حكم الأذان للفجر قبل الوقت
أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن للصلوات بعد دخول الوقت لأن الآذان شرع للإعلام بالوقت ، فلا يشرع قبل الوقت، لئلا يذهب مقصوده إلا الفجر( ).
فقد اختلف الفقهاء في الآذان للفجر قبل وقتها إلى قولين:
القول الأول:
ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، والإباضية، إلى أنه لا يجوز التأذين للفجر قبل الوقت وإن أذن قبل الوقت لا يجزئه ويعيده وبه قال الثوري، والحسن البصري( )
القول الثاني:
ذهب أبو يوسف من الحنفية ، المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والإمامية، والزيدية إلى جواز التأذين للفجر قبل الوقت وممن ذهب إلى هذا القول الأوزاعي، وإسحاق بن راهوية وقال ابن حزم: لابد لها من آذان ثانٍ بعد الوقت، وإن أذن قبل الوقت جاز إذا كان بينهما زمان يسير قدر ما يهبط الأول ويصعد الثاني ( )
سبب الاختلاف
يرجع سبب الاختلاف بين الفقهاء في ذلك إلى تعارض الأحاديث الواردة عن النبي حيث إنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما الحديث المشهور الثابت، وهو قوله – عليه الصلاة والسلام -: « «إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» ( ) ، وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى، لا يؤذن حتى يقول له الناس: أصبحت( )والثاني: مَا روي عن ابن عمر– رضي الله عنهما -: «أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي أن يرجع فينادي: «ألا إن العبد، قد نام ألا إن العبد قد نام»( ). فذهب الناس في هذين الحدثين إما مذهب الجمع وإما مذهب الترجيح( )
الأدلة والمناقشة
أدلة المذهب الأول
استدل أصحاب المذهب الأول بالسنة، والأثر، والقياس، والمعقول.
أولا السنة:
1-عن شداد مولى عياض بن عامر ( )، عن بلال، أن رسول الله قال له: «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا» ومد يديه عرضا،( )
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز التأذين للفجر قبل الوقت( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بالحديث بأنه طعن فيه أبو داود وغيره ولو سلمنا صحته فيحمل الأذان على الإقامة لما بينهما من المشابهة ولأنها إعلام في نفسها والإعلام هو الأذان جمعا بينه وبين الأحاديث الصحيحة ( )
2) عن ابن عمر ، أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي أن يرجع فينادي: «ألا إن العبد، قد نام ألا إن العبد قد نام»( )
وجه الدلالة:
هذا الحديث أثبت أن ما كان من ندائه قبل طلوع الفجر إنما كان لغير الصلاة، وأن ما أنكره عليه إذ فعله كان للصلاة( )
مناقشة هذا الدليل
نوقش هذا الحديث بأنه لم يروه إلا حماد بن سلمة، ورواه حماد بن زيد، الدراوردي، فخالفاه، وقالا: مؤذن لعمر وهذا أصح. وقال علي بن المديني: أخطأ فيه، يعني حمادا، وقال الترمذي: هو غير محفوظ، وإن صح فالجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه يقدم به على الوقت المعتاد.
الثاني: أنه يقدم الإقامة، لأنها تسمى أذانا.
الثالث: أنه أخر الأذان حتى صار مع طلوع الفجر بعد الوقت المعتاد ألا ترى إلى قوله: " ألا إن العبد قد نام "، والنوم يقتضي التأخير لا التقديم .
الرابع: أنه عارضه ما هو أصح منه. وهو حديث إن بلالاً ينادي بليل...
الخامس: يشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله يؤذن بليل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر. ( )
ثانيا الأثر:
1 - روى عن الْحَسَن البصري( )، أنه إذا ذكر عنده هؤلاء الذين يؤذنون بليل، كان يقول: علوج( ) فراغ لا يصلون الإقامة، لو أدركهم عمر بن الخطاب لأوجعهم ضربا، « أو» لأوجع رءوسهم( ) ".
