المبحث الثالث والعشرون - تأكيد المدح بما يشبه الذم
له ثلاثةُ أساليبَ :
الأسلوبُ الأولُ - أنْ يستثنَى من صفةِ ذمٍّ منفيةٍ عن الشيءِ صفةَ مدحٍ بتقدير دخولها فيهِ ، نحو قوله تعالى:{ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)} [الواقعة/25، 26]، فالتأكيدُ فيه من جهةِ أنه كدعوَى الشيء ببينةٍ، وأنَّ الأصلَ في الاستثناءِ الاتصالُ، فذكر ذاتهُ قبلَ ذكر ما بعدها يوم َإخراجِ الشيء مما قبلها، فإذا وليها صفة ُمدح ٍجاءَ التأكيدُ.،
وكقول النابغة :
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِب
وإنما كان هذا الاستثناءُ من المبالغةِ في المدح ِ ،لأنه قد دلَّ به على أنه لو كان فيهم عيبٌ غيره لذكرَه، وأنه لم يقصدْ إلا وصفهُم بما فيهم على الحقيقةِ .
وقول الشاعر :
ولا عَيْبَ في معروفِهمْ غيرَ أنَّهُ ... يُبَيِّنُ عَجْزَ الشَّاكرينَ عن الشُّكْرِ
ومن أحسن ما قيل في ذلك قول حاتم الطائي :
وما تشتكيني جارتي غيرَ أنَّني ... إذا غابَ عنها بعلُها لا أزورُها
الأسلوبُ الثاني – أنْ يثبتَ للشيءِ صفةَ مدحٍ ، ويأتيَ بعدها بأداةِ استثناءٍ تليها صفةُ مدحٍ أخرى والنوع الأول أبلغ ، كقوله صلى الله عليه وسلم يحكي عن رجل من أهل الكتاب : « إِنَّ رَجُلاً كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَقِيلَ لَهُ هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ قَالَ مَا أَعْلَمُ ، قِيلَ لَهُ انْظُرْ . قَالَ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّى كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ ، فَأُنْظِرُ الْمُوسِرَ ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ . فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ » .
وأصل الاستثناء في هذا الضرب أيضاً أن يكون منقطعاً لكنه باق على حاله لم يقدر. متصلاً فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين .
و كقول الشاعر :
ولا عَيْبَ فيهِ غيرَ أنِّي قصدْتُهُ ... فأَنْستْنِيَ الأَيَّامُ أَهلاً وموطِنَا
وكقول النابغة الجعدي :
فَتًى كَملَتْ أَخلاقُهُ غيرَ أَنّه ... جوادٌ فما يُبقي من المالِ باقِيا
وأمَّا قوله تعالى:{ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) }[الواقعة/25-27]،فيحتمل الوجهينِ، وأمَّا قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} (62) سورة مريم ، فيحتملهما ،ويحتملُ وجهاً ثالثاً وهو أن يكونَ الاستثناءُ من أصله متصلاً، لأنَّ معنى السلامِ هو الدعاءُ بالسلامةِ ، وأهلُ الجنةِ عن الدعاءِ بالسلامة أغنياءُ، فكان ظاهره ُمن قبيل اللغوِ وفضولِ الكلام ِلولا ما فيه من فائدة الإكرامِ .
الأسلوبُ الثالث- هو أن ْ يأتيَ الاستثناءُ فيه مفرَّغاً ،كقوله تعالى: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } (126) سورة الأعراف ، أي وما تعيبُ منا إلا أصلَ المناقبِ والمفاخرِ كلها ،وهو الإيمانُ بآياتِ الله ، ونحوه قوله تعالى : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} (59) سورة المائدة ، فإنَّ الاستفهامَ فيه للإنكارِ.
واعلم أنَّ الاستدراكَ في هذا الباب يجري مجرَى الاستثناءِ كما في قول أبي الفضل بديعِ الزمان الهمذانيِّ :
هُوَ البَدْرُ إلاَّ أَنَّهُ البَحْرُ زَاخِراً سِوَى أَنَّهُ الضِّرْغامُ لكنَّهُ الوَبْلُ
وكقول الشاعر :
وجوهٌ كأَكْبادِ المُحِبِّينَ رقَّةً ... ولكنَّها يومَ الهيَاجِ صُخُورُ
000000000000000000000
الأسئلة :
1-تأكيد المدح ِبما يشبه الذمَّ له ثلاثة أساليب من القول عرفها وهات مثالا لكل نوع منها
==================


