<!--<!--<!--
كانت السماء ملبدة بالغيوم و الرعد يدق أجراس المطر و أصوات المصلين تتصاعد بالدعاء : ( اللهم غيثا نافعا ) و في تلك اللحظة فتحت السماء أبوابها بماء منهمر و هرول المصلون كل إلى بيته بعد أداءهم صلاة الجمعة غير أن أبو حجاج خرج يلهث خلف أحد زملاءه في العمل حتى لحق به فاستطعمه فرحب به و استبقه بعبارات جرت عليها العادة في تلك المناسبات ثم انطلقا يتواران من ماء السماء و ماء الميزاب كظل ملتصق بالجدران حتى إذا دخلا المنزل قدم له صاحبه مائدة ريفية تحتوي على أنواع مختلفة من المقبلات و الجبن الأبيض و القشدة و العسل و البيض المقلي و اللبن الرائب و رقائق الخبز و الفطائر ثم قال مرحبا :
ـ اتفضل يا ابو حجاج البيت بيتك
نظر أبو حجاج إلى المائدة و على شفته انفراجة ازدراء و لبث هكذا ينظر إليها و يعد ما بها من محتويات ثم قال ضاحكا :
ـ لا .. لا .. أنا عايز أكل دكر بط متزغط و بيقول ... ح ح ح ح ....
فألجمته الدهشة في حين ظل أبو حجاج يرددها : (عايز أكل دكر بط متزغط و بيقول ... ح ح ح ح .... ) و فطن صاحبه أنه أمام حالة أفلست من الحياء و ما جرى ما هو إلا إعلان منها بذلك فأراد أن يعيره بعضا من مدخراته من الحياء :
ـ مد ايدك و كلك لقمة لحد ما نجهزلك دكر البط
قال ذلك ثم هم بالانصراف فناداه أبو حجاج :
ـ خد معاك الأكل ده انا مش واكل غير دكر البط و حانام ع الكنبة هنا شوية لحد لما تخلصوا
و راغ صاحبه إلى أهله و هو يكاد يتميز من الغيظ و لكنه كان يربط على قلبه ليس مراعاة لأبو حجاج بقدر ما هو احتراما و تقديرا لهذا الخلق الكريم خلق نبي الله ابراهيم عليه السلام اكرام الضيف هذا الخلق الذي لا يكتمل الإيمان الا به من كان يؤمن بالله و اليوم الأخر فليكرم ضيفه و مكث غير بعيد و رجع بالطعام و قدمه لأبو حجاج الذي انقض عليه كما ينقض الأسد على فريسته و التقمه بنهم غير مكترث بصاحبه إلى أن أفناه عن أخره ثم تمطى متكأ على ساعده و تقرع بصوت مسموع و هكذا تثائب فتأمله صاحبه فوجده عاريا من كل فضيلة ثم مد يده بداخل مخيلته ليقترف منها ما يطابق هذه الحالة فوجد فيها قول النبي صل الله عليه و سلم : ( إذا أنت لم تستحي فاصنع ما شئت ) و رسم أبو حجاج على وجهه ابتسامة يحجبها ضجيجه و قال في تهكم خفي :
ـ امال فين الكبدة و القنصة دي الأكلة ما تحلاش إلا بيهم
فرفع صاحبه رأسه و بدا احمرارا خفيفا على وجهه غير أنه تصنع الهدوء و قال في صوت أراده ألا يخرج :
ـ بارزتني بسيف الحياء و بارزتك بدرعه
ثم قال متغافلا :
ـ ليلتك سعيدة يا ضيف
فأجابه :
ـ عليك و على عيالك
فقال في نفسه :
ـ هو انت خليت حاجة لعيالي .



ساحة النقاش