيعة أيميس ، هذه تسميتها الرسمية الكاملة لكن المواطنين يختلفون في تسميتها كالعادة ، فمنهم من يسميها المرجة ، ومنهم من يقولون الضبيعة ، ومنهم من يقول الضبعة ومنهم من يقول أيميس فقط..
ولن تلتزم أنت بتسمية واحدة ، وستكون كل تسمية تذكرها صحيحة في موضعها ..
قال لك قريبك في حشرجة الهاتف مستغربا : لقد جاءوا في رتل رسمي من عربتين ، فطوقوا البيت أولا ، ثم راحوا يطرقون الباب بعنف ، وتبين لهم أن العنوان الوحيد الموجود في الوثائق لديهم عنك ، هو هذا البيت المغلق شبه المهجور ؛ شبه المهجور لأنك كنت تزوره من حين لآخر تستريح فيه من ضجيج الكتب في وراقتك الشهيرة بالمدينة ، ومن صخب الزبائن ، وتسقي ما في حديقته من نباتات وأشجار قبل أن
ينفّرك منه الخنزير ، أو بالأحرى ينفيك عنه ..
ركبك الخوف والهلع ، وتشاءمت من هذه المكالمة الصباحية غير المبشرة ، فهيئات الأمن لا تبحث عن أحد أو تستدعيه إلا لأمر جلل وخطب مدوّ خطير .. ركبت َ أنت الرونو اكسبريس ؛ مطيتك الآلية البيضاء بياض لحيتك المتدلية وبياض قندورتك المترجرجة ، وهرعت إليهم في ثكنتهم تلبي النداء العاجل.. لقد كنت هناك منذ أسبوعين مع طاووس الحنان
زوجتك المخلصة ؛ رفيقة دربك الحبيبة × وعجوزك المستكينة الصبور تتريضان في جنينة البيت القروي وتتذاكران طرائف الأيام والسنين الخوالي خاصة في عطلة الربيع مع باديس ؛ ذلك الصبي الملائكي الذي ربيتماه كما لو كان ابنكما صليبة ..
كنتما تسوقان الأحاديث الشائقة والموجعة في القلب عن تلك الأيام المتواثبة
وتلتقطان في الآن نفسه حبات الزيتون اللؤلؤية المتساقطة بفعل الرياح ..
كانت شجرة الزيتون العملاقة التي يجهل عمرها في الجنينة مثقلة بثمارها السوداء النيرة الوقادة .. القطف يستدعي الجهد ؛ ولا أنت ولا الطاووس لكما من الجهد والنفس الطويل ما يكفي لقطف المنتوج المغري في هذه السن التي تولت فيها قوتكما وألبستكما الطبيعة من بعد قوة ضعفا وأورثكما تتالي السنين وتعاقب الليالي بحلوها ومرها من بعد رشاقة وهنا ورخاوة ، ومن بعد صلابة ترهلا وعجزا ، ولا بد من استئجار عامل شيق رشيق قادر على تسلق الأغصان المتعالية السامقة لقطف هذه الثمار اللؤلؤية النيرة
أنت مضطر إذن لتعود إلى تلك القرية الصاخة في نفسك و التي طبعت وجدانك في الطفولة بطابعها الحر المنطلق الصريح في هذه الصبيحة رغم الصقيع ، وقد بت تكرهها الآن وتتلكأ في زيارتها وياللعجب والأسف ، بعد أن كان الذهاب إليها طوال حياتك بمثابة عودة للروح ، وكانت مصدرا للراحة النفسية والاستجمام البدني .
وها أنت بعد نحو ساعة من السير الحثيث تصل إلى الثكنة .. أطل عليك من الشباك الظليل ذلك الدركي الأسمر البشرة سمرة داكنة ، والمزروعة ببثور مهيجة متقيحة في وجهه ، الدركي ذو الملامح الجهمة ، وقال لك بحزم مشوب بالتهديد والوعيد من وراء كوة الشباك المقتضبة:
ـ تدفع الغرامة أو تساق إلى الحبس يا حاج؟!..
حدد لك أجل الدفع بصفة قاطعة ، وأمرك أن تتجه فورا نحو الخزناجي بالمدينة إن رغبت أن تتحاشى السجن ، وأن تنجو من وضع الأصفاد في معصميك المعروقين..
لم تكن مدينا أمام الدولة بالغرامة ، إلا لأن جارك العُفر ..
هكذا درجت على تسميته منذ يوم المحكمة ؛ باسم كتاب صغير ، كان بين يديك ، وإلا فإن اسمه الغندور ؛ قزوان بن قزوان ..
يتبع


ساحة النقاش