قبل أن تلوموا الشباب فاروق جويدة 832 طباعة المقال لا ادرى متى نعترف اننا لم نتعامل مع اجيالنا الجديدة بقدر من الرحمة وان اجيال مصر اكلت بعضها بضراوة وان فرص الشباب المميز الواعد اصبحت

نادرة إذا لم تكن مستحيلة..لا ادرى متى نواجه الحقيقة ونعترف ان شبابنا لم يعد يجد المكان المناسب والعمل المناسب والحياة الكريمة امام اختلال منظومة العدالة وطغيان فئة من الناس على مستقبل اجيال كاملة..والغريب ان البعض مازال يتحدث عن ثوابت قديمة وحكايات عن الإنتماء الغائب ومشاعر صادقة عن الإرتباط بالأرض وحب الوطن وهذا العشق الأزلى الذى كان يميز الإنسان المصرى فى كل الأزمنة والعصور.. تراجعت كل هذه الثوابت امام قسوة الظروف واختلال القيم وقبل هذا كله افتقاد العدالة..اقول هذا وانا اتابع بحزن شديد ما تنشره الصحف ووسائل الإعلام حول تغيير شبابنا لجنسياتهم امام البحث عن فرصة وان هؤلاء الشباب مخترعون صغار او اصحاب مواهب فى كل المجالات..بدأت هذه القصص تتناثر كالشظايا فى وجه مجتمع ظالم لم يعد قادرا على ان يميز بين ابنائه ويضع كل صاحب موهبة فى مكانه الصحيح.

> سوف يتساءل البعض وأين الإنتماء واين مصر التى كنا نذوب فيها عشقا..واقول ان هذا الشاب الذى اختار وطنا آخر طاف على كل المكاتب واستقبله عشرات المسئولين وقدموا له عشرات الوعود الكاذبة وأخذوا معه الصور التى زينت الصحف ووسائل الإعلام وكل ما خرج به هذا الشاب من مشواره فى المكاتب ورقة صغيرة تشهد بتفوقه ونبوغه وبعد ذلك خرج الى الحياة ولم يجد عونا من احد فأصابته امراض الإحباط والكآبة .. هل بعد ذلك يلومه أحد إذا وجد وطنا آخر يقدر موهبته ويقدم له كل وسائل التفوق والنبوغ..هل نلوم مدرسة وفرت له كل شئ ليشارك فى مسابقات دولية ويحصل على الجوائز ويصبح حديث العالم كله..

> يخطئ كثيرا من يتصور ان حب الوطن يعنى الإحباط وإهدار القيمة.. ان هذا الحب لابد وان يترجم الى كل صور الرعاية والحماية واتاحة الفرص وإذا توقف عند اغنية او شعار او خطبة عصماء فهو لا يترك بعده أثرا..ان هذا الشاب المتفوق الذى يبحث عن مؤسسة تتبنى افكاره الخلاقة يقرأ كل يوم فى الصحف وعلى شاشات الفضائيات المعارك التى تدور بين النوادى لشراء وبيع لاعبى كرة القدم وكلها ارقام بالملايين ان هذا الشاب يندم على اليوم الذى استخدم فيه قلمه ولم يستخدم فيه قدمه والأغرب من ذلك صفقات البيع والشراء فى الأسواق العالمية بعشرات الملايين من الدولارات..ان هذا الشاب العالم لا يريد الملايين انه فقط يبحث عن رجل اعمال يتبنى له مشروعا او اختراعا لكى يصبح حلمه حقيقة..

> ماذا يفعل هذا الشاب وهو يقف وحيدا وغريبا وعاجزا امام مجتمع قام بتوريث كل الوظائف فيه حاول ان تقرأ مسابقات التعيين فى وظائف الدولة وسوف تكتشف انها كذبة كبرى لأن المسابقة انتهت وابناء المسئولين سطوا عليها والإعلان مجرد إجراء قانونى للتستر على جريمة اسمها الإعتداء الغاشم على تكافؤ الفرص والعدالة..كل الوظائف فى مصر الأن دخلت ساحة التوريث كل مسئول فى منصب او موقع قام بتأمين مستقبل ابنائه وكأن الدولة اختارته لكى يدير شئون اسرته الصغيرة وإذا فاض شئ هناك اسرته الأكبر قليلا..إذا تتبعت مسيرة الوظائف فى السنوات الماضية فسوف تكتشف كيف تمت عمليات التوريث فى القضاء والإعلام والجهات السيادية والكهرباء والبنوك والبترول والجامعات ولم يبق شئ فى هذه المواقع لشاب متميز او مشروع عالم صغير يبحث عن فرصة..

