-----------------------
العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
الشمائل, القرآن والتفسير
-----------------------
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
أجواء تَنَزُّل سورة يوسف على النبي صلى الله عليه وسلم , وازدياد أذى قريش له بعد موت خديجة وعمه - في السورة جملة من السنن الربانية في التمكين والابتلاء - رمي الطعام في المزبلة حرام , وسبب هذه الأزمة - ليس النَّهَم والإسراف من عادة المؤمن - معيشته صلى الله عليه وسلم وزهده - الكرم الزائف
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد:
احتدم الصراع المرير بين دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش الذين كانوا أهم ما عندهم هو إيقاف الدعوة حتى أنهم هموا بقتل النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام ثم شددوا عليه من وطأة الأذى والإهانة وشددوا من وطأة القهر والأذى والتنكيل على أصحابه حتى اشتكى هؤلاء الصحابة الكرام إلى سيدنا محمد من شدة وطأة الأذى عليهم.
ولكن كان أكثر ما يحز في نفس النبي المصطفى، وهو ذو النفس الرفيعة السامية الكريمة، أن من ضمن المناوئين لدعوته أهلاً له وعشيرة أقربين كان ينبغي أن يكونوا أول المناصرين المتبعين.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا خرج للدعوة، يعرض الإسلام على القبائل في الموسم، يتبعه عمه أبو لهب ليحذر القبائل منه صلى الله عليه وسلم. وكان عمه هذا أول من صادم المصطفى عندما جهر بدعوته فوق الصفا واجتمعت قريش لتسمعه، فبعد أن بلغهم ما أمره ربه قال له عمه أبو لهب " تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا " فأنزل الله تعالى تبت يدا أبي لهب وتب (1)[1].
لم يناصره من أعمامه من بني عبد مناف إلا عمه العباس وكان يناصره سرا وعمه أبو طالب وكان يناصره جهرا وإن لم يؤمن بدينه ويتبع دعوته.
وكان لزوجه الحبيبة إلى قلبه أم المؤمنين خديجة مواقف عظيمة في مؤازرته صلى الله عليه وسلم ومناصرته بمالها ورجاحة عقلها بعد أن آمنت به وكانت أول من آمن به. ولكن وفي عام واحد ذهب المناصران المؤازران، فقد توفى عمه أبو طالب وزوجه خديجة، فكان ذلك العام عام الحزن، فاشتدت وطأة الأحزان على قلب النبي صلى الله عليه وسلم واحتدم الصراع المرير بين الكفر والإيمان حتى ضاق صدره وكاد الحزن والأسى من إعراض قومه وعشيرته الأقربين يقضي عليه.
في هذه الفترة المشحونة بالابتلاءات والأحزان، نزلت سورة يوسف على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تقص عليه، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم فهو من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
نزلت هذه السورة لتقص على الرسول قصة نبي أيضا كريم ابن كريم وهو يوسف بن يعقوب بن إبراهيم عليهم جميعا السلام، وكيف أن أخاه يوسف عليه السلام واجه الابتلاءات والمحن منذ صغره.
والمحن والابتلاءات لازمة لأصحاب الهمم العالية والنفوس الكريمة، وأولى الناس بها الأنبياء والمرسلون، فجاءت هذه السورة تثبيتا للنبي وحثا له على الصبر كما صبر أخوه يوسف، وبشارة له بحسن العاقبة، فإن هذه الغمة من الابتلاءات سوف تنجلي عن نصر مؤزر كما انجلت هذه الابتلاءات عن أخيه.
وجاءت هذه السورة الجلية تعليما ربانيا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولأتباعه وأمته من بعده وتبصيرا لهم بجملة من السنن في مسيرة هذه الدعوة الكريمة الإسلامية عليهم أن يعوها جيدا.
وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون قل هذا سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى [يوسف:103-109].
هذه جملة من الحقائق والسنن التي يجب أن يعييها الناس، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
أما بعد:
فإن ظاهرة البذخ والإسراف في حياتنا اليوم هي من نتائج الرخاء والرغد التي يعيش فيها كثير من الناس، فإن كان هؤلاء الناس شاكرين نعمة الله عليهم ما وقعوا في هذا البذخ والإسراف.
قال قائل: ذكرت أن رمي بقية الطعام في المزبلة حرام، فماذا نصنع فيما يتبقى في القدر من طعام قليل، إن أعطيناه إلى أحد ما قبله، لقد أصبح الناس اليوم يصنعون أكثر مما يأكلون، ويأكلون أكثر مما يطيقون، ولو اكتفوا بحاجتهم ما احتاجوا أن يبحثوا عن حل للبقايا التي تتبقى من طعامهم، فإن المؤمن يكفيه القليل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن يأكل في معي واحد وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء))(2)[1].
وسبب هذه المقالة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضاف يوما كافرا فأمر له بشاة فحلبت له فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فحلبت له فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبعة. ثم لما أصبح هذا الكافر فأسلم فأمر له رسول الله بشاة فحلبت له ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها.
إذن فليس من عادة المؤمن ذلك النهم في الطعام والشراب الذي طبع عليه الكافر لأن المؤمن يتقلل بالقليل ويقنع به، يقنع بزاد راكب وهو يعلم أنه راحل عن هذه الدنيا أما الكافر فإنه لا يعرف غيرها. ولذلك فإنه يأخذ طيباته ويتمتع بها في هذه الدنيا.
المؤمن يكتفي بما يسد رمقه، فإن اشتهى أكثر من ذلك فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه كما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويلعق بقية الطعام في الصحن ويلعق أصابعه لأنه لا يدري أين تكون بركة الطعام - هذه عادة المؤمن.
ولكن لماذا لا يتذكر هؤلاء المسرفون في حياتهم ومناسباتهم، لماذا لا يتذكرون أن بيت الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمر عليه الهلال والهلالان وليس لهم طعام إلا الأسودان التمر والماء.
إن أولئك الكرماء المزيفين الذين يقدمون الخراف المشوية والأطعمة المتنوعة لضيوفهم مما لا يستطيع الضيوف أن يأكلوا عشره ليسوا مثل سيدنا المصطفى في الكرم. فهو أكرم الخلق ومع ذلك لم يكن يتكلف أكثر مما عنده، أكثر مما في بيته. روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: ((أتى رجلا الرسول صلى الله عليه وسلم - أي ضيفا - فبعث رسول الله إلى نسائه فقالوا: ما معنا إلا الماء - ليس في بيوته إلا الماء - فقال لأصحابه: من يضم هذا، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله - فانطلق به إلى بيته فقال الأنصاري لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: ما عندنا إلا قوت صبياننا، فقال لها: أصلحي فراشك ونومي صبيانك إذا أرادوا الطعام - ففعلت وقامت كأنه تصلح السراج فأطفأته فأخذا يريان ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يأكلان في الظلام فأكل مطمئنا وباتا لم يذوقا شيئا من الطعام. فلما أصبحا غدا الأنصاري إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: لقد ضحك الله تعالى الليلة من فعالكما))(3)[2]
فهذا الرجل الأنصاري هو أكرم من هؤلاء الكرماء المزيفين لأنه لم يتكلف فوق طاقته فضحك الله من فعله ونخشى أن يغضب الله على هؤلاء المزيفين.
أما بعد فان خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن أدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى على واحدة صلى الله بها عليه عشرا)) اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين على وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
__________
(1) البخاري: ك: التفسير (4687).
(2) البخاري: ك: الأطعمة (5078).
(3) البخاري: ك: مناقب الأنصار (3587).



ساحة النقاش