2) عن إبراهيم النخعي( ) قال: شيعنا( ) علقمة( )، إلى مكة فخرجنا بليل، فسمع مؤذنا يؤذن، فقال: «أما هذا فقد خالف سنة أصحاب محمد لو كان نائما خيرا له، فإذا طلع الفجر أذن»( )
وجه الدلالة:
هَذِهِ الآثار كلها حكاية عن أكابر التابعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – تنص على عدم جواز الآذان قبل الفجر، وأخبر علقمة أن التأذين قبل طلوع الفجر , خلاف لسنة أصحاب رسول الله ( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأنه يحتمل أن يكون هذا النداء كان قبل نصف الليل، والنداء قبل نصف الليل لا يجوز فلهذا أنكر عليه ويحتمل قوله: فإذا طلع الفجر نادى على أنه أراد الفجر الأول( )
ثالثا القياس:
1) أنه أذان للصلاة فلم يجز تقديمه قبل وقتها كسائر الصلوات.
2)أن كل وقت لا يجوز أن يصلى فيه الصبح لم يجز أن يؤذن لها فيه قياسا على ما قبل نصف الليل.( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأن قياسهم على سائر الصلوات المعنى فيها تأهب الناس لها عند دخول وقتها والصبح يدخل وقتهما ولم يتأهب الناس لها لتنومهم فافترقت الصبح عن غيرها من الصلوات.
وأما قياسهم على ما قبل نصف الليل فالمعنى فيه: أنه وقت العشاء الآخرة فلم يجز تقديم الأذان إليه.
فإن قيل: فالشافعي حين جوز تقديم الأذان لها قبل الفجر قال: وليس ذلك بقياس، وأنتم قد جوزتم ذلك قياسا ففيه جوابان:
أحدهما: أنه لم يكن الأصل في تقديم الأذان القياس، ولكن السنة ثم كان القياس تبعا ومؤكدا، لأن ما ورد فيه نص لا يقال إنه حكم مأخوذ من القياس، وإن كان القياس يقتضيه.
والثاني: أنه أراد وليس ذاك بقياس على سائر الصلوات وإن كان قياسا على غيرها لمنع ذاك من تقديم الأذان لغير الصبح. ( )
رابعا المعقول:
1) أن المقصود من الأذان إعلام الناس بدخول الوقت فقبل الوقت يكون تجهيلا لا إعلاما ولأن المؤذن مؤتمن على لسان الرسول وفي الأذان قبل الوقت إظهار الخيانة فيما ائتمن فيه ولو جاز الأذان قبل الوقت لأذن عند الصبح خمس مرات لخمس صلوات وذلك لا يجوزه أحد ولا خلاف فيه إلا في صلاة الفجر
2) أن الأذان للفجر قبل الوقت إضرار بالناس لأنه وقت نومهم فيلتبس عليهم وذلك مكروه
3) أن جواز الآذان في الليل كله يؤدي إلى التباس أذان الفجر بأذان المغرب وإلى وقوع أذان الفجر قبل العشاء وهذا محال فلا يخفى على أحد فساده ( )
مناقشة هذا الدليل:
أنه إعلام بوقت التأهب للصلاة لا بوقت فعلها فليس كذبا ( )
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني بالسنة، والإجماع ، والقياس، والمعقول:
أولاً السنة:
1-عن سالم بن عبد الله( )، عن أبيه، أن رسول الله قال: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» ، ثم قال: وكان رجلا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت( )
وجه الدلالة:
أخبر أن نداء بلال للصبح يقع في الوقت الذي يجوز لمن أراد الصوم أن يأكل ويشرب،والأذان تسمية تقع في العرف على ألفاظ مخصوصة، الغرض بها الدعاء إلى الصلاة. ولو كان معناه الإشعار بالسحور لم يسم أذانًا ولا ذكرت فيه الحيعلة( ).
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الاستدلال بأن الحديث لا يستقل دليلا في أن الغرض به الدعاء إلى الصلاة، فقد قيل إن أذان بلال ما كان لصلاة الفجر ولكن كان لينام القائم ويقوم النائم فقد كانت الصحابة فرقتين فرقة يتهجدون في النصف الأول من الليل وفرقة في النصف الآخر، وكان الفاصل أذان بلال. ( )
أجيب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أن لفظ الأذان مختص بالصلاة غير مستعمل في جميعها.
