-----------------------
الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
أعمال القلوب, القرآن والتفسير
-----------------------
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
13/5/1411
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
من دروس الآيات ( 8 - 10 ) : الهداية و التوفيق بيد الله وحده ( إبراهيم مع أبيه - نوح مع ابنه - الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي طالب - أولاد يعقوب مع يعقوب ) وتسلية الآباء في ذلك - العدل بين الأبناء وضابطه - معنى الحسد , وحكمه , ومتى يكون محموداً
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد:
فقد قال الله تعالى: إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين [يوسف:8-10].
في هذه الآيات دروس عظيمة دروس هامة منها أن أمر الهداية والتوفيق كله بيد الله تعالى وحده لا دخل للإنسان في ذلك مهما علا شأنه وعظمت مكانته عند الله عز وجل فهذا أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام عجز عن هداية أبيه آزر مع شدة حرصه على ذلك وهذا نوح عليه السلام من قبله مع شدة حرصه على إنقاذ ابنه لم يمكنه إنقاذه وتلقى الأمر الإلهي الحازم إنه ليس من أهلك [هود:46]. بالصبر والانقياد والخضوع والاستسلام وهذا سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم مع شدة حرصه على هداية عمه أبي طالب وقد كان يحنو عليه ويذب عنه ومع ذلك لم تكتب الهداية لعمه فالأنبياء عباد الله يسيرون بقدره ويخضعون لحكمته ومشيئته سبحانه وتعالى ليس لهم من الأمر شيء إنما وظيفتهم البلاغ وإرشاد الناس إلى دين الله وظيفتهم تنفيذ أمر الله بالبلاغ وإرشاد الناس إلى دين الله أما الهداية والتوفيق فليس لهم منهما شيء ليس لهم من أمر الهداية والتوفيق شيء.
قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون [آل عمران:128]. وقال تعالى له أيضا: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [القصص:56]. هؤلاء أبناء يعقوب عليه السلام أبناء نبي كريم هؤلاء إخوة يوسف أولاد نبي كريم أبناء نبي كريم من سلالة كريمة وبيت كريم ومع ذلك وقع منهم ما وقع ولم يتمكن أبوهم من منعهم من ذلك لم يتمكن يعقوب عليه السلام من منعهم من ذلك مع عظم قدره ومكانته عند الله تعالى فليأخذ من هذا درسا كل أب مرد عليه أولاده وفشل في إصلاحهم وهدايتهم مع بذله الجهد والطاقة وسعيه في ذلك على كل أب كما أن على كل أب أن يبذل جهده وسعيه في إرشاد أبنائه وإصلاحهم وتربيتهم تربية حسنة فإنه مع ذلك يجب ألا ينسى أن هناك جانبا لا يملكه، لا يملكه إلا الله وحده هذا الجانب هو الهداية والتوفيق فعلى كل أب أن يستنزله بالدعاء أن يلهج لسانه دائما بالدعاء لأولاده بالهداية والتوفيق لعله يستنزل ذلك من الرب عز وجل وكثيرا ما نغفل عن هذا وليأخذ أيضا من هذا درسا كل داعية إلى طريق الجنة يبذل جهده ويستفرغ وسعه لإرشاد الناس وهدايتهم إليها ومع ذلك فإنه يرى أكثرهم معرضين عنها معرضين عن طريق الجنة ويراهم يتهافتون بدلا منها على طريق النار فيهتف في قلبه هاتف الشفقة والإنكار يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار [غافر:41]. إن طريق الجنة محفوفة بالمكاره وإلا لسلكها كل أحد وطريق النار محفوف بالشهوات وإلا لما تردى فيها أحد وليس العجب من الناس إذا أذنبوا وإذا أخطؤوا وإذا عصوا ولكن العجب ممن نشأ في كنف الأنبياء وشاهد نور النبوة وعاشر نور النبوة كيف يذنب لكنها سنة الله في خلقه التي لا تبديل لها أن أمر الهداية والتوفيق ليس بيد أحد حتى ولا بيد الأنبياء بل كله بيد الله تعالى وحده مع أن إخوة يوسف تغلبت عليهم تلك الغريزة البشرية القاهرة التي غالبا ما تدفع الإنسان إلى ارتكاب الإثم التي غالبا ما تدفع الناس إلى اقتراف الذنوب تلك الغريزة التي دفعت أحد ابني آدم إلى قتل أخيه إنها الحسد فالحسد هتف من أعماق نفوسهم من أعماق نفوس إخوة يوسف ليوسف وأخيه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة مع أن أباهم لم يظلمهم فهو نبي والأنبياء لا يظلمون ولذلك لا نشك أبدا أن يعقوب عليه السلام كان في معاملته مع أبنائه جميعا عادلا منصفا لا نشك أبدا أن يعقوب عليه السلام كان يسوي بين يوسف وإخوته في الواجبات والحقوق كما هو الواجب على كل أب ولكن ليس معنى التسوية بين الأولاد في الواجبات والحقوق أن نغفل الفروق الطبيعية الجبلية بينهم فواجبات الصغير وحقوقه ومتطلباته ليست كواجبات الكبير وحقوقه ومتطلباته وواجبات، الابن وحقوقه ومتطلباته ليست كحقوق البنت وحقوقها ومتطلباتها ولكن العدل والإنصاف هو أن يحافظ الأب في هذا المجال بالميزان بين أولاده فيعتبر في كل واحد منهم حقوقه ومتطلباته الطبيعية.
