جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
تفشت في السنوات الأخيرة ظاهرة الإضرابات في التربية والتعليم ببلادنا الجزائر حتى صارت أمرا عاديا ألفه الناس واستأنسوا له ، وصارت مؤسسات الدولة لا توليه الاهتمام ، وصارت اضطرابات مثل الاضطرابات الاجتماعية احتجاجا على البطالة تثير الاهتمام أكثر مما يثيره إضراب أسلاك التربية في جميع المراحل وعلى المستوى الوطني ..
وهذه هي الجريمة بكل صفاتها التدميرية
جريمة على مستوى مؤسسات الدولة ؛ مادامت تنظر إلى قطاع التربية والتعليم كما لو كان قطاعا عاديا كسائر القطاعات.. وفي هذه النظرة خلل فظيع .. إذ كان عليها أن تنظر إلى التربية باعتبارها قطاع نمو الكائن الحي الذي إن توقف نموه مات وتسبب في خسائر لا تقدر بثمن.
أجل .. الإضراب في التربية بكل بساطة يعني توقف نمو الكائن البشري وهل تعلمون ما نوع النمو الذي يتوقف؟.. إنه النمو العقلي.. توقف النمو العقلي لدى الكائن البشري في فترة النمو التي لا تعوض .. لا أدري هل يعقل المسؤولون في هيئات الدولة عندنا هذا المعنى العميق؟.. أخشى ان عقولهم ذاتها أقصر من أن تستوعب هذا المعنى العميق وذا الدلالة البالغة العمق والتعقيد ، وفي هذا مكمن الخطر ، ومن هنا ياتي كل البلاء ، وهذه الجريمة الأولى ، أن يتحكم في دواليب الدولة ناس لا يميزون بين الأولويات في حياة الأمة ..
إن هيئات الدولة مطالبة بالتكفل التام بحقوق القائمين على التربية وبالسهر على التربية بحيث تجعل موظفي التربية لا يلجاؤون إلى الإضراب لافتكاك حقوقهم ، وهي مطالبة بإعداد قوانين لا تسمح بهذا النوع من الإضرابات العابثة بمستقبل الأمة إلا في حدود رمزية لقصد التنبيه.. وفي حال وقوع إضراب ما ، على الهيئات أن تسارع إلى تفكيكه بكل وسيلة من الوسائل ولا ينبغي أن يستمر الإضراب أكثر من نصف يوم ..لأن قطاع التربية والتعليم شيء غير مسموح له بالتوقف عن وظيفته تحت أي ظرف كان لارتباطه بأعمار المتعلمين التي لا ينبغي أن تهدر منها ساعة واحدة .. فهذا القطاع هو قلب الأمة النابض الذي إن توقف اختلت الحياة وذهبت الأمة كلها..
وجريمة على مستوى الداعين للإضراب والمستجيبين له لأن التربية لم تكن عبر التاريخ تمارس هذا النوع من المساومات الخسيسة.. الإضراب في التربية مساومة خسيسة.. أيعقل لمربي الدجاج أن لا يمد دجاجه بالغذاء والماء لمدة تزيد عن أربعة وعشرين ساعة؟.. إنه إن فعل سيموت سائر دجاجه.. إنه الانعكاس ذاته الذي يلحق بالمتعلمين إن لم يغذوا عقولهم لمدة اربعة وعشرين ساعة بل هو انعكاس أكثر تدميرا .. فما بالك بهذه الإضرابات المتعتانقة من فصل لفصل ومن سنة لسنة..؟.. إن الإضراب في التربية أداة إجرامية لتحقيق أغراض مادية بخسة خسيسة لا تستحق أبدا تلك التضحيات الكبرى بالأجيال.وهو جريمة لأننا بدلا من أن نعلم أبناءنا التضحية نعلمهم أن الاحتجاجات المستمرة والتوقف عن العمل والإضرابات هي التي بها تنتزع الحقوق..
وهو جريمة على مستوى المجتمع كله بسكوته ونومه العميق عن مثل هذه الممارسات البشعة في حق الطفولة وفي حق تقدم الوطن..
وأخيرا هو جريمة لأنه الهدية المسمومة التي تقدم لأبي المرسة الجزائرية .. للمعلم الأول ابن باديس في ذكرى وفاته التي هي ذكرى يوم العلم التي كان ينبغي إحياؤها بمزيد الجهد والإبداع ، لا بتفريغ المدارس من أبنائها في كل فترة مناسبة إحياء هذه الذكرى ذات البعد الحضاري العميق المغزى..
أبو العباس برحايل ........المعلم الذي لم يضرب عن التعليم يوما واحدا طيلة مشواره التربوي الذي دام 42سنة
ساحة النقاش