*منارة العلم التي خبت… بين أمجاد الأمس وتحديات الحاضر*
بقلم: محمد عمر حسين المرحبي – كاتب وباحث في الشؤون التربوية والفكرية
في تاريخ الأمة العربية صفحات تفيض نورًا وبهاءً، حين كانت الجزيرة العربية ومغربها والأندلس مشاعل علمٍ وهدايةٍ للعالم كله.
من بلاد الإسلام أنطلقت أولى مدارس العلم الشرعي واللغة والحديث، حيث كان الإمام أبو حنيقة في الكوفة والإمام مالك في المدينة، والإمام الشافعي في مكة، والإمام أحمد في بغداد، يضعون أصول الفكر والفقه واللغة، لتغدو العربية لسان الحضارة ووعاء العلم.
وفي بلاد الأندلس، وُلد مجد آخر لا يقل إشراقًا، فهناك كان ابن رشد القرطبي فيلسوفًا ومفسرًا للمنطق، والزهراوي الأندلسي رائد الجراحة الحديثة، وابن حزم الموسوعي الذي جمع بين الأدب والفقه والتاريخ.
وفي الجزائر والمغرب بزغ ابن خلدون من تلمسان، ليؤسس علم الاجتماع قبل أن تعرفه أوروبا بقرون، وكان عبد الرحمن الثعالبي في الجزائر إمامًا في الفكر والتصوف والعلم.
وفي الجزيرة العربية ظل العلماء والمحدثون واللغويون ينشرون النور في الأمصار، أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي من عُمان، واضع علم العَروض، وسيبويه وإن كان أصله فارسياً إلى أن نشأته في البصرة، والأصمعي والكسائي وابن كثير المكي وغيرهم ممن حفظوا للعربية بهاءها وللدين نقاءه.
كانت بغداد وقرطبة وتلمسان ومكة والمدينة ودمشق كلها سلسلة من المنارات العلمية، تتكامل ولا تتقاطع، يجتمع فيها العربي والمغاربي والمشرقي على حب العلم ونشر المعرفة.
كان المعلم آنذاك صاحب رسالة، والطالب تلميذًا في محراب الفكر، والمدرسة بيتًا للعقل والروح.
أما اليوم، فقد أصاب التعليم العربي فتورٌ وضعفٌ في المخرجات، رغم تعدد الجامعات واتساع المنشآت.
أصبحنا نملك الشهادات ولا نملك الفكر، نردد المعلومات ولا نُنتج معرفة.
غابت روح التعليم، وحلت مكانها مظاهر شكلية لا تصنع نهضة ولا تبني وعيًا.
أزمة في الرؤية قبل أن تكون في المناهج
إن أصل أزمتنا التعليمية ليس في الكتب ولا في المباني، بل في الرؤية التي غابت عن فلسفة التعليم.
فحين يتحول التعليم من مشروع حضاري إلى سباقٍ على الوظائف، ومن رسالة إنسانية إلى وسيلة مادية، يُصاب العقل بالجمود والروح بالخذلان.
في الماضي كان التعليم يصنع العالم والمفكر والمجتهد، واليوم يُخرج متعلمين بلا أدوات ولا وعي نقدي.
لقد فقدنا تلك الحماسة الفكرية التي جعلت الأندلس منارة أوروبا، والمدينة النبوية موئل العلماء، والجزائر والمغرب مدارس للحكمة والتاريخ والفكر العميق.
*الطريق إلى النهوض*
إذا أردنا أن نعود إلى مجدنا العلمي، فعلينا أن نعيد روح التعليم إلى مكانها الأول، وأن نغرس في أجيالنا الإيمان بأن العلم ليس باب وظيفة، بل طريق نهضة وعزة.
تجديد فلسفة التعليم ليكون هدفها بناء الإنسان الواعي لا المتلقي الصامت.
إعداد المعلم فكريًا وتربويًا ليكون قدوةً لا مكرّرًا.
ربط التعليم بالواقع العملي والحاجات المجتمعية.
الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار، فهما طريق الأمم المتقدمة.
تعزيز الوعي المجتمعي بقيمة التعليم ليكون شأنًا عامًا ينهض به الجميع.
استعادة الروح
لن تعود أمتنا إلى موقع الريادة إلا إذا أحيينا تراثها العلمي الأصيل، وورّثنا أبناءنا حبّ البحث والتفكير والإبداع.
فمن أرض العرب خرجت أول كلمة نزلت على نبيها: «اقرأ»، ومن نورها أضاءت للعالم قرونًا من العلم.
وما أحوجنا اليوم أن نُعيد لتلك الكلمة معناها الحقيقي، لنعيد للعقل العربي إشراقه، وللأمة مجدها.
فمن مكة والمدينة إلى قرطبة وتلمسان، ومن عمان إلى الأندلس، يمتد خيط واحد من النور والعلم والرسالة.
وحين نُعيد وصل هذا الخيط المقطوع، سنعود كما كنا — أمة العلم والمعرفة، وورثة الحضارة والإنسانية.


