الحلقة 9

عاد والدي  من المهجر إذن  ولا أذكر  عودته  هذه المرة ؛ وإنما شرع  في العمل  ليشيد لنا بيتا  جديدا ؛ فقد كنا  نسكن بيتا  لعمتي  مقام في  أرض جدي ؛ فتم هدم هذا البيت أولا ؛ وعدنا إلى  غرفة " الحانوت"  لنقيم فيه من جديد مؤقتا  حتى ينتهي بناء البيت الجديد  على انقاض  بيت عمتي  ؛ بعد أن  أقام ستورا  حاجبا  كما لو كان صحنا  .. وقام بتكسير الحجارة  هنا وهناك في الأرض البراح ؛ ثم نقلها على ظهر  بهيمة  وقد ركب على ظهرها محمل  مصنوع من ألواح خشبية ؛ وغالبا ما كنت اسوق البهيمة بين المقلع وورشة البناء .. و لأن البناء يتم بالحجارة  وبالتراب ؛ ف‘ن التراب  لم يكن أي تراب  بل هو التراب الجيري الأبيض.. واشترى والدي  لنقل التراب الجيري من مقلعه إلى الورشة  نقالة يدوية (برويطة) وهي آلة عجيبة  ترى في هذا الحي لأول مرة  مثلها مثل الدراجة الهوائية؛ فكنت أمسك  بمقبضيها  الإثنين  وأدفع بها  فارغة  أو أركب في حوضها  أحد الصبية الصغار  في مرح بالغ  وكثيرا ما كنت  اقودها  في همة فخر  قاصدا بها المحجرة  التينجلب منها الجير ..  تم حفر  الأساس  للبناء  وذبح والدي  ديكا في  خندق الأساس  لينهض  البنيان  على فدية  وعلى إراقة دم.. وانطلق البناءان  في وضع حجر الزاوية في الأركان الأربعة للمبنى  ومدى خيوط  القياس شاقوليا  نحو  العلا  وخيوط التسديد والاستقامة  أفقيا  مع طول  حافتي  أخدود الأساس . لم يدم  البناء طويلا  وسرعان  ما تراءت  الجدران من بعيد  وجاء والدي  بألواح خشبية  للسقف  اسقطتها شاحنة  في طريق البايلك  لأنه  لا طريق مباشر  لحيينا  فنقلنا الألواح  على ظهر البهيمة.. كما جاء بأكداس  من الديس واكداس أخرى من  سنابل اتلديس  التي نسميها البوص

 وبه  تجدل أفرشة ؛ وتوضع فوق  الألواح الخشبية ؛ ثم فوق  الأفرشة  توضع طبقة  من الطين الجيري؛ وفوق الطين الجيري  يرتب نبات الديس  ويشد  بجدائل من الحلفاء  بحيص ينزلق  مغ مزاريب الديس  الصغير  قطر المطر  حين تمطر  إلى جوانب المبنى .ز ويجدد الديس سنة بعد سنة  لصيانة   البيت من القطر ..

ومن الألواح  التي  فضلت  من التسقيف  صنع لنا النجار  الذي  كان  من الأقارب  لكنه مقيم  في وادي "غنية" البعيد؛ صنع بابين  للغرفتين   وبابا كبيرا من دفتبن لصحن الحوش  وسدة  تقف  على   أقدام  خشبية  لتصفف  بل لتتكدس  على ألواحها  مزاود المؤونة  والعولة.. وقد  طليت  الأبواب  بلون أخضر براق  ؛ ويحدث  طلاءالأبواب  في هذا الريف  النائي  لأول مرة  انتباه الناس  وبذلك يبدع والدي  موضة  فيه فيقوم  من يبني  بعد ذلك  بطلاء الأبواب ..

ويكون  يوم التسقيف  بمثابة عيد  يذبح فيه  أبي جديا سمينا    ويقدم مائدة من  أطباق البربوشة  واللحم  لجمهور المتعاونين  في تويزة التسقيف..  بعد تجيير  الجدران الداخلية للغرفتين  نرحل  إلى البيت  الجديد ؛

لكن الفرحة  تفسدها  مشاجرة طارئة  بين والدي وامي  .ز ويضطر  والدي  أن يحتفل وحده  بأن يطلق  بصعوبة كبيرة  طلقا ناريا  من مسدسه  الذي جاء به من المهجر  وسط البيت الجديد.  ويكون الطلق  بمثابة التدشين  من جهة ؛ وحتى  لا تسكنه  الجن والعفاريت  من جهة أخرى. وينتقل  البناءان  مباشرة لتشييد  بيت عمي سالم ؛ ولا يمر  شهر او شهران  حتى يعتلي البناء  بجوار بيتنا  بحيث لا يفصل بينهما  غير رواق  من متر  واحد ؛ وهو الرواق  الذي تتخذه النساء والصبية  مكانا مستورا  لقضاء الجاحة البشرية  إذ لا مراحض  في البيوت بالريف..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 38 مشاهدة
نشرت فى 24 مايو 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,941