-----------------------
العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة
الترفيه والرياضة, القرآن والتفسير
-----------------------
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
20/5/1411
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
الآيات ( 11 - 18 ) وما فيها من روعة وبلاغة القرآن وإيجازه في عرض المواقف - تنفيذ المؤامرة على يوسف - حفظ الله ليوسف ولعباده الصالحين المخلصين - جواز ممارسة بعض الرياضات التي تُنَمِّي روح الحماس والجهاد وأمثلة على ذلك من السيرة ( السبق بين الخيل - مصارعته صلى الله عليه وسلم رَكانة - لعب الحبشة بالحراب .. )- واقع الرياضة في هذا العصر ودورها في إلهاء الشباب وإفسادهم - الواجب تجاه ذلك
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد:
فقد قال الله تعالى: قالوا مالك لا تأمنا علي يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين وجاءوا علي قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان علي ما تصفون [يوسف:11-18].
على عادة القرآن الكريم في أسلوبه المعجز العظيم , هذه الآيات القلائل تتحدث عن جملة من المواقف, مواقف هذه القصة الكريمة لو بسطت بسطاً بأقلام البشر لملأت صفحات وصفحات ولكن هذه الآيات القرآنية اختصرتها وطوتها طياً في عبارات قوية السبك رائعة الإيجاز.
هؤلاء أخوة يوسف الحاسدون له الحاقدون عليه وقد بدؤوا ينفذون مؤامرتهم عليه, هاهم يراودون أباهم لعله يرسله معهم وهم ذاهبون إلي الصحراء لرعي مواشيهم وأبوهم غير واثق بهم, إنه مشفق على صغيره منهم والله أعلم بمراده إذ قال: وأخاف أن يأكله الذئب أي ذئب يقصد الذئب الحقيقي الحيواني أم الذئب البشري وهو أعظم مكراً وأشد خطراً وإفساداً ولكن العجيب في القصة أنه لأمر ما أرسله في نهاية الأمر معهم كأنه عليه السلام لم يخطر على باله أن حسدهم له سيبلغ حد قتله أو حد التفكير في قتله ومحاولة القضاء عليه أو التفريط بشأنه بشأن ابنه يوسف, لكنهم كانوا قد أجمعوا أمرهم واتفقوا علي أن يلقوا أخاهم يوسف في غيابة الجب, والجب هو حفرة تحفر في أرض الصحراء تكون واسعة في أسفلها وضيقة في أعلاها تجتمع فيها مياه الأمطار والسيول والغيابة هو كل شيء غيب عنك شيئاً ولذلك يسمى القبر غيابة.
وألقى يوسف الصبي الصغير النبيل الكريم الطري العود ألقي في ذلك الجب الموحش المهلك وياله من موقف عصيب فماذا عساه يفعل ذلك الصغير, ذلك الصغير الذي لم يخبر بعد تجارب الحياة ولم يعارك قسوتها ولم يصلب بعد عوده وتشتد قناته, ماذا عساه يفعل وقد وجد نفسه في غيابة ذلك الجب الموحش المهلك؟ ولكن هكذا العلماء يربيهم الله تعالى بنار المحن وينشئهم في غمار الشدائد والصعاب, فإن حياة الكسل والخمول وحياة اللهو والترف واللعب لا تليق بأمثالهم.
والدرس المهم في هذا أن الله جل جلاله لا يضيع عباده المخلصين إنه معهم دائماً يصنعهم على عينه ويرعاهم برعايته ويكلؤهم بكلائته , فها هو يوسف في قاع ذلك الجب الموحش المهلك حزيناً خائفاً دامع العينين مما صنعه به أخوته وإذا بعناية الله تعالى ورحمته تتداركه وهو في قاع الجب كما تداركت يونس وهو في بطن الحوت , يظهر جبريل عليه السلام ليوسف ويطمئن قلبه ويثبت فؤاده ويخبره بأنه نبي وأنه سيخرج من هذا الجب وستكون العاقبة له وأنه يوماً ما سينبئ إخوته بصنيعهم هذا وهم لا يعرفونه ولا يشعرون به وعلم جبريل عليه السلام يوسف دعاء يدعو به إذا أراد أن يخرج من هذه المحنة وهو: يا مؤنس كل غريب ويا صاحب كل وحيد ويا ملجأ كل خائف ويا كاشف كل كربة ويا عالم كل نجوى ويا منتهى كل شكوى ويا حاضر كل ملأ يا حي يا قيوم اقذف رجاءك في قلبي حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك واجعل لي من أمري هذا فرجاً ومخرجاً إنك على كل شيء قدير.
ولما سمعت الملائكة دعاء يوسف جأرت إلى ربها قائلة: يا إلهنا إننا نسمع صوتاً ودعاء, الصوت صوت صبي والدعاء دعاء نبي.
وبات يوسف ليلته في قاع ذلك الجب يلهج بهذا الدعاء فما أصبح حتى أخرجه الله تعالى من ذلك الجب, خرج من قاع الجب إلي فسحة القصر, قصر العزيز عزيز مصر, فسبحان من بيده الجبروت والملكوت سبحانه ولي الصالحين ونصير الضعفاء, سبحانه وتعالى يحمى عباده المخلصين ويدافع عن المؤمنين, سبحانه هو الرؤوف الرحيم اللطيف الودود العزيز الحكيم.
