إعجاز القرآن الكريم: للشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر - رحمه الله -
الإعجاز: مصدر أعجز، ومعناه: التحدي والإفحام السالم عن الرد والمعارضة.
والمعجزة: هي الأمر الخارق للعادة، ومعنى الخارق للعادة: أي خلاف ما جرت به العادة، وهي: السنة الكونية التي يجريها الله سبحانه في خلقه لا يستطيع أحد من الخلق أن يغيرها، مثل: الولد، لا يأتي إلا بأسبابه من الجماع بين الذكر والأنثى، ومثل: الكلام، لا يتكلم الطفل إلا بعد فترة من ولادته ونموه بكلمات تقليدية، ومثل: تكلم الشجر والحجر ... إلخ، فإذا أراد الله سبحانه تغيير هذه العادة أو السنة الكونية غَيَّرَهَا بقوله: كن فيكون، كما حملت مريم بعيسى - عليهما السلام - بدون أن يمسها بشر، وكما تكلم عيسى عليه السلام في المهد حال ما ولدته أمه، وكما سلَّم الشجر والحجر على خاتم المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وكما شق الله البحر لموسى والمؤمنين معه فصار طريقًا يبسًا، وكما جعل الله سبحانه عصا موسى حية تأكل ما يلقيه السحرة، فإذا أخذها عادت كما كانت، وكما سلب الله خاصية القطع من السكين عندما أراد إبراهيم عليه وسلم أن يذبح بها ابنه إسماعيل عليه وسلم بأمر الله فصارت كالخرقة فلم تجرحه، وأمثلة المعجزة كثيرة جدًا يجعلها الله سبحانه على يد رسله دليلًا على صدقهم.
ومثلها الكرامة: التي يجريها الله سبحانه على يد ولي من أوليائه بسبب شدة الحاجة، أو تحدي الخصم، أو يجريها على يد مظلوم، أو مضطر يدعو الله سبحانه بصدق؛ ولو كان كافرًا، فينصر الله المظلوم، وينجي المضطر بأمر خارق للعادة.
والأمر الخارق للعادة لا يسمى معجزة إلا إذا كان على يد نبي، ولا يسمى كرامة إلا إذا كان على يد ولي، وإلا سمي استجابة من الله لمظلوم أو مضطر.
ويسمى استدراجًا إذا كان الأمر الخارق للعادة على يد كافر غير مظلوم ولا مضطر دعا الله، هذا إذا كان حقيقة وليس سحرًا.
أما السحر فلا يسمى أمرًا خارقًا للعادة، وإنما هو تخييل الشياطين، ونوع آخر له حقيقة وهو ما يصنعه الساحر بمعاونة الشياطين من الصرف، والعطف، والإمراض، وهذا لا يتم للساحر إلا بعد كفره بالله تعالى بعبادة الشياطين، أو بإهانة القرآن أو غير ذلك من الكفر، فمن أتى الساحر فاشتراه منه ممتثلًا أمره له بالكفر أو عالمًا بذلك فهو كافر مثله.
ومن كَذِبِ الكاهن ما يوافق الحقيقة فيصدقه الجُّهَّال وهو كذوب، ومن ذلك ما تناقله بعض الناس عن كاهن في بلد منفوحة قبل دعوة الإمام المجدد - أن بقرة حاملًا أمامهم وهم جلوس، والكاهن معهم فسألوه عن حملها أذكرًا أم أنثى؟ فاستدار حولها ثم قال: إن نظرت من هذه الجهة قلت: ذكرًا، وإذا نظرت إليها من الجهة الأخرى قلت: أنثى، فقدر الله أنها ولدت توأمًا ذكرًا وأنثى، فظن أولئك الجهال أن هذا الكاهن يعلم الغيب، وهو كذوب، لكن قوله وافق الواقع كما يحصل من أي إنسان يتحرى شيئًا فيقع، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «كذب المنجمون وإن صدقوا»، أي: أن صدقهم هو ما حصل اتفاقًا؛ لا أنهم صادقون حقيقة.
أما إذا تحرى العاقل الموحد لله تعالى فقال في أمر من الأمور التي لا يعلمها قولًا فقرنه بمشيئة الله، أو والله أعلم فلا حرج، وافق أم لم يوافق.
#كتاب_الإسلام_الجزء_الثاني



ساحة النقاش