المساءلة الاجتماعية و الإنتخابات البرلمانية

د.عصام السيد سليمان
  لقد انتهت الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية 2020م مؤخرا، لإختيار نواب البرلمان المصري لدورة جديدة مدتها خمس سنوات – والمتتبع لهذه الانتخابات يجدها قد أسفرت عن ملاحظة هامة ، وهي سقوط العديد من الرموز البرلمانية الشهيرة والتي تبوأت مقاعدا برلمانية في دورات سابقة، إلا أنها أخفقت في هذه الانتخابات ولم تحصل على أصوات الناخبين في دوائرهم بالعدد الكاف رغم شهرتهم وعضويتهم السابقة، وتفسير ذلك أن المواطن الناخب قد إستخدم حقة في التصويت الإنتخابي بوعي سياسي، وإرتكن إلى ما يسمى بالمساءلة الاجتماعية لهذه الرموز الانتخابية ومحاسبتهم عن آرائهم البرلماني في الدورة السابقة ، ودورهم في العملية التنموية ومدى مساءلتهم نيابة عنهم للأجهزة الحكومية .
  

 وينظر إلى المساءلة الاجتماعية Social Accountability بأنها احد مستويات المساءلة الأربعة في الإدارة العامة ( المساءلة التقليدية – مساءلة البرنامج – مساءلة العملية – المساءلة الاجتماعية) - وتعد هي عملية مشاركة بناءة بين المواطنين والحكومة للتحقق من سلوك وآداء الموظفين العموميين والسياسيين ومقدمي الخدمات؛ حيث يستخدمون الموارد العامة لتقديم الخدمات وتحسين رفاهية المجتمع وحماية حقوق الإنسان .

 

  وتهتم المساءلة الاجتماعية بما يمكن تسميته بالآثار المجتمعية Social Impacts للبرامج الحكومية ، وتختلف المساءلة الاجتماعية عن مستويات المساءلة الثلاثة الأخرى فيما يتعلق بالغايات النهائية ، إذ بينما تركز مستويات المساءلة الأخرى عما يمكن تسميته بالمساءلة التشغيلية Operational Accountability أو المساءلة الوظيفية Functional Accountability  والتي تعني بالتأكد من أن المنظمة تباشر نشاطها بنجاح وتنفق الموارد المتاحة في وجوه الإنفاق المحددة، وذلك من أجل تحقيق أهدافها بكفاءة وفعالية، أما المساءلة الاجتماعية فإنها تقترب مما يمكن تسميته بالمساءلة الإستراتيجية Strategic Accountability وتهتم بالأساس بإلتزام المنظمات العامة بدورها الاجتماعي تجاه البيئة التي تباشر نشاطها فيها وكذلك تجاه المواطنين المستفيدين .
  

  هذا ولقد اقترنت المساءلة الاجتماعية بالتحولات التي حدثت في حقل التنمية الاجتماعية بصفة عامة، فبعدما فشلت إستراتيجيات التنمية المعتمدة على التخطيط المركزي والنظر  إلى الأفراد بوصفهم مفعولا لأجلهم في العملية التنموية ، بدأ التفكير في تغيير منطلقات العملية التنموية بحيث يتحول الأفراد من مجرد متلقين سلبيين إلى أفراد فاعلين قادرين على توجيه مسار العملية التنموية، وهو ما يسمي People Centered Development، وحتى يتحول الأفراد إلى مواطنين مشاركين في تحديد اختيارات النهوض بمجتمعهم، فإنه لا بد من إعادة النظر في دور المواطن في العملية التنموية واعتباره فاعلا مشاركا متحررا، والتخطيط معه وليس فقط التخطيط لأجله.
 

   وحتى تتحقق المسئولية الاجتماعية للإدارة العامة فإنه من الضروري تقوية سبل التلاقي بين المجتمعات الممكنة Empowered Communities والمنظمات الحكومية القائمة ، وإعادة توجيه البيروقراطية نحو أهداف التنمية، وذلك حتى لا تحيد البيروقراطية عن دورها الاجتماعي وتقع أسيرة الفهم الذاتي الضيق للصالح العام .

