الحلقة 7
في تلك الآونة من التحاقي بالجامع كذبت على بنات عمتي كذبة مدوية ..
لقد كانت بي رغبة عارمة في أعماق نفسي لزيارة ابنة عمتي العروس التي تزوجت حديثا جدا وكان بيتها أقرب بيت يجاور الجامع؛ولكني لم أجرؤ..
وكان عرسها مدويا تميز بكونها صاحبة أغلى مهر دفع ؛ عرس أحيته فرقة الرحابة الغنائية وأهل المزامير والقصبة عدة ليال..
وقد فرض أهلها على العريس الذي كان مغتربا في فرنسا مهرا أسطوريا بلغ السبعين ألفا فيما كانت المهور يومئذ لا تتجاوز الثلاثين ألفا وكان كل ما في ذلك العرس استثنائيا ..
لفقت حكاية خيالية ورويتها لبنات عمتي على اني زرت اختهن العروس واستقبلتني استقبالا حافلا وملأت يديّ تمرا ورقاقا! وفتحت لي صندوق عرسها وأرتني اللطائف التي اهداها لها عريسهاالذي عاد من المهجر عشية العرس..
ونقلن الحكاية لأمهن بعد ان استحلفنني فحلفت لهن بكل يمين غليظة واستدعتني عمتي لتسمع عني الرواية ؛
وكررت على مسمعها في تلعثم بيّن ما كنت لفقته تلفيقا وقصصته على بناتها ؛ وسألتني بعض الأسئلة عن ملبسها وعن أشياء أخرى ؛ ولا شك أنها استنتجت تلفيقي وسايرتني في خيالي ولم تفضحني ؛ على أن الحكاية صارت من النوادر المتداولة بعد ذلك. وفي تلك الأيام الأولى من التحاقي بالجامع زارنا أحد أهل العضلات المفتولة وصاحب الفتوّة الذي يعتبر نفسه الصنديد الذي لا يغلب في المصارعات التي تنشأ من حين لآخر في المشتى بين طالبي الفتوة. طلب مني ان أذهب إلى أقرب بيت من الجامع لآتيه بالماء كي يروي غليله؛ فرفضت مدعيا خوفي من الكلاب وأنا في الحقيقة لا أخاف من الكلاب قدر تهيبي وخجلي من العباد !
وإذ تفاجأ برفضي وهو المستبد الهائج المعتد بفتوته ؛ هوى على خدي بصفعة مدوية
وكان اعتداء سافرا لا مبرر له ؛ خصوصا وقد كان في الجامع أطفال هم من سكان تلك البيوت القريبة وكان يمكن أن يكلفهم هم بمطلبه دون أن يعتدي علي بتلك الغطرسة. ربما كان صفعه لي عقابا على جبني وخجلي وقلة إقدامي ؛ وربما قد رمى من وراء ذلك أن يعلمني الشجاعة والإقدام ؛ ولكنني لم أدرك ذلك الغرض البعيد إن جال في خاطره فعلا؛ وشعرت فقط بألم الصفعة وبالظلم غير المبرر. وكنا نحن التلاميذ في الجامع وبزعامة أكابرنا نردد مجموعة من الأسجاع في حق معالم محددة في القرآن
والغرض هو أن من يصل في حفظه إلى تلك المعالم ؛ عليه تقديم إكراميات وجزاءات احتفالا بالوصول إلى أحد تلك المعالم.
وهكذا وحين وصلت سورة البينة " لم يكن الذين كفروا..." رددوا في وجهي: لم يكن: الدجاجة تشطح في الكانون.." وهو ما يعني أنه يتوجب علي أن آتيهم بإكرامية .
. فاقترح علي أخد الخبثاء الشياطين من كبار القدادشة أن آتيهم بالغائط. وببراء وبكل سذاجة وبلاهة ذهبت إلى الغائط حيث يتم قضاء الحاجة وجئت على رأس شظية بقطعة من النجاسة ودخلت بها حرم الجامع.. فضجوا ما بين مستنكر للمنكر وبين ساخر مني .
وحين جاء سيدنا وشوا بي عنده وأعلموه بالحادثة الفظيعة وبجرمي في تدنيس المكان المقدس ؛ ولم يكن بد من سيدنا أن يسلخ باطن قدمي الطريتين بالعصا :الفلقة! جزاء وفاقا على الفعلة الشنيعة وبإدخال النجاسة إلى مكان طاهر يتلى فيه كلام رب العالمين ..
فغادرت قاعة المسجد على امشاط قدمي في حال من الصراخ والدموع والخطام السائل من أنفي .. ولكني سرعان ما تلهيت باللعب ونسيت الأمر . ولم أعد إلى داخل المسجد في تلك الأمسية ولم أقم لصلاة العصر ولم أشارك في التلاوة الجماعية بعد الصلاة ؛ وحين سرح القدادشة انصرفت أنا إلى بيتنا وكأن شيئا لم يكن ,, وكانت الحادثة قد صرفت القدادشة عن معاودة سجعتهم المشؤومة " لم يكن.. الجاجة تشطح في الكانون" وكفاهم اني انا من شطح لهم بالفلقة بدل الدجاجة!


ساحة النقاش