الثاني: أنه لو كان سحورا لم يشكل عليهم ولا احتاجوا إلى تعريف النبي أنه قال: " «لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال - أو قال نداء بلال- من سحوره، فإنه يؤذن - أو قال ينادي - بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم» ( )( )
2) عن زياد بن الحارث الصدائي( )، قال: «أمرني رسول الله أن أؤذن في صلاة الفجر» ، فأذنت، فأراد بلال أن يقيم، فقال: رسول الله : «إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم»( )
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أنه يكفي الأذان قبل الفجر عَنْ إعادة الأذان بعد الفجر لِأَنَّه أذن قبل الفجر بأمر النبي وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام ( )
ثانيا الإجماع
أجْمَع أَهْلِ الْمدِينة علَى جواز التأذين قبل الفجر ينقله الخلف عن السلف نقلا متواترا ولما اطلع أبو يوسف ( ) على ذلك رجع عن مذهب أبي حنيفة( )
مناقشة هذا الدليل:
أنه نقل عن عمر بن الخطاب، وعائشة أم المؤمنين، ونافع، وغيرهم،أنه كان لا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر وهم أولى بالإتباع ممن جاء بعدهم فوجد عملا لا يدرى أصله، ولا يجوز فيه دعوى نقل التواتر عن مثله أصلا؛ لأن الروايات عن هؤلاء الثقات مبطلة لهذه الدعوى التي لا تصح؛ ولا يعجز عنها أحد ( ) .
ثالثا القياس:
1- أن الفجر يتعلق به عبادتان الصوم، وصلاة الصبح، فلما جاز في الصوم تقديم بعض أسبابه على الفجر، وهو النية للحاجة الداعية إلى تقديمها جاز في صلاة الصبح تقديم بعض أسبابها وهو الأذان للحاجة الداعية إليه، ليتأهب الناس لها فيدركون فضيلة تعجيلها كذلك قياسا على أنها عبادة يدخل وقتها بطلوع الفجر فجاز تقديم بعض أسبابها عليه كالصوم.
2- أنها صلاة جهر في نهار فجاز تقديم أذانها قبل جواز فعلها كالجمعة يؤذن لها قبل خطبتها( )
رابعا المعقول:
1) أنها تأتي في وقت نوم وحاجة إلى الاغتسال لكثرة الاجتماع بالنساء ليلا وفي الناس البطيء والسريع والفضيلة في التلغيس فيتعين الأذان قبل الفجر.
2) أن الأذان إن جعل تنبيها على الوقت كما أن الإقامة جعلت تنبيها على الفعل، فلما جاز إيقاع الإقامة قبل الفعل جاز ارتفاع الأذان قبل الوقت.( )
الرأي الراجح:
بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات يتضح أن القول القائل بجواز التأذين للفجر قبل الوقت هو الأولى بالقبول وذلك؛ لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة وما استدل به أصحاب القول الآخر قد أجيب عليها وقد جرى العرف على أن يؤذن للفجر قبل الوقت ليتأهب الناس ويستعدوا لها وقد اختلف أصحاب هذا القول في مقدار الوقت الذي يقدم فيه الأذان للصبح. فقيل: السدس الآخر من الليل. وقيل النصف الآخر. وقيل إذا صليت العتمة، وإن كان من أول الليل ،وفي هذا القول إفراط إذ لا فائدة في الأذان حينئذٍ والأفضل في ذلك كله ما تجتمع عليه كلمة الجماعة ويرتضيه الإمام الراتب حسبما يناسب أهل الحي الذي يوجد به المسجد وحسما لمادة النزاع وتحقيقا للمقصد الذي من أجله شرعت صلاة الجماعة وهو توحيد الكلمة ونبذ التفرقة ويفضل أن يجعل آذانه في وقت واحد في الليالى كلها لئلا يغتر الناس بذلك .
والله أعلم بالصواب

