جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الحلقة8
مع قدوم الشتاء واشتداد البرد يأمرنا سيدنا بالذهاب للاحتطاب ؛ فنذهب تحت وطأة الصقيغ جماعيا ويستطيع الكبار أن يشكلوا رزمهم ونبقى نحن الصغار باكين وقد تجمدت أصابعنا من زمهرير ذلك الصقيع فلا نستطيع أن نفعل شيئا ؛ ويضطر الكبار لمساعدتنا في تلفيق حزم صغيرة رمزية لا تغني شيئا وتشير فقط إلى اننا شاركنا في حملة الاحتطاب..
ومن حين لآخر كنت أقدم على الحامع في الصباخ الباكر مبتلا ؛ ليس بسبب المطرفلا مطر هناك وإنما الصقيع
وأقترب أنا من النار الملتهبة طلبا للدفء ؛ والتي يكون قد أشعلها أوائل الوافدين ..فقد كنا نذهب مبكرين للجامع بقصد محو لوحة الأمس وصقلها بالصلصال وتجفيفها على النار إعدادا لكتابة السورة أو الآيات الجديدة..
ويلاحظ زملائي علي ومن تحت اللوحة أن قندورتي المخيطة من أوخم قماش منسوج من القش / الباياص ؛ وهي كل ما كان ملبسي تحت برنسي الصغير ؛ يلاحظون أنها تفور ببخار كثيف ..
ويسألونني عن سبب الابتلال فأزعم لهم أن ابن عمي الصغير يكون قد تبول عني اثناء النوم .. والواقع أني تبولت بنفسي في الفراش بكل بساطة والمشكلة أن الفراش لم يكن فراش بيتنا بل هو فراش بيت عمي .. وكنت في هذه الفترة أتبول على نفسي أثناء النوم والسبب أني كنت أحلم أني صحوت وذهبت للتبول في الخلاء ؛ وإذابالبول يغمرني في الفراش دافئا في البداية ثم سرعان ما يبرد وأعلم أني تبولت تحتي مثل الرضع من الصبيان؛ وأعاني الأمرين من الخجل ومن تأنيب الضمير من جهة رغم انه لا أرادة لي في ذلك الفعل المخزي وأعاني من البلل والبرد من جهة ثانية .. ولقد كنت في هذه الفترة أذهب كل ليلة مع إحدى العجائز التي اعتادت أمي أن تستأجرها لتنسج معها برنوسا إلى بيت عمي للمبيت مؤانسة لزوجة عمي التي كانت وحدها مع صغارها إذ كان عمي في المغترب.. وكان خوفي شديدا أن أتعرض للعقاب بسبب هذا التبول الليلي غير الإرادي ؛ ولكن العقاب جاء من طريق آخر لم يكن في الحسبان .. فقد كنا نحن الصبية أحيانا نردد ألفاظا لا نعرف دلالاتها بدقة ؛ فطلب مني أحد أعمامي وكان معتوها أن أقف أمام زوجة عمي وأردد امامها لفظة " آزلاط" التي تعني على العموم عرف الغصن ؛ او قضيبا من غصن ؛ ولكن بالتأكيد لها معنى مجازيا يحيل على دلالة عضو الذكورة .. وذلك ما أراده عمي المعتوه أن تفهمه زوجة أخيه ؛ وهو ما لم أكن أدركه إلا بصورة مبهمة جدا.. غضبت زوجة عمي مني غضبا شديدا وانا أتلفظ امامها ذلك اللفظ اللعين الذي لم يكن متداولا في قبيلتنا بل كان متداولا بمعناه البريء في عرش آخر .. وفي خضم غضبها الساطع توعدتني المرأة بأنها ستخبر أبي بوقاحتي .. وأنجزت هي ما وعدت ؛ وأقبل إلي والدي في الضحى يسلقني سلقا ويشبعني ضربا . كانت " طريحة" حمراء ؛ بل راح يفتح خنجره المتعدد الأنصال ؛ أخرجه من جيبه ؛ وراح يضع شفرته الحادة على رقبتي مزمعا ذبحي ! ولولا أن تداركني الله كما تدارك إسماعسل بذبح.. بأن سارعت عمتي وانتزعتني من مخلب أبي الذي بدا في تلك اللحظات وحشا ضاريا خالصا.. بالتأكيد أن زوجة عمي لم تكن تتصور ان رد فعل والدي سيكون بهذا العنف الغاشم لمجرد كلمة تفوه بها صبي لا يدرك دلالتها.. فقد كانت امراة رحيمة تحبني حب ابن ؛ وأحبها حب ام..
قاطعت إثر ذلك بيت عمي بصفة مطلقة ولم أعد أذهب مع العجوز لمؤانسة امرأة وشت بي وكادت تتسبب في ذبحي وهو ما كان راسخا في وجداني بصفة يقينية مطلقة..
ولم أدخل ذلك البيت زمنا متطاولا بتقويم الطفولة حتى يوم عاد عمي من مغتربه ؛
فقد جروني إليه جرا في اليوم التالي من عودته لتحيته وقد وضعوا في يدي شيئا جديدا لترضيتي لم أره قبل في حياتي ؛ لقد كان صفائح صغيرة ذهبية اللون وكان مذافه شهيا عجيبا سموه القوفريط!
ترى هل يكون عمي علم بما سببته لي زوجته من عقاب بدني ونفسي لأمر تافه؟ ولكن هل حكى له أحد عن زوجته تحدثت لسلفها عن " القضيب" . والتحليل والتأويل اليوم لهذا السلوك الذي كان يكفي فيه الزجر اللفظي ؛ وأن ينبه الصبي بحكمة ألا يعيد هذه الكلمة على الأسماع لأنها لا تقال وهي خادشة للحياء... هو أن المراة وهي تعيش في حال من غياب الزوج ؛ ومن غير وعي ؛ حنت في لاشعورها البطني إلى الغشيان الذكوري وإشباع الرغبة المتيقظة لغريزة طال سغبها بداعي هجران الزوج الذي طال ؛ إشباع بطريقة ما؛ ولو كانت لفظية صوتية ؛ وكان لا جرم ان تردد ألفاظا مثيرة تنتمي لعالم الممارسة الحميمية امام رجل حيي وزميت مثل والدي؛ هو لون من ألوان الإشباع اللفظي بأقل صورة ؛ ولو كان الموقف بريئا تماما لعاقبتني هي بنفسها ولا احد سيلومها ؛ او لشكتني لأمي في أقصى الحالات؛ اما ان تشكوني لوالدي ؛ لرجل بتلفظ الكلمة الممنوعة التداول وترديدها امامه وما قالها الصبي وبالصورة الاستفزازية التي لقن بها ؛ فهو لا يحمل غير المراودة لمعنى أيروسي صارخ.. وكانه تنبيه للرجل الغافل عن وجود امراة أهملت ؛ وهي تشكو سغبا ممضا ل" القضيب" لكن المرأة أخطأت الهدف فقد كان سلفها رجلا حييا ساذجا تقيا لا ينظر في وجوه النساء أبدا ولو خلسة ولا يخطر بباله المعنى الذي شعل العقل الباطني للمرأة التي تبيت تتقلب وحدها في فراش بارد . وهذه الحال من العزلة وحدها كافية لأرفع عنها اليوم كل لوم..
ساحة النقاش