اختلف الفقهاء في حد عورة الرجل التي يحرم النظر إليها إلى قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في رواية، والزيدية، والإباضية إلى أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة وأن الفخذ من العورة. (<!--)
القول الثاني:
ذهب الحنابلة في رواية أخرى، والظاهرية ، والإمامية إلى أن عورة الرجل هي الفرجان فقط "القبل والدبر"وأن الفخذ ليست عورة، وبه قال محمد بن جرير الطبري. (<!--)
سبب الاختلاف(<!--)
يرجع سبب اختلاف الفقهاء في ذلك إلى أن هناك حديثان متعارضان كِلاهما ثَابِت: أَحَدهما حَدِيث جرهد(<!--) أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: «الْفَخذ عَوْرَة»(<!--) وَالثَّانِي: حَدِيث أَنَس بن مالك t«أَنَّ النَّبِيَّ r حَسَرَ عَنْ فَخِذِه، وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِه»(<!--)
الأدلة والمناقشة
أولاً: أدلة أصحاب القول الأول
استدل أصحاب المذهب الأول القائل بأن عورة الرجل ما بين السرة والركبة بالسنة ومنها :
1- عن جَرْهَد t أن النبي r مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي r: «غط فخذك فإنها من العورة» (<!--).
2- عَنِ ابْنِ عَبَاس– رضي الله عنهما- عن النبي r: «الفخذ عورة» (<!--)
3- عن عمرو بن شعيبt (<!--) عن أبيه، عن جده، عن النبي rقال: «إذا زوج أحدكم خادمه - عبده، أو أجيره - فلا ينظر إلى ما دون السرة، وفوق الركبة»(<!--)
وجه الدلالة:
دلت هذه الأحاديث علىِ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَة(<!--)
4 - ما روي عَنْ عَلِيّ بن أبى طالبt أن النبي r قال: «لا تبرز فخذك ولا تنظرن إلى فخذ حي ولا ميت»(<!--)
وجه الدلالة
هذا الحديث فيه دَلِيل عَلَى أَن الْحَي وَالْميت سَوَاء فِي حكْم الْعَوْرة وأن الفخذ عورة(<!--)
5 - عنَ جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: لما بنيت الكعبة، ذهب النبي r وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي r: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق، فقال: «إزاري إزاري فشد عليه إزاره»(<!--)
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أن الفخذ عورة حيث سارع r بتغطية فخذه(<!--)
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثاني
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن عورة الرجل هي الفرجان فقط بالكتاب، والسنة:
أولا الكتاب:
1 - قال تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾(<!--)
وجه الدلالة:
أن الْمرَاد من الآية العَورَة وأنهما غَطَّيا الْقبل وَالدبر فقط فعَلِم أَن مَا سواهما لَيس بِعَورَة(<!--)
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأنه لا دلالَة لَهُمْ فِيهَا، لِأَن قوْله تعالى: {يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ }(<!--) المراد بِه عَلَى أَبْدَانِهمَا أو أن الْمراد بِالسوأَة الْعَوْرَة الْغَلِيظَة وَنحن نَقول أَن الْعَورة الْغَليظَة هِيَ السوأَة(<!--)
ثانيا السنة ومنها:
1 - عَنْ عن أنس بْنِ مَالِكٍt، أن رسول الله r غزا خيبر، قال: فصلينا عندها صلاة الغداة(<!--) بغلس(<!--)، فركب نبي الله r وركب أبو طلحة(<!--)، وأنا رديف(<!--) أبي طلحة، فأجرى نبي الله r في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله r ، وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله r، فإني لأرى بياض فخذ نبي الله r(<!--)
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أن الفخذ ليست عورة ولو كانت عورة لما كشفها الله عز وجل عن رسوله r المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة؛ ولا أراها أنس بن مالك، ولا غيره، وهو تعالى قد عصمه من كشف العورة في حال الصبا وقبل النبوة (<!--)
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الاستدلال بأَن هذا محمول على غير اختيار الرسول فيه بسبب ازدحام الناس، يدل عليه مس ركبة أنس فخذه ويرجحه حديث جرهد وهو أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة، يتطرق إليها الاحتمال ما لا يتطرق لحديث جرهد فإنه أعطى حكما كليا، فكان أولى. وبيان ذلك أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية، أو كأن لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه بأنه عورة. (<!--)
2 - عن أبي العالية البراءt (<!--)، قال: أخر ابن زياد الصلاة، فجاءني عبد الله بن الصامت(<!--)، فألقيت له كرسيا، فجلس عليه، فذكرت له صنيع ابن زياد، فعض على شفته، وضرب فخذي، وقال: إني سألت أبا ذر(<!--) كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله r كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: «صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم فصل، ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي»(<!--)
وجه الدلالة :
أنه لو كانت الفخذ عورة لما مسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي ذر أصلا بيده المقدسة، ولو كانت الفخذ عند أبي ذر عورة لما ضرب عليها بيده وكذلك عبد الله بن الصامت، وأبو العالية، وما يستحل مسلم أن يضرب بيده على ذكر إنسان على الثياب، ولا على حلقة دبر الإنسان على الثياب، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب ألبتة (<!--).