> إذا انتقلنا الى مجالات البحث العلمى والدراسات العليا فإن البحث العلمى فى مصر ومنذ سنوات بعيدة سيطرت عليه خلايا الإهمال امام ميزانيات خاوية وإهمال متعمد وابتعاد كامل عن روح العصر وما يجرى فيه..ان ميزانية البحث العلمى فى مصر لا ترصف طريقا ولا تقيم محطة للصرف الصحى او المياه وبقيت وزارة البحث العلمى حائرة فى كل تشكيل وزارى جديد هل تصبح وزارة مستقلة ام تبقى فرعا من فروع التربية او التعليم..ويكفى ان تشاهد كل يوم آلاف الحاصلين على الماجستير والدكتوراه ومنهم العلماء وهم يفترشون الأرض امام مجلس الوزراء حيث يرفض المسئولون مجرد الحوار معهم..إذا كانت هذه اساليب التعامل مع عقول مصر المبدعة فماذا يحدث للشباب الواعد .

> سوف أجد من يتحدث عن الإنتماء ويتساءل لماذا غابت كل هذه المشاعر فى اجيالنا الجديدة وكيف نسترد هذا الإحساس بحب هذا الوطن.. لقد عاش الفلاح المصرى قرونا طويلة يرفض الهجرة خارج وطنه وكان يحلف بغربته إذا ترك كفر الشيخ وذهب الى طنطا او دمنهور وكان العامل المصرى ثروة حقيقية فى كل شئ فماذا حدث لنا..إذا أردت الإجابة عليك ان تسأل أين العدالة..حين غابت موازين العدالة واختلت فى سلطة القرار وفى منظومة الحياة وفى التركيبة الطبقية البغيضة التى جعلت ابناء الوطن الواحد قادرين وعاجزين وملاك واجراء وضحايا الفساد وضحايا الفقر ساعتها سوف تدرك لماذا تغيرت المشاعر واصبح الانتماء الحقيقى للثروة والمال ولم يعد انتماء لتراب هذا الوطن..

حين شاهد الشاب المصرى زميله الفاشل فى الدراسة يرث وظيفة ومنصب ابيه ولم يشفع له تفوقه تغيرت حساباته واختلت مشاعره..ان الإنتماء ليس قصة حب من طرف واحد لأن كل انواع الحب من طرف واحد فشلت لأنها تطلب العطاء بلا مقابل وفى مجتمع من البشر وليس الأنبياء يصبح من حق كل إنسان ان يأخذ مقابل ما اعطى وإذا كانت هناك اجيال فعلت ذلك في زمان مضى فهناك اجيال جديدة ترفضه

انا لا الوم شبابا صغيرا حصل على جنسية اخرى من اجل فرصة عمل او اختراع او جائزة يستحقها ولكننى الوم مجتمعا حرمه من حقه فى حياة كريمة فى تعليم متطور ورعاية صحية متقدمة وبيت آمن واسرة متماسكة..ان هذا الشاب ينظر حوله ليجد ابا مريضا او اما تعمل طوال اليوم وحوله عشرات الوجوه التى تنشرها وسائل الإعلام من الإعلانات المستفزة والقصور الفارهة والسيارات الحديثة بينما يجد نفسه قابعا فى ركن مظلم امام اختراع او محاولة استكشاف عقيمة يضعها المسئولون فى مكاتبهم دون رعاية او اهتمام..

> لقد تحدثت اكثر من مرة عن هجرة الكفاءات النادرة من مصر وهذه الظاهرة ليست جديدة علينا فهناك اجيال من ابرز مواهب مصر هاجرت فى اعقاب نكسة 67 ويومها قلنا ان هناك اسبابا لذلك امام الإحباط وغياب الحلم وقسوة المحنة..والآن تكررت هذه الظاهرة بعد ثورة يناير..ولاشك ان الحملة التى تعرض لها شباب مصر والإتهامات بالخيانة والعمالة من بعض صغار النفوس من الآفاقين والمأجورين وكذابى الزفة كان وراء هجرة اعداد كبيرة من شبابنا المتميز الذى لم يحتمل هذا الحصار البغيض فى عمله ورزقه واحلامه..ان هذه العصابة التى طاردت احلام جيل ثورة يناير كانت سببا فى حالة الإحباط والهروب التى اصابت الأجيال الجديدة من شباب مصر يضاف لذلك كله غياب الفرص الحقيقية امام هذه الأجيال..فى العهد السابق كان يقال ان هناك فئة تقطف الثمار من الأشجار قبل ان تنضج بينما الملايين جالسون ينتظرون ثمارا لن تجئ..ومازالت هناك فئة تسطو على الثمار كما اعتادت فى زمان مضى والمطلوب ان تحقق العدالة شيئا من تكافؤ الفرص بين شباب مصر