سئل رجل من العرب: أي ولدك أحب إليك فقال: صغيرهم حتى يكبر وغائبهم حتى يحضر ومريضهم حتى يشفى فالعدل والإنصاف المطلوبان من الأب بين أولاده إنما هو في الظاهر أي فيما يظهره لهم باختياره أما المحبة أما محبة القلب وميله فهذا أمر قاهر لا يد لأحد فيه وقد كان يعقوب عليه السلام في قرارة نفسه يحب ابنه يوسف أكثر من باقي أبنائه لما رأى فيه من مخايل النبوة وتفرد فيه من علاماتها كان يحبه أكثر من باقي إخوته ويبدو أن علامات هذه المحبة الخاصة ظهرت لإخوة يوسف على الرغم من حرص يعقوب عليه السلام على العدل والإنصاف في معاملتهم جميعا ولكن على حد قول الشاعر:
دلائل الحب لا تخفى على أحد كحامل المسك لا يخلو من العبق
فالأب ليس ملوما في ما لا يملكه من محبة القلب وميله وإنما هو ملوم فيما يفعله باختياره من أنواع المعاملة والبشاشة والعطية والهبة الرعاية ونحو ذلك فإنه إذا أظهر تفريقا بين أبنائه في هذه الأمور فهو لم يظلمهم فحسب وإنما يدفعهم دفعا إلى التحاسد والتباغض وربما إلى التظالم لأن الولد الذي ميزه على غيره يشعر بعلو منزلته على باقي إخوته فلربما دفعه ذلك إلى ظلمهم والتسلط عليهم والعدوان ولم يصدر شيء من ذلك من يوسف عليه السلام وهو في كنف أبيه ولم يقع منه عليه السلام أي تقصير في العدل والإنصاف بين ولده ومع ذلك فقد تغلبت تلك الغريزة القاهرة تلك الغريزة البشرية الخطيرة تغلبت على قلوب إخوة يوسف غريزة الحسد فيا لها من غريزة قاهرة خطيرة ما أعظم سلطانها ما أقوى سلطانها وأشد نارها علينا جميعا أن ننتبه إلى هذا الأمر وأن نعدل وأن ننصف بين أولادنا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [البقرة:281]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق))(1)[1] أي هو ينفقه في أوجه الخير صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسد معناه تمني زوال النعمة من الخير سواء تمنى تحويلها إليه أم لا ولا يلزم فيها أن تتحول من مجرد شعور في القلب أو خاطر في الذهن إلى فعل وسعي بل يكفي فيها فعل القلب فإن الحسد عمل قلبي أي شعور يطرأ على القلب خاطر يخطر في الذهن وشعور يطرأ على القلب فيسيطر عليه ويتمكن منه إذا ما استسلم الإنسان له وتمادى فيه فإنه يأثم بذلك وأما إذا بادر بالتخلص من ذلك الشعور وبادر بطرد ذلك الخاطر الخبيث من عقله فإنه يسلم من الإثم أما إذا استسلم له وتمادى فيه فإنه يأثم وإن كان مجرد فعل قلبي أما إذا حرك هذا الشعور الخبيث حرك جوارح الإنسان إلى الفعل وإلى السعي والمكر في سبيل إزالة النعمة من الغير فإن الإثم حينئذ يضاعف لأن الإثم حينئذ يكون على فعل القلب وعلى فعل الجوارح وأما ما لا يلام عليه الإنسان ولا يؤاخذ فيه فهو أنه إذا رأى نعمة على إنسان أن يتمنى مثلها دون أن يتمنى زوالها من الغير وهذا ما يسمى بالغبطة أو الاغتباط وهو المراد بهذا الحديث هنا وهو في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين)) بدليل الرواية الأخرى: ((لا اغتباط إلا في اثنتين)) فإن الاغتباط يؤدي إلى التنافس في فعل الخير وهذا أمر مطلوب بين الناس مطلوب منا جميعا أن نتنافس في أوجه الخير وفي فعل الخير وبدون الاغتباط وبدون التنافس في ذلك فإن أفراد المجتمع يبقون عناصر ميتة مشلولة لا يحركها محرك إلى العمل والإنتاج فالغبطة والتنافس محرك إيجابي للإنسان يدفعه إلى العمل والإنتاج وفعل الخير والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خص شيئين بالذكر وهما العلم والمال لأنهما عنصران أساسيان في بناء المجتمع فعلى الجميع أن يتنافسوا في سبيل تحصيل العلم ولكن العلم المؤدي إلى العمل فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على قوله: ((رجل آتاه الله القرآن)) بل وصفه بالعمل فقال: ((فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار)) وكذلك المال فإن على الناس أن يتنافسوا فيه ولكن ليس في تحصيله وجمعه وتخزينه فحسب فإن هذا ليس أمرا إيجابيا ولا فعلا منتجا وكذلك ليس المراد أن تحصل المال لتنفقه في أوجه الشر في البذخ والإسراف فهذا ليس أمرا بناء في المجتمع بل هو أمر هدام فيه إفساد للمجتمع وموجب لعقوبة الله تعالى قال سبحانه: كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما [الفجر:17-20]. إنما المراد بالمال هنا والتنافس فيه التنافس في جمعه لإنفاقه في أوجه الخير كما قال صلى الله عليه وسلم: ((فسلطه على هلكته في الحق أي على إنفاقه في أوجه الخير)) فهذا عنصر بناء في المجتمع ينبغي أن يتنافس فيه الجميع.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا بن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا)) اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
__________
(1) البخاري: ك: العلم (73).



ساحة النقاش