ماذا يقرأ الناس في الجرائد؟
في ظل تسيد الإعلام المرئي سياق الحضارة الحديثة، بات من الضّرورة أن تجد الصحافة المكتوبة طرقاً وأساليب تجدد أهميتها وتعزز أخبارها وتواصلها مع ما هو آني ويومي، بخاصة وأن وسائل الإعلام الحديثة أسرع في إيصال الخبر بالصوت والصورة ووقت حدوثه فوراً.
وبالنظر إلى دعاوى المطالبة بالحريات الصحافية، ربما يجدر أيضاً أن ترتبط هذه الحرية المنشودة بحرية وسهولة الوصول إلى المعلومات أكثر من كونها مظهراً لحرية التعبير، خصوصا وقد تضاءل إقبال الناس على هذا النوع من الإعلام المكتوب.
بهذا المعنى تغدو قراءة الصحف اليومية فعلا حضاريا لأنه يساهم في المراقبة التي يمارسها المواطنون على السلطة التي يفترض أنها تفقد شرعيتها من دونها.
وفي إحصائية أجراها مركز إيبسوس للدراسات في أيلول(سبتمبر) 2005 تشير الأرقام إلى أن 25.6% من الأردنيين يقرأون الصحف يومياً، و40.4% يقرأون الصحف أسبوعياً بينما 10.3 يقرأونها شهرياً و 49.2 % لا يقرأون الصحف على الإطلاق. وتشير النسب إلى أن 43.0% من قراء الصحافة اليومية هم من النساء بينما 57% من الرجال.
كما تشير الإحصاءات إلى أن 6% من القراء يقرأون من أربعة إلى خمسة أعداد أسبوعياً، بينما يقرأ ما نسبته 11% من ستة إلى سبعة أعداد في الأسبوع، ويقرأ 18% من متابعي الصحافة اليومية من عددين إلى ثلاثة أعداد يومياً بينما يذهب نصيب الأسد إلى قراء العدد الواحد في الأسبوع، إذ تصل نسبتهم إلى 65%.
وفيما يتعلق بنسبة كل من الصحف اليومية من القراء، فتبلغ نسبة قراء الرأي بحسب الدراسة السابقة ذاتها إلى أن 15.6% من القراء يتابعون صحيفة الرأي، و8.9% يتابعون صحيفة الدستور و8.7% يتابعون صحيفة الغد ويقرأ صحيفة العرب اليوم ما نسبته 1.8% من القراء و0.3% يقرأون صحيفة الأنباط و0.3 يقرأون الديار. أما البقية فيتابعون القدس العربي 0.2% و0.1 % الجوردن تايمز و0.1 % البيان و 0.1 % والأنوار و0.1 % الأهرام و0.1 % يقرأون النهار.
وحين تتابع عين وعقل إعلامي متخصص ما تجود به الصحافة الأردنية اليومية إضافة إلى الصحف العربية والدولية، تشاهد وتلمس ما لايستطيع القارئ العادي أن يلتقطه بدقة وموضوعية.
الكاتب والصحافي طارق مصاروة يواظب على قراءة الصحف اليومية ويتابعها ولكن "ليس المحلي منها"، ويعزو ذلك إلى أن أخبار الصحف اليومية الأردنية "أخبار قديمة من يوم سابق، وعادة ما يكون قد رآها وتابعها على شاشة التلفزيون".
بيد أن المصاروة يؤكد متابعته لبعض كتاب الأعمدة في الصحافة اليومية الأردنية، فسميح المعايطة من كتابه المفضلين وكذلك فهد الفانك وصالح الطويل. أما الكاركاتير فيقول أحب كاركاتير حجاج، ولكن يبدو أنه "أصبح مضغوطا، ولم تعد رسوماته كما يجب، إذ كان أفضل وأجرأ بكثير في السابق".
ويشير مصاروة إلى أن الصحافة الأردنية اليومية "تفتقر إلى أخبارها الخاصة حتى في القضايا المحلية، فهي غير مطالبة بأخبار من مراسلين لها من دول أخرى، ولكن لابد أن يكون للصحافيين مصادرهم الخاصة داخل الأردن على الأقل".
ويضيف مصاروة "الصحافة الأردنية اليومية فيها كم هائل من التشريفات، فعندما يقال إن جلالة الملك زار الكويت وتحدث حول العلاقات الثنائية بين البلدين، كان من الأجدر أن يحصل الصحافي على خبر سفر الملك قبل ذلك بكثير، وليس بعد أن يحدث الحدث".
الكاتب والإعلامي عريب الرنتاوي يقرأ الصحف الأربعة بانتظام ويبدأ بالعناوين الرئيسية من دون الدخول بالتفاصيل، وتستوقفه أحياناً بعض التغطيات الخاصة التي قد تنفرد بها هذه الصحيفة أو تلك ثم يبدأ بـ"استعراض كتاب الأعمدة كافة وقراءة عناوين العدد الآخر وينتهي الحال على هذا الحال".
أما فيما يتعلق بدور الصحافة فيؤكد الرنتاوي على أن هناك جمهورا مدمنا ومتابعا للصحف بل وزوايا بعينها ويحسب أن ذلك لن يتغير كثيراً حتى بوجود إعلام مرئي ومسموع فالإعلام المطبوع تراجع حتى إشعار آخر، لكن سنوات طويلة من عادات تكرست على قراءة الصحف ومتابعتها لن تنتهي أو تتلاشى بوجود الإعلام المرئي.