> لا ينبغى ابدا ان نتجاهل قضايا الانتماء رغم انه يبدو مجرد مشاعر ولكنه يصنع احلاما ويشكل وجدانا ويبنى جسورا من التواصل والقدرة والإرادة..لقد غاب الإنتماء فى المدرسة والأسرة والجامعة ووسائل الإعلام والثقافة وقبل هذا كله فى سياسات خاطئة لم تراعى فيها الجوانب الإجتماعية والإنسانية فى تشكيل البشر..ليس معنى الإنتماء ابدا ان نهدر مستقبل اجيال قادمة فنوزع الأراضى بلا حسابات ونقترض الأموال بلا حدود ونبيع الحاضر والمستقبل من اجل فئة من الناس اعطت نفسها الحق فى امتلاك وطن وحرمان شعبه

لقد غاب الإنتماء ايضا امام ثقافة قامت على الأنانية والجشع وحب الذات فى فن هابط وغناء ساذج ومسلسلات نشرت الجرائم والفساد وحاصرت الأجيال الجديدة بمفاهيم هابطة فغاب الوعى وتراجعت كل وسائل الفهم والتمييز..

> ان المطلوب الأن ان ندرس اسباب هذه الحالات الفردية التى جعلت بعض شبابنا يبحث لنفسه عن مستقبل بعيدا عن وطنه حتى لو تغيرت جنسيته وحمل جواز سفر آخر..وهذا يعنى ان للظاهرة اسبابها الموضوعية التى تحتاج الى نظرة شاملة للواقع المصرى كله..

لقد اصبح العالم قرية صغيرة واصبحت وسائل التواصل بين الشعوب وليس بين الأفراد واقعا لا يمكن الهروب منه..نحن امام ثقافة عالمية تنتقل بسرعة رهيبة وامام افكار جديدة فيها الصالح والطالح ولكنها متاحة امام الجميع وامام اغراءات رهيبة فى اساليب الحياة وفرص العمل والتميز والثراء وهذه الأشياء جميعها تحرك خيال الشباب واحلامهم لبناء مستقبلهم..ان من حق الشباب ان يحلم وان يجسد احلامه فى واقع جميل وان يجد الأيادى التى تساعده لتحقيق هذه الأحلام ومن حقه ايضا ان يجد لنفسه اكثر من طريق..

> سوف تكون خطيئة كبرى فى حق اجيالنا القادمة ان نحرمها من مجرد الأحلام ثم نقف امام مستقبلها وفى نهاية المطاف نوجه لها سهام الإتهامات بالخيانة وعدم الإنتماء حين تبحث عن مستقبلها فى مكان آخر.. ان 60 مليون شاب فى مصر الأن يمثلون ثروتها الحقيقية ولا يعقل ان يظل جيل واحد قابعا فى مكان قصى يسيطر على كل قرار ويحرك كل شئ دون مراعاة لحقوق اجيال اخرى فى العمل والمستقبل والحياة الكريمة لأن فى ذلك ظلم شديد لهذه الأجيال الواعدة..

لا يمكن الحديث عن هجرة الشباب دون ان نقترب من الأسباب الحقيقية وحين تتوافر الظروف المناسبة لتحقيق احلام هؤلاء الشباب فلن يرحل منهم احد ولن يستبدل جواز سفره بجنسية وطن آ خر.

قبل ان تلوموا الشباب..لوموا الواقع البغيض الذي فرض عليهم مالا يحبون..وليجلس كل واحد منا في اماكنهم حتى يدرك حجم المأساة

 

 ..ويبقى الشعر

 مَا زالَ يرْكضُ بَيْنَ أعْمَاقى

جَوادٌ جَامحٌ..

سَجنوهُ يوما فى دُروبِ المسْتحيلْ..

مَا بَيْنَ أحْلام الليَالى

كانَ يَجْرى كلَّ يَوْم ألفَ مِيلْ

وتكسّرتْ أقدامُهُ الخضراءُ

وانشَطرتْ خُيوط ُالصُّبح فى عَيْنيهِ

وَاختنق الصَّهيلْ

مِنْ يومها وقوافِلُ الأحْزان تـَرتـعُ فى رُبُوعى

والدّماءُ الخضْرُ فى صَمتٍ تسيلْ

من يَومهَا.. والضَّوءُ يَرْحلُ عنْ عُيونى

والنـّخيلُ الشـّامخُ المقهُورُ

فِى فـَزع ٍ يئنٌ.. ولا يَمِيلْ..

مَا زالتِ الأشـْبَاحُ تسْكرُ مِنْ دمَاءِ النيلْ

فلتخبرينـِى.. كيف يأتى الصُّبْحُ

والزمَنُ الجمِيلْ..