وهذا درس لكل الصالحين فمهما اشتدت الخطوب وادلهمت الفتن وتلاطمت المحن وكثر الخبث وتوالت الأرزاء فان الملجأ والملاذ والمنجي والمعاذ هو رب العالمين فلتلهج الألسنة فلتجأر القلوب بذكره والثناء عليه والتذلل بين يديه والإلحاح عليه بالدعاء والرجاء فما خاب من وقف ببابه ولا من تعلق بأعتابه كيف وهو ينزل كل ليلة إلي السماء الدنيا ينادى عباده: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر:60].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلي آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فبمناسبة قوله تعالى: أرسله معنا غداً يرتع ويلعب [يوسف:12]. وقوله: إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف [يوسف:17]. نقول قد ثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سابق بين الخيل, أجرى السباق بين الخيل بين أصحابه أما المضمرة فمداها من الحفياء إلى ثنية الوداع وأما التي لم تضمر فمن ثنية الوداع إلي مسجد بني زريق, وذكر أصحاب الأخبار والسير أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس على الطرف الشرقي من جبل سلع يشرف على هذا السباق وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يشارك فيه بنفسه على ناقة له تسمى العضباء وكانت لا تسبق, فجاء مرة أعرابي على قعود له فسبقها فصعب ذلك على المسلمين وثقل على أصحابه صلى الله عليه وسلم فلما عرف النبي ذلك منهم قال: ((إنه حق على الله أنه ما ارتفع شيء من الدنيا إلا وضعه))(1)[1]. وثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صارع ركانة وكان ركانة مشركاً وكان لا يصرع ولا يغلب أبداً فغلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرعه فأسلم ركانة(2)[2].
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أن الحبشة كانوا يلعبون بين يديه بالحراب(3)[3], هذا لعب ينمي الروح العسكرية والحماس في نفوس الصحابة, يلعبون بالسلاح بين يديه صلى الله عليه وسلم وهكذا فإن هذه الأنواع من أنواع الرياضات في الإسلام المقصود بها الإعداد للجهاد, إعداد الشباب للجهاد بتقوية أبدانهم وتنمية معنوياتهم وروح العسكرية والفروسية فيهم, هكذا هي الرياضة في الإسلام ليست لهواً ولا عبثاً فلا لهو ولا عبث في حياة المسلم, كيف وربنا عز وجل ذكر من صفات المسلمين المؤمنين أنهم لا يعبثون فقال جل من قائل: والذين هم عن اللغو معرضون [المؤمنون:3].
أما الرياضة في هذا العصر فمضيعة للشباب وإفساد لهم واستهلاك لقدراتهم وطاقاتهم فيما لا يعود علي الأمة بأي مصلحة, الرياضة اليوم متهمة كالإعلام فإنهما أصبحا في هذا العالم البائس المتفرنج وسيلتين من أخبث الوسائل للفساد والإفساد, من يستطيع أن يزعم أن أولئك الشباب الذين شمروا سراويلهم عن عوراتهم وانقطعت أنفاسهم وهم يجرون وراء قطعة مكورة من الجلد أنهم بذلك يعدون أنفسهم لأمر عظيم, يعدون أنفسهم للجهاد, من يستطيع أن يزعم أن تلك الجماهير المتكدسة علي مدرجات الملاعب ترقص وتطبل وتزمر وتزعق زعيق المجانين, أنهم يهيئون أنفسهم ويروضون مواهبهم للدفاع عن الأمة والذب عن حرمة الدين, من يستطيع أن يقول ذلك فان كذبه أوضح من الشمس, تلك أحوال عجيبة ومهازل مكشوفة ومخازي مفضوحة وأحوال سيئة لا تليق بشباب المسلمين, فعلى كل شاب عاقل أن يربأ بنفسه عن تلك الرياضات الإفرنجية التي وفدت علينا وأن يبحث عن رياضة الإسلام.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا علي خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا)) اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين على وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

__________
(1) أصله في البخاري: ك: الجهاد (2717).
(2) أخرجه أبو داود: ك: اللباس (4078)، والترمذي: ك:: اللباس (1784).
(3) أصله في البخاري: ك: اللباس المناقب (3337).

 

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 57 مشاهدة
نشرت فى 17 فبراير 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

417,811