3 - عن جابر بن عبد اللهtقال: «إن النبي r احتجم على وركه، من وثء(<!--) كان به»(<!--)
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الفخذ ليست عورة لأنه لو كان الورك عورة ما كشفها - عليه السلام- إلى الحجام وهذا إسناد أعظم آمالهم أن يظفروا بمثله لأنفسهم(<!--)
مناقشة هذه الأدلة:
نوقش هذا الاستدلال بأن أحاديثهم تحمل على أن غير الفرجين عورة غير مغلظة والمغلظة هي الفرجان وكشفُه عند الحجَّام إنما كان لعذر المداواة (<!--)
4 - عن عائشة – رضي الله عنها-، قالت: كان رسول الله r مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله r، وسوى ثيابه - قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»(<!--)
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الفخذ ليس بعورة لأنه لو كان الفخذ عورة لما كشفه بين يدي أبي بكر وعمر(<!--).
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بهذا الحديث بأنه مشكوك فيه لأن الراوي قال: (فخذيه أو ساقيه)، فدل ذلك على أن أصل الحديث ليس فيه ذكر كشف الفخذين، فهو حديث مضطرب،و لو صح الجزم بكشف الفخذ تأولناه على أن المراد كشف بعض ثيابه لا كلها ولأنها قضية عين فلا عموم لها ولا حجة فيها. رواه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه كان مكشوف الساق فلما دخل عثمان t غطاه والساق ليس بعورة على أنه لو صح ما رواه لاحتمل أمرين:
أحدهما: أن أبا بكر، وعمر كانا من جهة لا يريان فخذه ودخل عثمان رضي الله عنه من جهة يشاهد فخذه.
والثاني: أن يكون قد كشف قميصه عن فخذه وستره بسراويله استئناسا بهما لأنهما صهراه، فلما دخل عثمان عليه استحى فغطاه، لأنه كان رجلا كثير الحياة ألا تراه r وصفه بالحياء فقال r " إن عثمان t حيي " على أن المقصود بهذا الحديث إكرام عثمان وإبانة فضله(<!--)
الرأي الراجح:
بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات يتضح أن القول بأن عورة الرجل ما بين السرة والركبة وأن الفخذ من العورة هو الراجح ؛ لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة والظاهر أنه ليس هناك اختلاف بين الفريقين وقد أعجبني ما ذكره ابن قتيبة: حيث قال إنه ليس ههنا اختلاف، ولكل واحد من الحديثين موضع، فإذ وضع بموضعه زال ما توهموه من الاختلاف.(<!--)، وأما حَدِيث عَائشَة وَأَنس فَهما وَاردان فِي قضايا معينَة مَخْصوصَة يَتَطَرق إِلَيها مِن احْتِمَال الْخصوصِية أَو الْبَقَاء عَلَى أَصْل الإِباحة ما لا يتطرق إِلَى الأَحَاديث الْمَذْكورة فِي هَذَا الْبَاب على أَن طَرف الْفَخِذ قَدْ يُتَسَامَح فِي كَشْفِه لا سيَّما فِي مَوَاطِن الْحَرْب وَمَوَاقف الْخصام وقد تقرر فِي الأصُول أَن الْقَوْلَ أَرجح مِنَ الْفعْل، فإذا حمل أحاديث القول الثاني على العورة غير المغلظة وما عداها على العورة الكاملة ارتفع الخلاف .
والله تعالى أعلم بالصواب
<!--[endif]-->
(<!--) يراجع: البناية شرح الهداية (2/121)، التاج والإكليل (2/179)، المهذب في فقه الإمام الشافعي (1/124) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/611) البحر الزخار (2/226) شرح النيل وشفاء العليل (2/49).
(<!--) يراجع: شرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/611) المحلى لابن حزم (2/242)، المبسوط للطوسي (1/87).
(<!--) جرهد بْن رزاح (........ - 61هـ)
هو جرهد بن رزاح بْن عدي بْن سهم بْن مازن بن الحارث بن أسلم الأسلمي، كان شريفا يكنى أبا عبد الرحمن وكان من أهل الصفة. كان له دار بالمدينة في زقاق ابن حنين. و ذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات روى عنه ابناه: عبد الله، وعبد الرحمن بن درهم، وابن ابنه زرع بن عبد الله بن درهم، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان وأول خلافة يزيد بن معاوية.
