القول الأول: ذَهَبَ الحنفية إلى أن المأموم لا يقرأ مطلقا خلف الإمام حَتى فِي الصلاة السرية، ويكره تحريما أن يقرأ خَلْف الإْمَام، وَبِه قَال مِن الصحابَة علِي بْن أَبِي طَالِب كرم اللَّه وجهه وعبد الله بْن مَسْعود وزيد بْنُ ثَابِت، وَعَبْد اللَّه بْن عمر، وجابر بْن عَبْد اللَّه رضِي اللَّه عَنْهم الأسوَد، وَعلقمة، وابْن سِيرِين، ومِن الفقهاء الثوري.
القول الثاني:
ذَهَب الْمالِكية، والشافعي فِي الْقَدِيمِ، و الحنابلة، والزيدية، إِلَى أَنَّه لاَ يَقْرَأَ بِفاتحة الكتاب خَلْف الإمام فِي صلاة الْجهْر، وإن لزمه فِي صَلاةِ السر، وهو قول عائشة، وَأبي هريرة، وعبد اللَّه بْن الزبيْر رضي اللَّه عَنْهُم وَمن التَّابِعِينَ قَول عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن الْمسيب، وَالْقَاسِمِ بن محَمد،وَنَافع بْنِ جبير، والحكم والزهري
القول الثالث:
ذَهَبَ الشافعية في الجديد،والظاهرية، والإباضية على الصحيح من مذهبهم، إِلَى وُجوبِ قراءة الفاتحة على الْمَأموم فِي الصلاة مطلقا سِرية كانت أو جهرية، وبه قَالَ: عمَر،وأبي بْن كعب، وأبو سعيد الخدري، وأبو عبادة بْن الصَّامِتِ رضي الله عنهم وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بْن عبد الرحمن، وَالْحَسَن الْبَصرِي، ومن الفقهاء الأوزاعي، والليث بن سَعْد.
الأدلة والمناقشة:
أدلة أصحاب القول الأول
استدل أصحاب القول الأول على ما ذهبوا إليه بالكتاب، والسنة،والإجماع والقياس.
أولا الكتاب:
قال تعالى{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
وجه الدلالة:
دلت الآية على النهي عن القراءة خلف الإمام فيما يجهز به وفيما يخفي لأنه أوجب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن ولم يشترط فيه حال الجهر من الإخفاء فإذا جهر فعلينا الاستماع والإنصات وإذا أخفى فعلينا الإنصات بحكم اللفظ لعلمنا بهمناقشة هذا الدليل:نوقش الاستدلال بالآية من وجهين:
أحدهما:
أن المستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة وحينئذ لا يمنعه قراءة الفاتحة
الثاني:
أن القراءة التي يؤمر بالإنصات لها هي السورة وكذا الفاتحة إذا سكت الإمام بعدها وهذا إذا سلمنا أن المراد بالآية حيث قرئ القرآن وإلا فقد رُوي عن مجاهد وغيره أنها نزلت في الخطبة وسميت قرآنا لاشتمالها عليه .
ورُوي عن أبي هريرة ومعاوية أنهما قالا كان الناس يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية
ثانيا السنة ومنها:
1ـ عن جابر بن عبد الله t قال: قال رسول الله r: «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على سقوط القراءة عن المأموم
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بالحديث من وجهين:
أحدهما: أن الكناية في قوله " له " راجعة إلى الإمام دون المأموم، لأنه أقرب مذكور.
الثاني: أنه يحمل على ما عدا الفاتحة، وإذا أدركه راكعا
2ـ عن الشعبي قال: قال رسول الله : «لا قراءة خلف الإمام»
3ـ عن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا، قراءة مع الإمام في شيء، «وزعم أنه قرأ على رسول الله والنجم إذا هوى فلم يسجد»
عن عمران بن حصين، قال: صلى بنا رسول الله صلاة الظهر - أو العصر - فقال: «أيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى؟» فقال رجل: أنا ولم أرد بها إلا الخير، قال: «قد علمت أن بعضكم خالجنيهاوجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أَن لإمام يتحمل القراءة عن المؤتم في الجهرية الفاتحة وغيرها.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بالحديث بأن معنى هذا الكلام الإنكار عليه والإنكار في جهره أو رفع صوته بحيث أسمع غيره لا عن أصل القراءة بل فيه أنهم كانوا يقرءون بالسورة في الصلاة السرية وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام وللمأموم
ثالثا الإجماع:
إن منع المقتدي من القراءة خلف الإمام مروي عن ثمانين نفرا من كبار الصحابة، وقد جمع أساميهم أهل الحديث. (
مناقشة هذا الدليل:
أن هذا العدد ليس بشيء؛ لأن هذا المقدار ليس أكثر الصحابة، وخلاف الواحد كخلاف الأكثر.