فأنا وَأنت سَحَابتـَان تـُحلقـَان

على ثـَرى وطن ٍبخيلْ..

من أينَ يأتِى الحُلمُ والأشْباحُ تـَرتعُ حَوْلنا

وتغـُوصُ فى دَمِنا

سِهَامُ البطـْش.. والقـَهْرُ الطـَّويلْ

مِنْ أينَ يأتى الصبْحُ

واللــَّيْـلُ الكئيبُ عَـلى نزَيف عُيُوننـَا

يَهْوَى التـَسَكـُّعَ.. والرَّحيلْ

من أينَ يَأتى الفجْرُ

والجلادُ فى غـُرف الصّغـَار

يُعلمُ الأطفالَ مَنْ سَيكونُ

مِنـْهم قاتلٌ ومَن ِالقتيلْ ..

لا تسْألينى الآنَ عن زَمن ٍجميلْ

أنا لا أحبُّ الحُزنَ

لكن كلُّ أحزانِى جراحٌ

أرهقتْ قلبى العَليلْ..

ما بيْنَ حُلم ٍخاننى.. ضاعتْ أغَانِى الحُبّ..

وانطفأتْ شموسُ العُمر.. وانتحَرَ الأصِيلْ..

لكنه قدَرى بأن أحيا عَلى الأطـْلالْ

أرسمُ فى سَوادِ الليل

قِنديلا.. وفجرًا شاحبًا

يتوكـَّآن على بقايَا العُمر

والجسدِ الهزيلْ

إنى أحبُّك

كلما تاهت خـُيوط ُالضَّوء عَنْ عَيْنى

أرى فيكِ الدَّليلْ

إنى أحبـُّك..

لا تكونِى ليلة ًعذراءَ

نامت فى ضُـلـُوعى..

ثم شرَّدَها الرَّحِيلْ..

أنى أحبـُّك...

لا تكـُونى مثلَ كلِّ النـَّاس

عهدًا زائفـًا

أو نجْمة ًضلتْ وتبحثُ عنْ سبيلْ

داويتُ أحْزان القلوبِ

غرسْتُ فى وجْهِ الصَّحارى

ألفَ بسْتان ٍظليلْ

والآن جئتك خائفـًا

نفسُ الوُجوه

تعُودُ مثلَ السّوس

تنخرُ فى عِظام النيلْ..

نفـْسُ الوُجوُه..

تـُطلُّ من خلف النـَّوافذِ

تنعقُ الغرْبانُ.. يَرتفعُ العَويلْ..

نفسُ الوجُوه

على الموائِد تأكلُ الجَسدَ النـَّحيلْ..

نـَفسُ الوجوهِ

تـُطلُّ فوق الشاشَةِ السَّوداءِ

تنشرُ سُمَّها..

ودِماؤنـَا فى نشْوة الأفـْراح

مِنْ فمهَا تسيلْ..

نفسُ الوجوهِ..

الآن تقتحِمُ العَيُونَ..

كأنها الكابُوس فى حلم ٍثقيلْ

نفسُ الوجوه..

تعُودُ كالجُرذان تـَجْرىَ خلفنـَا..

وأمَامنا الجلادُ.. والليلُ الطويلْ..

لا تسْألينى الآن عَنْ حُلم جَميلْ

أنا لا ألومُ الصُّبحَ

إن ولــَّى وودّعَ أرضنـَا

فالصبحُ لا يَرضى هَوَان َالعَيْش

فى وَطن ٍذليلْ

أنا لا ألومُ النارَ إن هَدأتْ

وصَارتْ نخوة عرجاء

فى جَسَد عليلْ..

أنا لا ألـُوًمُ النهرَ

إن جفتْ شواطئـُه

وأجدَبَ زرْعُه..

وتكسَّرتْ كالضَّوء فى عَيْنيهِ

أعناقُ النخيلْ..

مادَامَتِ الأشْباحُ تسْكرُ

منْ دمَاء النيلْ..

لا تسَألينى الآنَ..

عن زمن ٍ جميلْ

 

 

«قصيدة جاء السحاب بلا مطر سنة 1996»

 


لمزيد من مقالات فاروق جويدةرابط دائم:            33
azazystudy

مع أطيب الأمنيات بالتوفيق الدكتورة/سلوى عزازي

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 4 ديسمبر 2015 بواسطة azazystudy

ساحة النقاش

الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي

azazystudy
دكتوراة مناهج وطرق تدريس لغة عربية محاضر بالأكاديمية المهنية للمعلمين، وعضوالجمعية المصرية للمعلمين حملة الماجستير والدكتوراة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

3,734,187