يراجع: الطبقات الكبرى(4/223)، تهذيب الكمال(4/424)
(<!--) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة ـ باب ما يذكر في الفخذ (1/83)، وأحمد في مسنده، حديث جرهد الأسلمي(25/267) رقم15927
(<!--) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ(1/83)رقم371، ومسلم، كتاب الحج، باب فضيلة اعتاقه أمته ثم يتزوجها(2/1043)رقم1365
(<!--) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الأدب، باب ما جاء أن الفخذ عورة، (5/111) رقم 2798، وأحمد في مسنده، باب حديث جرهد الأسلمي، (25/280) رقم15933، وقال الترمذي: هَذَا حَدِيث حَسَن.
(<!--)أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ(1/83)والترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء أن الفخذ عورة(5/111)رقم 2796
(<!--)عمرو بن شعيب (....... ـ 118هـ)
هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل. الإمام، المحدث أبو إبراهيم وأبو عبد الله القرشي، السهمي، الحجازي، فقيه أهل الطائف, ومحدثهم وكان يتردد كثيرا إلى مكة، وينشر العلم، وأمه حبيبة بنت مرة الجمحية، حدث عن: أبيه -فأكثر- وعن: سعيد بن المسيب، وطاووس وسليمان ابن يسار، وحدث عنه: الزهري وقتادة وعطاء بن أبي رباح -شيخه- قال أحمد بن حنبل عنه: له أشياء مناكير، وإنما نكتب حديثه نعتبر به فأما أن يكون حجة, فلا، وقال أبو عمرو بن العلاء: كان لا يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب، إلا أنهما كانا لا يسمعان شيئا إلا حدثا به قال أبو زرعة: إنما أنكروا عليه لكثرة روايته، عن أبيه، عن جده. وقالوا: إنما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها وقال عنه العجلي، والنسائي: ثقة. توفي بالطائف .
يراجع: مختصر تاريخ دمشق (19/223)، سير أعلام النبلاء(5/497)
(<!--) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في قوله عز وجل: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} (4/64) رقم4114، والبيهقي في سننه الكبرى، كتاب الصلاة، باب عورة الأمة (2/320)رقم3220 قال أبو داود: «وصوابه سوار بن داود المزني الصيرفي، وهم فيه وكيع»
(<!--) يراجع: نيل الأوطار(2/75)، تحفة الأحوذي(8/66)
(<!--) أخرجه أبو داود، كِتَاب الْحَمَّامِ، باب النهى عن التعري، (4/40)رقم4015، وابن ماجة، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت، (1/469)رقم 1460، وأحمد في مسنده، مسند على بن أبى طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (2/405) رقم 1248قال أبو داود: هَذَا الْحَدِيث فِيهِ نَكَارَة.
(<!--) يراجع: عون المعبود(11/37)، التيسير بشرح الجامع الصغير(2/489)
(<!--) أخرجه البخاري كتاب المنافب، باب بنيان الكعبة(5/41)رقم3829، ومسلم، كتاب الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة(1/267)رقم340
(<!--) يراجع: المبسوط للسرخسي(10/146)، الحاوي الكبير(2/167)
(<!--) [سورة طه: من الآية 121]
(<!--) يراجع: المبسوط للسرخسي(10/147)، الحاوي الكبير(2/168)
(<!--) الغَدَاةِ:، الْغَدَاة: مَا بَين الْفجْر وطلوع الشَّمْس، وصلاة الغداة: صَلاةِ الصُّبْح
يراجع: تاج العروس(م غدو39/144)، المعجم الوسيط( باب الغين2/646)
(<!--) الغَلَسُ: ظَلامُ آخر اللَّيل إِذا اخْتلط بضوء الصَّباح
يراجع: معجم العين (م غدو 4/378)، المعجم الوسيط (باب الغين 2/656)
هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن عدي بن النجار، أمه عبادة بنت مالك بن عيد بن زيد بن مناة بن النجار، وكان لأبي طلحة من الولد عبد الله وأبي عمير وأمهما أم سليم بنت ملحان، شهد أبو طلحة العقبة مع السبعين من الأنصار، وشهد بدرًا وأحد والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله r. آخى رسول الله r بين أبي طلحة وأرقم بن الأرقم المخزومي، كان t صيتًا، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله r مات بالمدينة سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان t وهو يومئذ ابن سبعين سنة، وأهل البصرة يروون أنه ركب البحر فمات فيه فدفنوه في جزيرة. يراجع الطبقات الكبرى (2/382)، أسد الغابة (6/178)
(<!--) الرديف لغة: يُقَال ردفته أردفه إِذا ركبت خَلفه، المُرْتَدَف الذي يركب خلف الراكب.
يراجع: الصحاح(م ردف4/1363)، مشارق الأنوار(1/287)
(<!--) يراجع: شرح صح البخاري لابن بطال (2/33)، المحلى لابن حزم (2/242)