<!--[if !supportFootnotes]-->رابعا القياس:
استدل أصحاب هذا القول بالقياس من وجهين:
1ـ أن المأموم مخاطب بالاستماع إجماعا فلا يجب عليه ما ينافيه إذ لا قدرة له على الجمع بينهما فصار نظير الخطبة فإنه لما أمر بالاستماع لا يجب على كل واحد أن يخطب لنفسه بل لا يجوز فكذا هذا .
2ـ أن القراءة غير مقصودة لعينها بل للتدبر والتفكر والعمل به،وحصول هذا المقصود عند قراءة الإمام وسماع القوم، فإذا اشتغل كل واحد منهم بالقراءة لا يتم هذا المقصود، وهذا نظير الخطبة فالمقصود منها الوعظ والتدبر، وذلك بأن يخطب الإمام ويستمع القوم لا أن يخطب كل واحد منهم لنفسه، دل عليه إذا أدرك الإمام في حالة الركوع، فإن خاف فوت الركعة سقط عنه فرض القراءة، ولو كان من الأركان في حق المقتدي لما سقط بهذا العذر كالركوع والسجود
أدلة القول الثاني
استدل أصحاب القول الثاني على ما ذهبوا إليه بالكتاب، السنة،والإجماع والقياس، المعقول:
أولا الكتاب:
1ـ قَال اللَّه تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
وجه الدلالة:
أن الآية في القراءة في الصلاة. وقال زيد بن أسلم، وأبو العالية: كانوا يقرءون خلف الإمام، فنزلت: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} . فأوجب الله تعالى الإنصات على المأموم،ولا شك أن قراءته تشغله عن الإنصات(
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بالآية من أربعة وجوه:
أحدها: أنها نزلت في الخطبة، وهو قول عائشة رضي الله عنها وعطاء.
<!--[if !supportFootnotes]-->الثاني: أن المراد بها ترك الجهر، وهو محكي عن أبي هريرة.
الثالث: قال ابن مسعود: كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة سلام على فلان، سلام على فلان فجاء القرآن: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}
الرابع: أنه مخصوص بحديث أبي هريرة وحديث عبادة كأنه قال اسْتَمَعُوا وَأَنْصِتُوا "بعد قراءة فاتحة الكتاب إنه لا صلاة إلا بها
ثانيا السنة:
1ـ عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا»
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أنه لا يقرأ خلف الإمام، ويحتمل التقييد بالجهر جمعا بين الأحاديث
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بالحديث بما يلي:
1ـ أن هذه اللفظة ليست ثابتة عن النبي r قال أبو داود في سننه هذه اللفظة (َفأَنْصِتُوا) ليست بمحفوظة روى البيهقي عن الحافظ أبي علي النيسابوى أنه قال هذه اللفظة غير محفوظة وخالف التيمي جميع أصحاب قتادة في زيادته هذه اللفظة ثم روى عن يحيى بن معين وأبى حاتم الدارى أنهما قالا ليست محفوظة قال يحيى بن معين ليست هي بشئ وذكر البيهقي طرقها وعللها كلها
2ـ أنه لا دلالة فيه لإمكان الجمع بين الأمرين فينصت فيما عدا الفاتحة أو ينصت إذا قرأ الإمام ويقرأ إذا سكت، أو أنه يحمل على أحد أمرين، إما علىترك الجهر، وإما على ترك السورة بعد الفاتحة.
2ـ عن أبي هريرة t, قال: صلى رسول الله r صلاة فلما قضاها , قال: «هل قرأ أحد منكم معي بشيء من القرآن؟» , فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله , فقال رسول الله r: «إني أقول ما لي أنازع في القرآن إذا أسررت بقراءتي , فاقرءوا معي وإذا جهرت بقراءتي فلا يقرأن معي أحد»
وجه الدلالة:
يدل هذا الحديث على أنه يجب القراءة في السرية دون الجهرية
3ـ عن جابر بن عبد الله t يقول: «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا أن يكون وراء الإمام»
<!--[if !supportFootnotes]-->
وجه الدلالة:
هذا الحديث فِيهِ دليل على أَن القراءة لا تَجِب عَلَى الْمَأْموم.
ثالثا الإجماع:
أجمعت الأمة على أنه من صلى خلف الإمام وقرأ إمامه ولم يقرأ هو فصلاته جائزة.
رابعا القياس:
1ـ أنها قراءة لا تجب على المسبوق، فلا تجب على غيره، كقراءة السورة، يحققه أنها لو وجبت على غير المسبوق لوجبت على المسبوق، كسائر أركانالصلاة.2ـ أنها ركعة أتى بها على سبيل الاقتداء فوجب أن لا يلزمه فيها قراءة، أصله إذا أدركه راكعا، ولأنه لو لزمه القراءة لجهر بها كالإمام
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بالقياس بما يلي:
1 - أن اعتداد المأموم بالركعة التي فاتته قراءتها بأن ذلك رخصة لا يعقل لها معنى مُحرر، وقد حمل الإِمام القيام وهو فرض ولم يدل حمله إياه على سقوط فرضه، وإنما اقتصر المأموم على قراءة أم القرآن ولم يقرأ السورة مع الإِمام؛ لأن قراءة أم القرآن فرض والاستماع للإمام سنة،والفرض أولى أن يقدم والسورة التي مع أم القرآن سنة والاستماع سنة فصح أن يقدم سنة على سنة.