   وتشمل إعادة توجيه البيروقراطية عدة عناصر، أبرزها :
1-القدرة على التخطيط مع الموطنين / المستفيدين ، الأمر الذي يحتاج الى الوقوف بدقة ووضوح على احتياجات المجتمعات المستفيدة .
2-القدرة على الاتصال والتفاعل بين البيروقراطية والمستفيدين من الخدمات العامة.
3-القدرة على زيادة إستجابة البيروقراطية لإحتياجات المستفيدين وسرعة تلبيتها .
4-القدرة على توفير إطار لمشاركة المستفيدين في كافة مراحل العمل بما يسمح بمساءلة الإدارة بعيدا عن الرقابة الهيراركية المعروفة.
   

  ولقد زاد الاهتمام مؤخرا بضرورة قيام المواطن على نحو فردي أو من خلال الاشتراك في مجموعات صغيرة، بمساءلة الجهاز الحكومي .
  

   وبالنسبة لمساءلة المواطن للإدارة العامة ، فإنه يمكن دراسة مساءلة المواطن للجهاز الحكومي من خلال ثلاثة مستويات على النحو التالي:


المستوي الأول : المشاركة في الأنشطة الإدارية 
 تعتبر مشاركة المواطنين في صنع السياسات العامة إحدى صور المساءلة، خاصة إذا ما نص القانون على ذلك، مثلما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية ، وفيها تكون مساءلة المواطن/المشارك من خلال عدة صور كالاستشارات والمؤتمرات غير الرسمية واللجان الاستشارية والاستماع العام.


المستوي الثاني : الإنتاج المشترك مع الإدارة 
  يظهر المستوي الثاني لمساءلة المواطن للإدارة العامة في المشاركة في الإنتاج المشترك Co-Production ، حيث أن الخدمات العامة نوعان :
أ- نوع يتجه الى تغيير مفردات البيئة .
ب-نوع يهدف إلى تغيير شخوص متلقي الخدمة ذاتهم مثل التعليم مثلا ، ومهما كان مدى إخلاص ودأب الإدارة الحكومية، فإن جهدها لن يكتب له النجاح ما لم يكن المواطن المتلقي للخدمة راغبا في الاستفادة بوصفه الطرف الأصيل في عملية التغيير.


المستوي الثالث : مساءلة الإدارة بشأن المنتج النهائي 
   وفقا لرأى Samuel Paul  هناك محددان يؤثران في مساءلة الجمهور للإدارة العامة هما الخروج Exit والصوت Voice ويقصد بالخروج : قدرة الأفراد على ترك الخدمة واللجوء الى مقدم آخر للخدمة في حالة عدم الإشباع، اما الصوت فيعني التأثير على المخرج النهائي للخدمة العامة عبر صندوق الانتخابات ، أي أن الخروج يمثل استجابة إقتصادية، اما الصوت فهو إستجابة سياسية .


    هذا ولقد استخدم الناخبون حقهم في التصويت الإنتخابي لمساءلة نواب البرلمان السابقين في دوائرهم الانتخابية المختلفة عن دورهم نيابة عنهم في مساءلة الأجهزة الحكومية عن برامجها التنموية وآدائها، ومعاقبة المقصرين منهم بالتصويت ضدهم وعدم تجديد عضويتهم بالبرلمان.   

المصدر: ١_ أ.د٠ عطيه حسين أفندي ، إتجاهات جديدة في الإدارة العامة ، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، ٢٠٠١ ٠ ٢_ The Four Pillars of Social Accountability (ANSA_EAP.net) www.ansa.eap.net
PLAdminist

موقع الإدارة العامة والمحلية- علم الإدارة العامة بوابة للتنمية والتقدم - يجب الإشارة إلى الموقع والكاتب عند الاقتباس

عدد زيارات الموقع

531,669

ابحث