ويشير الرنتاوي إلى أن الصحافة الأردنية ينقصها "سقف أعلى من الحرية، وتمثيل أعمق للتعددية الأردنية". ويشدد على ضرورة فتح الباب "أمام الحوارات والسجالات الوطنية بين الصحف وكتابها ومن يمثلون".
ويعزو الرنتاوي غياب هذا النوع من الجدل في الصحافة اليومية الأردنية إلى "ضعف لغة الحوار السياسي والفكري التي لم تكرس وليس لها تقاليد في الصحافة الأردنية اليومية".
ويرى الرنتاوي أن نقطة ضعف الصحافة الأردنية تكمن في "غياب التحقيقات الاستقصائية التي تتتبع القضايا بشكل عميق، بالإضافة إلى خلوها من أي مراسلين أقليميين ودوليين وبالنسبة للأخبار المحلية فتعتمد على وكالة الأنباء الأردنية غالباً، بينما تكون المادة الخاصة بالجريدة محدودة".
ويخلص الرنتاوي إلى أن الصحافة الأردنية "لا زالت محكومة من طقوس مستمدة من مراحل تحكم السلطة بها".
من جهتها، لا تتابع الإعلامية لانا مامكغ سوى جريدة الرأي وتعزو ذلك لضيق الوقت، وأول ما يشدها "لاشعورياً" الصفحة الثقافية التي تتعلق باهتمامتها الشخصية. ثم تقرأ بعد ذلك عناوين الصفحة الأولى والتفاصيل، ومن كتاب الأعمدة تفضل ابراهيم العجلوني وزيد حمزة وبسام الساكت وكانت تقرأ منى شقير سابقاً.
وتقيم مامكغ الصحافة الأردنية بأنها صحافة حافظت على رصانتها أمام ما يحدث في الإعلام المرئي من لغو وصخب، وتضيف إلى أن هناك "جزءا كبيرا منها يقع في باب الشخصنة، وهناك من يقع من بعض المحررين بمقادير كبيرة في هذا المنزلق على حساب موضوعيته ومهنته الصحافية".
وتؤكد مامكغ "من حق المواطن ان يتابع كل الصحف يومياً، ولكن احداً لايستطيع ابتياعها كلها وبشكل مستمر ويومي، ولا أحد يزعم مهما كانت غيرته على المعرفة والمتابعة انه يتابع الصحف الأربعة كلها. وغالباً ما ترتبط متابعة أي شخص للصحيفة باعتياده عليها وعلى أسلوبها".
الصحافي والكاتب رسمي أبو علي يقرأ الصفحات الأولى والأخيرة من الجرائد اليومية الأردنية ، ثم ينتقل بحكم اهتماماته إلى قراءة الملاحق الثقافية أو المتابعات اليومية الثقافية والفنية في الصحف. ويستهويه من كتاب الأعمدة الكتابات الساخرة مثل مقالات يوسف غيشان.
ويضيف أبو علي "لا أتابع الأخبار السياسية في الصحافة الأردنية، فالخبر فيها يمر بمراحل كثيرة من التصفية ويفقد الكثير من مصداقيته، وأحياناً يكون خبراً بسيطاً يفتقر للكثير من التفاصيل".
من جانبه يقرأ الكاتب والإعلامي إبراهيم غرايبة الصحف الأردنية اليومية عموماً، ولكن ليس لديه كاتب مفضل فلا يوجد الكاتب "السوبر" على حد تعبيره.
ويرى غرايبة أن الصحافة الأردنية لديها "مشكلات مهنية وموضوعية، فلا بد أن تتجه للقضايا غير السياسية والتي لا ترتبط بالأحداث"، وأن تضع قضايا "البيئة والإنسان والمجتمع في أولوياتها".
ويبين غرايبة أن تناول كل ما هو يومي وملح ليس من باب التسلية والترفيه أو المادة الخفيفة بل من باب فتح الباب على ما يمس الواقع المعاش وهموم الناس والشباب مخاوفهم وأحلامهم وحاجاتهم خاصة وأن المجتمع الأردني مجتمع شبابي بالدرجة الأولى.
وحول مستوى التغطيات الصحافية ومتابعتها للحدث والأخبار على الصعيد المحلي يبين غرايبة "غالباً ما يقيم المراسل الصحافي علاقة شخصية مع الدائرة أو المؤسسة التي يعد مسؤولاً عن أخبارها، وبدلاً من أن يكون عينا رقيبة على هذه المؤسسات يتحول إلى موظف علاقات عامة، ويلفت غرايبة إلى أن برنامجا إذاعيا كالبث المباشر وهو الذي تنتجه مؤسسة رسمية يوصل قضايا وهموم الناس بجرأة أكثر من الصحف غير الرسمية.
وينتقد غرايبة الأداء الصحافي قائلاً "الصحافي لديه شعار ما لا تستطيع أن تفعله لا تفعله، مشيراً إلى حالة من الكسل والترهل لدى بعض الصحافيين والمندوبيين".
ويلفت غرايبة إلى مركزية الصحافة الأردنية وغياب المحافظات الأردنية وقضاياها عنها وكأن الأردن هي عمّان فقط، مضيفاً مشاكل أخرى كالمقالات الأردنية "الغائبة عن الوعي" والتي لا تعكس التطور المعرفي والتحول الاجتماعي وكان أصحابها قد "توقفوا عند مرحلة السبعينيات أو الثمانينيات".



ساحة النقاش