2 - أما قياسهم عليه إذا أدركه راكعا فلا يصح، لأن ذلك مدرك بعض ركعة وإن جعله الشرع نائبا عن ركعة لا سنة على أن المعنى فيمن أدركه راكعا أنه لما لم يدرك محل القراءة لم تلزمه القراءة وأما ترك الجهر فلا يدل على ترك الأصل كالتكبيرات يجهر بها الإمام، وإن لم يجهر بها المأموم .
خامسا المعقول:
1ـ أن عموم الأخبار يقتضي القراءة في حق كل مصل، فخصصناها بما ذكرناه من الأدلة، وهي مختصة بحال الجهر، وفيما عداه يبقى على العموم، وتخصيص حالة الجهر بامتناع الناس من القراءة فيها يدل على أنهم كانوا يقرءون في غيرها.
أدلة القول الثالث
استدل أصحاب القول الثالث على ما ذهبوا إليه بالسنة والمعقول:
أولا السنة ومنها:
1ـ عن عبادة بن الصامت t، قال: كنا خلف رسول الله r في صلاة الفجر فقرأ رسول الله r، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم» قلنا: نعم هذا يا رسول الله، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمنلم يقرأ بهاوجه الدلالة:
هذا الحديث نص على أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها.
مناقشة هذا الدليل
أن هذا الحديث من رواية محمد بن اسحق ابن سيار عن مكحول ومحمد بن اسحق مدلس والمدلس إذا قال في روايته (عن) لا يحتج به عند جميع المحدثين.
أجيب عن ذلك:
أن الدار قطني و البيهقي روياه بإسنادهما عن أبي اسحق قال حدثني مكحول بهذا فذكره قال الدار قطني في إسناده هذا إسناد حسن وقد عُلم من قاعدة المحدثين أن المدلس إذا روى حديثه من طريقين قال في إحداهما (عن) وفي الأخرى (حدثني أو أخبرني) كان الطريقان صحيحين وحكم باتصال الحديث وقد حصل ذلك هنا
رُد ذلك:
أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يؤمروا بالإنصات عند قراءة القرآن، فلما نزل قوله تعالى: ﴿َ وإِذَا قُرِئَ القُرآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأنصتُوا ﴾ بطلت القراءة خلف الإمام أو هو مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ
2ـ عن أبي هريرة t عن النبي r قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» ثلاثا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمامفقال: «اقرأ بها في نفسك»وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على وُجُوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بالحديث بأن قول أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك. من كلامه، وقد خالفه جابر، وابن الزبير، وغيرهما، ثم يحتمل أنه أراد: اقرأ بها في سكتات الإمام، أو في حال إسراره.
ثانيا القياس:
1ـ أن من ساوى الإمام في إدراك الركن ساواه في إلزامه كالركوع.
2ـ أن من لزمه القيام بقدر القراءة لزمته القراءة مع الإمكان. كالمنفرد.
3ـ أن من أدرك محل الفرض لزمه الفرض كالصلاة تلزمه بإدراك الوقت
4ـ أنه لا تنوب قراءة أحد عن أحد كما لا ينوب الركوع عن السجود.
الرأي الراجح:
بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات يتضح أن الرأي الراجح هو القائل بأنه تجب قراءة الفاتحة على المأموم كما تجب على الإمام والمنفرد ؛لقوة أدلتهم،ولأنه الأحوط في أمر العبادة ولأن حديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ثابت في الصحيحين وهو عام في كل مصل، ولأن أدلة الرأيين الآخرين لم تسلم من المناقشة،ولاشك أن المثبت مقدم على المنفي،وقد قال القائلون بوجوب القراءة حق على الإمام أن يسكت سكتة بعد التكبيرة الأولى وسكتة بعد فراغه بقراءة فاتحة الكتاب وبعد الفراغ بالقراءة ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتابودليل هذه السكتة حديث الحسن البصري أن سمرة بنوعمران بن حصين تذاكرا فحدث سمرة أنه " حفظ من رسول الله r سكتتين سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) فحفظ ذلك سمرة وأنكر عليه عمران وكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب -رضي الله عنهم- فكان في كتابه إليهما أن سمرة قد حفظ "الواجب على المأموم أن يغتنم هذه السكتة ويقرأ فيها الفاتحة ليخرج من الخلاف وهذا من الورع المطلوب في الدينوالله تعالى أعلم بالصواب.
<!--<!--
<!--
<!--[endif]-->

